نحن والمال

يُروى كثيرًا في نواكشوط هذا الخبر عن أحد السفراء الموريتانيين القدامى، وكان شيخ قبيلة ورجلًا شديد المحافظة.

 

كان السفير في سيارته التي كان يقودها بنفسه، على غير العادة، في ذلك اليوم. وكان قادمًا من لكصر عبر شارع بورقيبة، ولما وصل قرب المسجد العتيق، انفجر أحد الإطارات. وبالطبع، لم يكن سعادته يعلم أن هذه “الأشياء” يمكن أن تنفجر، سواء انفجرت أم لا، فقد كان يتركها للآخرين. توقفت السيارة بعد نحو مئتي متر، فنزل السفير.

 

جمع أطراف دراعته المطرزة، ووضع يديه خلف ظهره، وتقدّم بنعليه المغربيتين، ومضى في طريقه دون أن يلتفت إلى السيارة المتوقفة وسط الطريق. وكان سائق سيارة أجرة يراقب المشهد، فتوقف عند مستوى السفير، فحيّاه التحية التقليدية واضعًا يده على كتفه.

– إلى أين نذهب؟

– «إلى البيت يا بني»، أجاب سعادته، معتقدا انه  شخص يعرفه، وهو يتساءل في داخله: «إلى أين يمكن أن نذهب غير بيتنا؟».

تلعثم سائق الأجرة قائلًا شيئًا غامضًا: «أه… هو… البيت… أين يقع البيت؟».

فقال السفير، مستغربًا: «كيف يا بني، ألا تعرف بيتنا في الحي K؟ هذا ليس جيدًا يا صغيري، يجب أن تعرف بيوت والديك!».

 

وبعد قليل حصل السائق على العنوان الدقيق، فأنزل الرجل هناك بعد دقائق. نزل السفير، وودّع، وأغلق الباب، واتجه نحو بيته. لكن صوت بوقٍ متواصل جعله يلتفت. كان سائق الأجرة يلوّح له.

فقال في نفسه: «لا بد أنني نسيت شيئًا»، وقال له: «نعم يا بني، هل تحتاجني؟»

– «في الحقيقة… لم تدفع الأجرة»، قال السائق.

– «أدفع؟ أدفع؟! لكني لم أرك من قبل!»

– «هذا تاكسي، ندفع عندما نركب».

– «آه!» قال السفير مرتاحًا، «إذن هذا هو الأمر! كم؟»

 

وأخرج رزمة من الأوراق النقدية من جيبه.

– «عشرون أوقية»، قال السائق.

فأعطاه ورقة من فئة ألف أوقية وانصرف.

فصاح به السائق: «انتظر!» وأعاد إليه 980 أوقية.

– «ما هذا؟» سأل السفير مستغربًا.

– «أخذتُ عشرين، والباقي لك…»

فأخذ السفير النقود في يد، وأخذ يقلب القطع في اليد الأخرى، وقال:

«مهما قيل، فالمال مفيد أحيانًا… وغريب أيضًا، حتى إننا نجد فيه أشياء ترنّ الآن!»

 

لطالما كانت علاقة الموريتاني بالمال ملتبسة. وهو، إلى جانب “الأكل”، من أقل المواضيع تداولًا ونقاشًا، إذ كان يُعدّ لفترة طويلة موضوعًا غير لائق، بل مثيرًا للنفور، يكاد يندرج ضمن المحظورات.

 

القيمة الأولى في هذا البلد، تلك التي يُحلم بها ويُسعى إليها، كانت طويلًا «النُّبل». وكان النبل، لفترة طويلة أيضًا، يعني الفقر بل وحتى العوز.

 

يُقال عادة إن الموريتانيين، وخاصة البيظان، أمة تجارية. وهذا القول غير صحيح، ككثير من الأقوال الشائعة. نعم، وُجدت مدن قوافل، لكن التجارة القافلية كانت محدودة، وغالبًا ما كانت عمليات مقايضة: ملح مقابل ذهب، أو ملح مقابل عبيد، أو عبيد مقابل ماشية، أو أقمشة مقابل توابل، وغيرها.

 

وقليل جدًا من الناس استعملوا تلك العملة الشهيرة التي عُثر على بعض عشرات الدنانير منها في منطقة أشرم بتكانت. وقد ظل المال يلعب دورًا ثانويًا جدًا في موريتانيا، حتى بداية القرن العشرين،

 

وقد ذُكر المال لأول مرة في الشعر الشعبي حوالي سنة 1930، عندما احتاج أحد الحدادين إلى 31 فرنكًا، فذهب يطلبها من الشيخ الشهير ولد ابنو المقداد في سان لويس.

 

وهناك أيضًا قصيدة جميلة جدًا على بحر «أزغار»، تمثل أول خروج للمال من دائرة الحرج والعيب.

 

وعندما يُذكر شيء في «الشعر النبيل»، وخاصة إذا كان الشاعر حدّادًا، فإن ذلك يشكل نوعًا من الترويج القوي. خاصة أن الشعر الشعبي كان وسيلة الثقافة الأساسية آنذاك، يقوم مقام الأدب، ووسيلة تبسيط، ودليلًا للسلوك، ومرجعًا لما يقال وما لا يقال.

 

وفي أواخر الثلاثينيات ظهر مثل يقول: «أن تختار بين السمك المجفف (الكاشو) وخمسة فرنكات»، للدلالة على أن الاختيار سهل بين شيئين متناقضين.

 

ولإعطاء فكرة عن قيمة خمسة فرنكات آنذاك: كانت تكفي لشراء خمس ماعز مع صغارها، أو نحو عشرة خراف، أو كيس سكر (100 كلغ)، أو – لمن أراد التنويع – عشرة أمتار من قماش «فيشي»، وعشرين مترًا من قماش «غينيا»، ودزينة أمشاط، ودزينة مرايا صغيرة، وخمس دزينات من الإبر، وعشرة قوارير صغيرة من عطر «بانيتا»، أو زجاجة من «ماتي غي»، أو «جولي سوار»، أو «جيكي»، ناهيك عن الشاي الأخضر والسكر والأرز الكمبودي. وكانت هذه الأشياء تُعدّ من تجهيزات العروس الفاخرة التي تُحمل في صندوق حديدي مزخرف.

 

وبالتدريج بدأ الناس يرون ما يمكن أن يجلبه المال، لكن الحذر منه ظل قائمًا. ومع الاستقلال، لم يُطبع البلد علاقته مع «النقود».

 

ولم تخرج موريتانيا من منطقة الفرنك إلا في يونيو 1973، لكن الموريتانيين لم يتعاملوا فعليًا بالفرنك، بل بالأوقية (1 أوقية = 5 فرنكات إفريقية) حتى قبل إصدارها. وكما قال سيداتي ولد أبّه: «أمس كانت لغتي، واليوم هي عملتي». وكانت بداية السبعينيات فترة ازدهار للبلاد، إذ تدفقت عائدات النفط بعد الصدمة النفطية الأولى، بالتزامن مع انضمام موريتانيا إلى جامعة الدول العربية. وكانت سياسة المختار ولد داداه تهدف إلى بناء «برجوازية وطنية» تكون أساس التنمية المستدامة.

 

لم تكن هناك كلمة في الحسانية تعني «برجوازي». ظهرت الكلمة قليلًا ثم اختفت. واستُعملت ألفاظ مستعارة لوصف هذا النمط الجديد من الناس المترفين، بينما ظل الموريتاني نحيفًا في الغالب، يقود سيارة “404” أو “لاند روفر”.

 

وفي السابق، ووفقًا لما ترويه كتب التراث، كان الشيوخ فقط هم من يرتدون الملابس الواسعة، ويستعملون ماء الورد، وتبدو عليهم النعمة، بوجوه مستديرة وبطون ممتلئة. وقد اشتُقّ من ذلك وصف استُعمل فترة من الزمن.

 

ثم جاءت الكلمة الفرنسية «patron» (الربّان/الزعيم) لتحل تدريجيًا محل الشيخ. فأصبح من يملك المال هو «البطرون»، وظهر وصف جديد يدل عليه، ليحل محل الوصف القديم. وهكذا كانت موريتانيا تُكمل تحولًا بطيئًا بدأ في زمن الاستعمار: إذ فقد المحاربون الفقراء، الذين كانوا سادة البلاد، مكانتهم، بينما ارتقى رجال كانوا أقل فقرًا، وبفضل التقارب مع السلطة، ليصبحوا شبه أثرياء، وفي طريقهم إلى أن يكونوا كذلك تمامًا.

 

حبيب ولد محفوظ

القلم، 1997

ترجمة: أقلام

سبت, 18/04/2026 - 22:02