الحربائية في موريتانيا: بين السراب الاجتماعي والافتراس الاقتصادي

في شوارع نواكشوط، تعيد ظاهرة صامتة لكنها حاضرة بقوة تشكيل علاقاتنا الاجتماعية: إنها «الحربائية». ذلك السعي المحموم إلى تغيير اللون بحسب ديكور النجاح، من دون امتلاك الوسائل أو الشرعية اللازمة، يرسخ مناخًا من المظاهر الخادعة يهدد توازن بلدنا.

 

أول وجوه هذا التقليد يظهر لدى شباب يبحث عن هوية. فنلاحظ اليوم نزعة مقلقة لدى بعض الفتيات القادمات من أوساط متواضعة إلى محاولة نسخ حياة النخبة بأي ثمن. لقد أصبح إملاء المظهر حاضرًا في كل مكان: ارتداء الملاحف الفاخرة نفسها، وإظهار الإكسسوارات ذات العلامات التجارية، وارتياد أماكن الترفيه نفسها، كلها تحولت إلى هوس. وللحفاظ على هذه الواجهة، لم يعد كثيرون يترددون في تجاوز حدود المعقول، متناسين العواقب من ديون، وتنازلات أخلاقية، وابتعاد عن الأولويات التعليمية، من أجل لحظة مجد عابرة على شبكات التواصل أو في المجالس. إن هذا السباق نحو المساواة الشكلية يصنع مجتمعًا من الوهم، يفضل فيه الناس أن يبدوا شيئًا على أن يكونوه فعلًا.

 

لكن الحربائية لا تتوقف عند الملابس؛ بل تتسلل إلى الدوائر العليا للاقتصاد بقسوة مدهشة. ولعل أكثر المشاهد إيلامًا هو رجل الأعمال الثري الذي، بدل أن يتجه إلى الأسواق الدولية الكبرى أو الصناعات المنتجة، يختار منافسة التاجر الصغير. فعندما يأتي من يملك الملايين لينازع قوت من لا يريد سوى إطعام أسرته يومًا بيوم، فإن السلم الاجتماعي كله يتعطل. وباستحواذ هؤلاء الكبار على أنشطة التجزئة أو الخدمات الصغيرة القريبة من الناس، لا يتركون للفئات الهشة إلا الفتات. هذا التقليد الاقتصادي شكل من أشكال التراجع: فالغني لم يعد يسعى إلى رفع المجتمع، بل إلى احتلال كل المساحات، تاركًا المبادرة الشعبية من دون فرصة للنمو.

 

إن هذه الحركة المزدوجة من التقليد، من الأسفل الذي يريد الجلوس في الأعلى، ومن الأعلى الذي يريد خطف أرباح الأسفل، تفكك تماسكنا الاجتماعي. وتأثيرها واضح وصادم. فالشباب باتوا يعجزون عن الزواج، لعدم امتلاكهم الوسائل الحقيقية لمجاراة ضغط المظاهر. والمجتمع يفقد بوصلته: فمن لا يملك شيئًا لم يعد يُحسب شيئًا. وفي هذا السعي المحموم وراء المال، تصبح كل الوسائل مقبولة: المضاربة، والكذب، والتهريب، والقوادة، والشعوذة، واختلاس المال العام، وكل ما يمكن أن يدر المال. وهكذا نشهد تآكل القيم؛ إذ يفقد الاستحقاق والعمل الجاد بريقهما أمام التحايل والاستعراض. ثم تأتي هشاشة الطبقة الوسطى؛ فبين ضغط الاستهلاك والمنافسة غير العادلة من أصحاب النفوذ، يختنق صغار المقاولين. وأخيرًا، تبرز هوية مهددة؛ إذ إننا، من فرط محاولتنا التشبه بنموذج ليس نموذجنا، نخاطر بفقدان أصالة التضامن الموريتاني.

 

لقد حان الوقت للتساؤل عن نموذج المجتمع الذي نبنيه. فتقدم الأمة لا يقاس بعدد الحقائب الفاخرة، ولا بتراكم الأرباح الصغيرة في أيدي الكبار. بل يقاس بقدرة كل فرد على أن يبقى كريمًا في وضعه، وأن يجد في الوقت نفسه المساحة اللازمة للتقدم بصدق ونزاهة. إن الحربائية ليست سوى تمويه ينتهي بنا إلى نسيان من نكون حقًا. وللمضي قدمًا، تحتاج موريتانيا إلى بُناة، لا إلى مقلدين.

 

محمد اعليه

اثنين, 11/05/2026 - 13:09