الرواية الروسية لأحداث مالي

تُصوّر بعض القنوات الروسية ما جرى باعتباره عملية هجومية واسعة ومنسقة نفذها “جهاديون وانفصاليون”، في توصيف يتعارض مع الرواية الرسمية المالية التي تصف جميع المهاجمين بالإرهابيين. وتبرز هذه القنوات شدة القتال وطوله، مع الحديث عن دخول مئات المقاتلين إلى كاتي قرب باماكو، مدعومين بمقاطع تظهر تحركاتهم داخل المدن.

 

أما في ما يتعلق بـكيدال، فيظهر حرص واضح على الإيحاء بأن الانسحاب تم في إطار تفاوض، مع التركيز على بقاء القاعدة اللوجستية في غاو بفضل التعزيزات الروسية–المالية. كما تُقدَّم غاو وموبتي–سيفاري بوصفها مناطق استعادت استقرارها بعد انسحاب الجماعات المهاجمة. وتُستخدم المقاطع المصورة، من أرتال مسلحة وطائرات مسيّرة ومشاهد اشتباك، لإضفاء طابع واقعي يوحي بالتحكم في الوضع، بينما تأتي اللغة المستخدمة هجومية وساخرة، هدفها نفي أي انطباع بالهزيمة، خصوصًا عبر تجنب لفظ الانسحاب عند الحديث عن كيدال.

 

وتتبنى مصادر أخرى أسلوبًا أقرب إلى الخطاب شبه الرسمي، إذ تقدم الأحداث باعتبارها محاولة انقلاب واسعة تقودها جماعات “إرهابية” مدعومة من قوى غربية ومدربين أجانب، مع تلميحات غير مباشرة إلى أوكرانيا. ويُلاحظ في هذا السياق لجوء هذه المصادر إلى التضخيم الرقمي لتقليل وقع الانتكاسة: الحديث عن 10 إلى 12 ألف مهاجم، وأكثر من ألف قتيل، وتدمير 100 مركبة على جبهة تمتد ألفي كيلومتر. ورغم هذه النبرة الانتصارية، يجري تحميل الغرب مسؤولية دعم الجماعات المسلحة، مع التأكيد على إفشال ما يُسمى بـالسيناريو السوري في مالي.

 

في المقابل، تعتمد مصادر روسية أخرى نهجًا أكثر تحليلًا وأقل انحيازًا، إذ تعترف بتعدد محاور الهجوم وتشرح آلياته، مع الإشارة إلى غياب اختراق حاسم في بعض المواقع. وتُظهر الخرائط التي تنشرها حالة تجزؤ في السيطرة، خاصة في كيدال حيث يوصف الوضع بأنه مرن. كما تمنح هذه المصادر أهمية خاصة للطائرات المسيّرة بوصفها عاملًا حاسمًا، وتقدم تقديرات تقنية مدعومة بعرض لبقايا معدات. وعلى خلاف الخطابات الدعائية الصريحة، تسلط هذه المقاربات الضوء على نقاط ضعف الجيش المالي، وتُرجع إليها جزءًا من الإخفاقات التكتيكية، مع إعادة توصيف مشاهد الانسحاب من كيدال على أنها عملية إخلاء، حفاظًا على فكرة استمرار السيطرة.

 

وهناك أيضًا قنوات أقل انتشارًا، لكنها شديدة النشاط في الملف الإفريقي، تعترف بسقوط كيدال، مع تأكيدها أن المواقع الاستراتيجية المحيطة بها لا تزال “تحت السيطرة”. ويهدف خطابها إلى تقليل أهمية تقدم المسلحين والتشديد على صمود الدولة، مع تكرار العبارة نفسها: مالي ليست سوريا.

 

المنصات الدعائية وإدارة الرواية

 

منذ تأسيس بعض المنصات الإعلامية الروسية الموجهة نحو إفريقيا سنة 2023، تشكلت شبكات تأثير تعمل كوكالات أخبار ذات خطاب موجّه، تسعى إلى لعب دور “الجسر” بين روسيا وإفريقيا، عبر محتوى متعدد اللغات ومنحاز لموسكو، ومعادٍ للخطاب الديمقراطي الغربي. وتعتمد هذه المنصات، في كثير من الأحيان، على تفنيد روايات وسائل إعلام مثل جون أفريك وأفريكا إنتليجنس، من خلال نسب معلومات مغلوطة إليها أو التشكيك في مصداقيتها.

 

وفي تغطية أحداث 25 أبريل، قدمت هذه المنصات سردًا زمنيًا منظمًا للهجمات، يبدأ من نداء الفجر، ثم ينتقل إلى تفجير سيارات مفخخة وهجمات متزامنة. كما سعت إلى احتواء الشائعات المتعلقة بمقتل أو فرار كبار قادة المجلس العسكري، ووصفت تلك الروايات بأنها حملة تضليل واسعة. وفي المقابل، أشادت بفرض حظر التجول، وبهدوء سكان باماكو، وباعتقال عدد من المشتبه فيهم، أحيانًا بمساعدة سكان محليين

ثلاثاء, 28/04/2026 - 13:47