قراءة في مشروع تعديل القانون المتعلق بالنظام الأساسي لضباط الجيش الوطن

قبل تناول هذا التحليل، أود أن أوضح أنني لا أدّعي مطلقًا أنني رجل قانون أو متخصص في القانون الدستوري أو الإداري. فهذه القراءة تستند فقط إلى بعض المعارف القانونية التي اكتسبتها من خلال تجربتي المهنية، والاطلاع، واهتمامي بالقضايا القانونية والمؤسسية. ومن ثم، قد تتضمن بعض أوجه القصور أو عدم الدقة أو تفسيرات يمكن للمتخصصين في القانون مناقشتها أو تصويبها.

ويهدف هذا النص، قبل كل شيء، إلى الإسهام في النقاش العمومي الدائر حول مشروع القانون المعدل للقانون رقم 64-130 المتعلق بالنظام الأساسي لضباط الجيش الوطني، أملاً في إثراء التفكير الجماعي من خلال طرح بعض التساؤلات القانونية والمؤسسية التي تستحق، في تقديري، التأمل والنقاش، مع كامل الاحترام لتعدد الآراء والحساسيات المعبر عنها بشأن هذه الإصلاحات.

يثير مشروع تعديل القانون رقم 64-130 المتعلق بالنظام الأساسي لضباط الجيش الوطني العديد من التساؤلات، لكونه يُخضع الضباط المحالين إلى التقاعد أو المسرحين أو المشطوبين من الجيش لالتزام الحصول على ترخيص مسبق من وزير الدفاع الوطني، المكلف بالمتقاعدين وأبناء الشهداء، قبل ممارسة أي نشاط سياسي أو عام.

وإذا كان الهدف المعلن من هذا المشروع هو الحفاظ على حياد المؤسسة العسكرية وترسيخ واجب التحفظ، فإن الآليات المعتمدة لتحقيق ذلك تطرح إشكالات تتعلق بالحريات العامة، وانسجام النظام الأساسي للعسكريين، ومدى تناسب القيود المقترحة.

ولا خلاف في أن الحياد السياسي للقوات المسلحة يمثل هدفًا مشروعًا في كل دولة ديمقراطية، فالعسكريون أثناء الخدمة يخضعون لالتزامات خاصة تكفل حيادهم وخضوع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية. غير أن الإشكال المطروح في المشروع لا يتعلق بالضباط العاملين، وإنما بأشخاص أنهوا خدمتهم الفعلية وأصبحوا يمارسون حقوقهم كمواطنين.

 

 

مفهومان مختلفان

 

وفي هذا السياق، ينبغي التمييز بين النشاط السياسي وواجب التحفظ، فالمفهومان ليسا شيئًا واحدًا.

فواجب التحفظ يهدف أساسًا إلى منع كشف المعلومات الحساسة أو القيام بتصرفات قد تضر بالمؤسسة العسكرية أو استغلال المعلومات التي تم الحصول عليها أثناء الخدمة.

أما الانخراط في حزب سياسي، أو المشاركة في النقاش العام، أو الترشح للانتخابات، أو تولي منصب انتخابي، فهي جميعًا تدخل في إطار الممارسة الطبيعية للحقوق المدنية والسياسية المكفولة لكل مواطن.

وبالتالي، يمكن لضابط متقاعد أن يشارك في الحياة السياسية مع احترامه الكامل لواجب التحفظ والسرية.

وتكتسي هذه التفرقة أهمية خاصة لأن مشاركة الضباط المتقاعدين في الحياة السياسية ليست أمرًا جديدًا أو استثنائيًا في موريتانيا. فقد سبق لعدد منهم أن أسسوا أو قادوا أحزابًا سياسية، أو شغلوا مناصب قيادية داخل أحزاب الأغلبية أو المعارضة، أو تقلدوا مناصب انتخابية.

وهذا الواقع قائم منذ سنوات طويلة، دون أن يثبت أنه أضر بحياد القوات المسلحة، الأمر الذي يجعل من الضروري تبرير الحاجة إلى فرض قيد واسع مثل اشتراط الحصول على ترخيص مسبق من وزير الدفاع.

 

 

مبدأ التناسب

 

وهنا يبرز مبدأ التناسب، وهو أحد أهم المبادئ التي يعتمدها القضاء الدستوري عند تقييم مشروعية القيود المفروضة على الحريات العامة.

ويقتضي هذا المبدأ أن تكون الوسائل التي يعتمدها المشرّع مناسبة للهدف المنشود، وضرورية لتحقيقه، وألا تمس الحقوق والحريات بأكثر مما تقتضيه الضرورة.

وبعبارة أخرى، لا يكفي إثبات أن حياد الجيش يستحق الحماية، بل يجب أيضًا إثبات أن تقييد حقوق الضباط السابقين أمر لا غنى عنه لتحقيق هذه الحماية، وأنه لا توجد وسائل أقل تقييدًا يمكن أن تحقق الغرض نفسه.

فإذا كان التخوف يتعلق بالإخلال بواجب التحفظ أو إساءة استعمال المعلومات الحساسة، فإن هذه الأفعال يمكن أصلاً ضبطها ومعاقبتها من خلال آليات قانونية خاصة.

وفي هذه الحالة، قد يبدو اشتراط الترخيص المسبق لأي نشاط سياسي إجراءً أوسع من اللازم، لأنه يطال جميع الضباط السابقين دون تمييز، بمن فيهم أولئك الذين يمارسون حقوقهم السياسية دون المساس بمصالح المؤسسة العسكرية.

 

 

خطر التعسف

 

وتكمن الإشكالية الأساسية في طبيعة آلية الترخيص المسبق نفسها.

ففي الأنظمة القائمة على احترام الحريات العامة، يكون الأصل هو حرية ممارسة الحقوق السياسية، بينما يشكل تقييدها الاستثناء.

غير أن المشروع لا يكتفي بمعاقبة التجاوزات المحتملة، بل يجعل ممارسة حق أساسي مرهونة بقرار إداري، وهو ما يحول الحرية إلى ترخيص.

وإذا لم يحدد القانون بدقة معايير منح الترخيص أو رفضه، فإن خطر التعسف يصبح قائمًا، لأن المشاركة في الحياة السياسية قد تصبح رهينة للتقدير الشخصي للإدارة.

 

 

إشكال في الاتساق القانوني

 

كما يثير المشروع إشكالًا يتعلق بانسجام النظام الأساسي للضباط.

فالإحالة إلى التقاعد، أو التسريح، أو الشطب، كانت تقليديًا تعني انتهاء العلاقة القانونية بين الضابط والمؤسسة العسكرية.

فالتقاعد يضع حدًا للخدمة الفعلية، والتسريح يعفي من الالتزامات العسكرية، بينما يؤدي الشطب إلى الخروج النهائي من سلك الضباط.

لكن إذا ظل هؤلاء الأشخاص خاضعين للحصول على ترخيص مسبق من وزير الدفاع لممارسة حقوقهم السياسية، فإن الأثر القانوني لهذه الأوضاع يصبح مختلفًا بصورة جوهرية.

ويؤدي ذلك إلى التساؤل عن الوضع القانوني الحقيقي للضباط السابقين.

فمن جهة، لم يعودوا خاضعين للتسلسل القيادي العسكري في أغلب التزاماتهم المهنية، ومن جهة أخرى، يظلون مرتبطين بسلطة عسكرية عند ممارسة أحد أهم حقوقهم الأساسية.

ويبدو أن المشروع ينشئ بذلك فئة وسطى بين العسكري أثناء الخدمة والمواطن العادي، دون تحديد واضح لطبيعة هذا الوضع أو مدته أو آثاره القانونية.

ومن ثم، قد يصبح من الضروري مراجعة الأحكام المتعلقة بالتقاعد والتسريح والشطب، حفاظًا على الاتساق الداخلي للنظام الأساسي للضباط، وإلا فإن النص سيجمع بين مقتضيات تؤكد انتهاء المسار العسكري وأخرى تُبقي بعض القيود الملازمة لهذا المسار.

 

 

الحريات الدستورية

 

كما ينبغي تقييم الإصلاح في ضوء المبادئ الدستورية التي تكفل حرية الرأي والتعبير والانتماء السياسي والمشاركة في الحياة العامة.

فهذه الحريات لا يجوز تقييدها إلا لأسباب مشروعة، وفي حدود ما تقتضيه الضرورة.

وكلما كانت القيود عامة، ودائمة، وخاضعة لسلطة تقديرية، ازدادت الحاجة إلى تبريرها تبريرًا قانونيًا قوياً.

خاتمة

في المحصلة، لا خلاف على أن الحفاظ على حياد القوات المسلحة وصيانة واجب التحفظ يمثلان هدفين مشروعين.

غير أن الإشكال الحقيقي يتعلق باختيار الوسائل القانونية المناسبة لتحقيق هذين الهدفين.

فيمكن الحفاظ على واجب التحفظ من خلال آليات محددة تعاقب المخالفات الفعلية، دون إخضاع ممارسة الحقوق السياسية لترخيص مسبق.

ومن هذا المنطلق، فإن الأحكام الواردة في مشروع تعديل القانون رقم 64-130، التي تشترط الحصول على موافقة مسبقة من وزير الدفاع الوطني لممارسة الحقوق السياسية، تثير تساؤلات جدية بشأن ضرورتها، ومدى تناسبها، وانسجامها مع المبادئ التي تحكم انتهاء الخدمة العسكرية وممارسة الضباط السابقين لحقوقهم وحرياتهم الأساسية.

جمعة, 26/06/2026 - 15:35