
يثير حديث بعض المسؤولين عن الفساد بعد مغادرتهم مواقع القرار أكثر من سؤال. فكيف تتحول “الصحوة” فجأة إلى خطاب مرتفع النبرة بعد التقاعد أو الإبعاد، بينما كان أصحابها، لسنوات، داخل دوائر النفوذ ويمتلكون الصلاحيات والوسائل والاطلاع؟ هل كان الفساد خافيًا عليهم فعلًا، أم أن الحديث عنه يصبح أسهل حين تزول كلفة المواجهة؟
المفارقة أن بعض هؤلاء لا يكتفون بإدانة الفساد متأخرًا، بل يقدمون أنفسهم في ثوب الشاهد الغاضب أو المصلح المكتشف، رغم أنهم كانوا جزءًا من منظومة تنفيذية عايشت ذلك الفساد، وتعايشت معه، بل ودافعت أحيانًا عن النظام الذي وفر له الحماية والغطاء. وهنا يفقد الخطاب كثيرًا من قوته الأخلاقية، لأن السؤال لا يتعلق فقط بما يقال اليوم، بل بما فُعل أو سُكت عنه بالأمس.
إن محاربة الفساد لا تبدأ بعد مغادرة المنصب، ولا تكتسب صدقيتها من حدة التصريحات اللاحقة، بل من المواقف التي تُتخذ حين تكون الكلفة حقيقية والمسؤولية قائمة. أما حين يأتي الكلام بعد انقضاء السلطة، فإنه يظل عرضة للشك: هل هو صحوة ضمير فعلية، أم تصفية حسابات، أم محاولة متأخرة لإعادة التموضع في الفضاء العام؟
وفي النهاية، لا يقنع الرأي العام كثيرًا خطابٌ ضد الفساد يصدر عمّن كان قريبًا من مراكزه، ما لم يكن مصحوبًا باعتراف واضح بالمسؤولية، أو كشف موثق، أو تفسير صريح لسنوات الصمت الطويلة.
مولاي سيد احمد



.jpeg)

.jpeg)