مالي بعد هجمات ابريل: نهاية الأوهام أم بداية ارتباك روسي؟

في انتظار ما ستفضي إليه الوساطات الجارية لإعادة ترتيب مقاربة جديدة لإدارة الأزمة المالية، تثير مؤشرات التآكل داخل السلطة في باماكو، وانعكاساتها المحتملة على مستقبل تحالف دول الساحل، قلقًا متزايدًا لدى المتابعين. ويكشف تتبع القنوات الروسية على تطبيق تلغرام، سواء ذات الطابع الإخباري أو الدعائي، عن كثافة لافتة في التفاعل مع أحداث 25 و26 أبريل. فمنذ الساعات الأولى للهجمات، تدفق سيل متواصل من الفيديوهات والتقارير والتعليقات، في محاولة واضحة لبناء سردية متماسكة تحد من الأثر السياسي والمعنوي للانتكاسة.

 

في المقابل، يواصل كل من جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد الإقرار، بشكل شبه علني، بوجود تنسيق ميداني بينهما. بل إن الجماعة المرتبطة بالقاعدة ذهبت، في منشور بتاريخ 27 أبريل، إلى الإعلان عن انضمام حامية من الجيش المالي في تيساليت بأقصى الشمال، داعية إلى استسلام شامل مقابل ضمانات أمنية. ويلاحظ هنا أن الخطاب الصادر عن هذه البيانات بات أقل اعتمادًا على الصياغات الدينية التقليدية، وأكثر ميلًا إلى لغة براغماتية مباشرة.

 

أما قناة “العم الأبيض في إفريقيا”، فتصور ما جرى باعتباره عملية هجومية واسعة ومنسقة نفذها “جهاديون وانفصاليون”، في تمييز لافت عن الرواية الرسمية المالية التي تصنف الجميع ضمن خانة “الإرهابيين”. وتبرز هذه القناة شدة المواجهات واتساعها، مع الحديث عن دخول “مئات المقاتلين” إلى كاتي قرب باماكو، مدعومًا بمقاطع تظهر تحركاتهم داخل المدن. غير أن عرضها لأحداث كيدال يكشف في الوقت نفسه حرصًا على الإيحاء بأن الانسحاب تم في إطار تفاوض، مع التشديد على بقاء القاعدة اللوجستية في غاو بفعل التعزيزات الروسية-المالية. كما تقدم غاو وموبتي-سيفاري باعتبارهما منطقتين مستقرّتين بعد انسحاب GSIM وFLA. وتعتمد القناة على أرتال مسلحة، ومقاطع للطائرات المسيّرة، ومشاهد اشتباك، لإضفاء انطباع بالسيطرة، بينما يتسم خطابها بنبرة هجومية وساخرة تهدف إلى نفي أي إيحاء بالهزيمة، خصوصًا عبر تجنب لفظة “انسحاب” عند الحديث عن كيدال.

 

أما الفيلق الإفريقي فيتبنى خطابًا أكثر قربًا من الصيغة شبه الرسمية، إذ يقدّم الأحداث على أنها محاولة انقلاب واسعة تنفذها جماعات “إرهابية” مدعومة من قوى غربية ومدربين أجانب، مع تلميحات متكررة إلى أوكرانيا. ويلاحظ هنا توظيف واضح للتضخيم العددي من أجل تقليل وطأة الإخفاق: بين 10 و12 ألف مهاجم، وأكثر من ألف قتيل، وتدمير مئة مركبة على جبهة تمتد إلى 2000 كيلومتر. ورغم هذا الخطاب الانتصاري، يظل الاتهام موجّهًا في جوهره إلى الغرب بوصفه الداعم المفترض لهذه الجماعات، مع الحرص على تأكيد أن “السيناريو السوري” أُفشل في مالي.

 

في المقابل، تعتمد منصة ريبار إفريقيا مقاربة أكثر تحليلية وأقل اندفاعًا. فهي تعترف بتعدد محاور الهجوم وتشرح آلياته، مع الإشارة إلى غياب اختراق حاسم ونهائي. وتُظهر خرائطها درجة من التفتت في السيطرة، لا سيما في كيدال حيث تصف الوضع بأنه “مرن”. كما تمنح الطائرات المسيّرة دورًا محوريًا في تفسير سير المعارك، عبر تقديم معطيات تقنية وعرض بقايا معدات. وعلى خلاف القنوات الأخرى، لا تتردد هذه المنصة في إبراز نقاط ضعف الجيش المالي وتحميلها جزءًا من المسؤولية عن الإخفاقات التكتيكية. وحتى حين تعيد توصيف ما جرى في كيدال باعتباره “عملية إخلاء”، فإنها تفعل ذلك في إطار محاولة الحفاظ على سردية استمرارية السيطرة، لا إنكارًا كاملا للانتكاسة.

 

ورغم محدودية جمهوره، يُعد هذا النوع من المنصات من بين الأكثر نشاطًا في متابعة الشأن الإفريقي من الزاوية الروسية. فهو يقر بسقوط كيدال، لكنه يصر على أن المواقع الاستراتيجية المحيطة ما تزال “تحت السيطرة”، في محاولة لتقليل أهمية التقدم المسلحين والإبقاء على صورة الدولة الصامدة. ويتكرر في هذا الخطاب شعار واضح: “مالي ليست سوريا”.

 

ومنذ تأسيسها سنة 2023، تعمل منصة African Initiative بوصفها شبكة تأثير إعلامي موجهة تسعى إلى لعب دور “الجسر” بين روسيا وإفريقيا، من خلال محتوى متعدد اللغات ذي توجه مؤيد لموسكو ومعادٍ للخطاب الديمقراطي الغربي. وتقوم في كثير من الأحيان على تفنيد روايات منسوبة إلى وسائل إعلام مثل Jeune Afrique وAfrica Intelligence، عبر اتهامها بترويج معطيات مضللة.

 

وفي تغطيتها لأحداث 25 أبريل، قدمت المنصة رواية زمنية منظمة للهجمات، تبدأ مع نداء الفجر، ثم تفجير السيارات المفخخة، فالهجمات المتزامنة التي أعقبته. كما سعت إلى نفي الشائعات المرتبطة بمقتل أو فرار شخصيات بارزة في المجلس العسكري، ووصفتها بأنها جزء من “حملة تضليل واسعة”. وحرصت، في الوقت ذاته، على إبراز فرض حظر التجول، وهدوء باماكو، واعتقال عدد من المشتبه بهم، أحيانًا بمساعدة سكان محليين.

 

غير أن اللافت أن أيًا من المصادر المعتمدة في هذا العرض لم تتطرق إلى تدمير مركز قيادة الطائرات المسيّرة في سيفاري، الذي شكّل، فجر 25 أبريل، إحدى أولى نقاط الانطلاق في الهجوم. ويبدو أن جزءًا من الارتباك الذي طبع الساعات التالية يعود أيضًا إلى الخطاب غير المتماسك الذي قدمه، مساء 26 أبريل، الجنرال موسى ديارا، رئيس أركان الجيش المالي، خلال ظهوره على التلفزيون الرسمي ORTM1. فعلى الرغم من محاولته طمأنة الرأي العام، أثارت مداخلته مزيدًا من الشكوك، بل بدت، من حيث لا يريد، معبرة عن حجم الصدمة وصعوبة احتوائها.

 

وفي اليوم التالي، عاد الوزير الأول عبد الله مايغا إلى باماكو قادمًا من واغادوغو، حيث عقد لقاء محدودًا مع عدد من الصحفيين، قبل أن يظهر لاحقًا في المستشفى إلى جانب الجرحى. ورغم أن السلطة ما تزال قائمة شكليًا، فإنها تبدو أقل تماسكا مما كانت عليه، وقد أضعفتها ثقة مفرطة سابقة. وفي 27 أبريل، أعاد حساب مايغا على منصة إكس تكرار الخطاب نفسه: “النضال من أجل كرامتنا وشرفنا غير قابل للتفاوض”، وهو خطاب يعكس رغبة واضحة في الإبقاء على صورة السلطة الصلبة، رغم ما توحي به الوقائع من هشاشة متزايدة.

 

على الضفة الأخرى، تستعد الجزائر لمرحلة جديدة من التموضع، مع الحديث عن عودة الإمام محمود ديكو، الرئيس السابق للمجلس الإسلامي الأعلى في مالي وزعيم تحالف قوى الجمهورية، إلى باماكو. وقد تمثل هذه العودة، إن تمت، لحظة سياسية فارقة. فرغم التحفظات القائمة تجاهه داخل جزء من الرأي العام المالي، فإنه لا يزال يُنظر إليه بوصفه أحد القلائل القادرين على مخاطبة فاعلين مثل GSIM وFLA. كما يشكل، في نظر كثيرين، ورقة وازنة في يد الجزائر، في مقابل المغرب الذي يعزز حضوره في باماكو وواغادوغو، بينما تبدي نيامي قدرًا من التحفظ.

 

وفي الوقت نفسه، تتصاعد في بوركينا فاسو مخاوف من تكرار سيناريو 25 و26 أبريل، مع احتمال توسع الحشد الميداني ليشمل مقاتلين من مالي والنيجر ونيجيريا ومنطقة خليج غينيا، تحت مظلة تنسيق تقوده عائلة ديكو داخل الفضاء الذي تتحرك فيه جماعة نصرة الإسلام والمسلمين.

 

وفي المحصلة، لم تعد المسألة في مالي مجرد جولة عسكرية جديدة، بل باتت تعكس أزمة أعمق تمس بنية السلطة، وتكشف حدود السردية الروسية-المالية التي حاولت طوال الأشهر الماضية تقديم الوضع بوصفه تحت السيطرة الكاملة. وبين وساطات تبحث عن صيغة جديدة، وتحالفات مسلحة أكثر جرأة، وتنافس إقليمي ودولي يتسع، يبدو المشهد في الساحل مفتوحًا على مرحلة تتداخل فيها نهاية الوهم الأمني مع تعثر المشروع الروسي نفسه في المنطقة

أربعاء, 29/04/2026 - 09:11