
حين يغيب النقد تحت وطأة المجاملات، لا يخسر النص الأدبي وحده، بل تخسر البيئة الثقافية بأسرها قدرتها على التمييز بين الجيد والرديء، بين ما يستحق البقاء وما يجب تجاوزه. لأن لمجاملة، متى تحولت إلى قاعدة، لم تعد لفتة اجتماعية بريئة، بل آلية تعطيل للإبداع، تبقي الرداءة في الواجهة وتحشر الجودة في الهامش.
والذي لا يدعو لريب انه في حالة منكبها يتخذ هذا الخلل بعدا مركبا، حيث يتقاطع ثقل الإرث مع فوضى التقليد غير المؤطر. فمن جهة، تقديس غير واع للماضي، يخضع النصوص لمعايير القرب من النماذج القديمة لا لقدرتها على الابتكار. ومن جهة أخرى، اندفاع نحو حداثة سطحية تفتقر إلى الأدوات المعرفية والجمالية التي تمنحها شرعيتها. وبين هذين القطبين يضيع النص الأصيل.
فادعاء السبق والألمعية، في غياب نقد جاد، يخلق بالتأكيد وهما جماعيا بالتفوق. غير أن الواقع يكشف أن الإبداع الحقيقي يظل حكرا على قلة استطاعت المزاوجة بين الوعي بالتراث والقدرة على تجاوزه. هؤلاء لم يرفضوا الماضي بل أعادوا قراءته، ولم ينقادوا للحداثة بل استوعبوها واشتغلوا على أدواتها بفراسة وعمق.
وإذن ليست المشكلة في الماضي بتاتا ولا في الحداثة بأس شكل، بل في طريقة التعامل معهما لأن التراث حين يستدعى سلطة مخيفة لا مرجعا مغنيا، يتحول إلى قيد بينما الحداثة حين تستجلب شكلا لا مشروعا، تتحول إلى قشرة فارغة. وهنا يتأكد دور النقد وسيطا ضروريا لإعادة التوازن، لا أداة هدم بل فعلا بنائيا يقوم النصوص ويؤسس لذائقة جديدة.
ليست الحاجة اليوم إلى مزيد من النصوص، بل إلى خطاب نقدي شجاع يتحرر من العلاقات الشخصية ومنطق الترضيات، ويستند إلى معايير واضحة. نقدٌ يُعيد الاعتبار لقيمة الجهد، ويضع حدودا بين التجريب المنتج والفوضى، وبين الأصالة والتكرار.
في هذا السياق، يصير الإبداع فعل مقاومة: للمجاملات، ولميراث الجمود، ولإغراءات الادعاء. وقبل هذا وبعده، فعل وعي؛ بأن الأدب لا يُقاس بما يُقال عنه، بل بما يُحدثه من أثر، وبقدرته على مساءلة الواقع وتجاوزه.
إن تحرير المشهد الأدبي في منكبنا يجب أن مر حتما بكسر هذا الصمت النقدي، وفتح المجال لنقاشات مفتوحة وعارمة، قد تكون قاسية في بعض الأقات لكنها ضرورية علما بأن الإبداع لا يشيب إلا حين يحاط بالتصفيق الزائف، وأما حين يواجه نقدا صادقا، فإنه يستعيد شبابه ويجدد دماءه.



.jpeg)

.jpeg)