حدود موروثة وواقع مشترك: الحالة الخاصة بين موريتانيا ومالي

في المخيال الجماعي، تبدو الحدود خطًا واضحًا مرسومًا على الخريطة، يفصل بين دولتين ذواتي سيادة. فهي تحدد المجالات الترابية، وتضبط الاختصاصات، ومن حيث المبدأ تميز بين السكان. غير أن هذا التصور يصطدم، في بعض مناطق العالم، ولا سيما في منطقتنا، بواقع أكثر تعقيدًا. وتشكل حالة موريتانيا ومالي مثالًا دالًا على ذلك.

 

فبعد الاستقلال سنة 1960، ورثت الدولتان الفتيتان حدودًا رسمت خلال الحقبة الاستعمارية. وقد خُطّت تلك الخطوط دون اعتبار للديناميات البشرية، فجزأت جماعات بشرية، وفرقت بين أسر، وقسمت مجالات عيش كانت موحدة تاريخيًا. وبين البلدين، كانت هذه الوضعية بارزة بشكل خاص: إذ كان موريتانيون يعيشون داخل التراب المالي، كما كان ماليون يقيمون داخل موريتانيا.

 

وأمام هذا الواقع، اختار الرئيسان المختار ولد داداه وموديبو كيتا نهجًا براغماتيًا. ففي عام 1963، أبرما اتفاقًا ثنائيًا فريدًا سمح لكل دولة بإدارة شؤون مواطنيها حتى عندما يقيمون داخل أراضي الدولة الأخرى. ويشكل هذا الترتيب، في الحقيقة، صيغة قانونية غير مألوفة يمكن وصفها بأنها نظام لإدارة السكان العابرين للحدود ذوي الارتباط الوطني خارج الإقليم.

 

وبصورة عملية، يعني ذلك أن الانتماء الوطني في المنطقة الحدودية بين البلدين لا يقتصر على الموقع الجغرافي. فالموريتاني الحدودي قد يعيش في مالي، مع بقائه مرتبطًا إداريًا بموريتانيا؛ وبالمقابل قد يعيش المالي الحدودي في بلادنا مع بقائه مرتبطًا إداريًا بمالي. وقد أتاح هذا التنظيم تفادي التهجير القسري، والحفاظ على التوازنات الاجتماعية، والاعتراف بالتجذر التاريخي لهذه المجتمعات.

 

ويقوم هذا النوع من الاتفاقات على فكرة بسيطة ولكنها جوهرية، وهي أن المجتمعات سبقت الدول. ففي هذه المنطقة، ظلت الحركة والتنقل جزءًا أساسيًا من الحياة الاجتماعية والاقتصادية. فقد ظل الرعاة والتجار والباعة المتجولون والأسر الممتدة يتحركون بحرية داخل فضاء مزقته لاحقًا الحدود السياسية. ومن المؤكد أن محاولة تجميد هذه الديناميات كانت ستنتج توترات أكثر مما ستقدم حلولًا.

 

ولا يخفى أن مثل هذا النظام لا يخلو من التحديات. فهو يثير أسئلة قانونية، خاصة في ما يتعلق بالمسؤولية الإدارية، كما يستدعي تعاونًا دائمًا بين الدولتين. وفي فترات الاستقرار، يساعد على التعايش والاستمرارية الاجتماعية. أما في حالات التوتر السياسي أو الأمني، كما هو الشأن اليوم، فإن هذه الترتيبات تصبح أكثر هشاشة.

 

وإلى جانب جانبه التقني، بيّن اتفاق 1963 أن الحدود يمكن أن تكون مجالًا للتفاوض والتكيف والتعايش. فثمة أحيانًا حاجة إلى ابتكار حلول مرنة تنسجم مع الواقع البشري.

 

وهكذا، وعلى الرغم من الصعوبات التي قد يثيرها، ظل اتفاق 1963 حتى الآن شكلًا من أشكال الذكاء السياسي الذي يوفق بين سيادة الدولة والاستمرارية الاجتماعية. وقد كان الرئيس المختار ولد داداه ينظر إلى الحدود لا باعتبارها خط فصل، بل بوصفها مجالًا حيًا تعبره القصص والروابط والانتماءات المتعددة. لأنه، كما كان يقول، حيث تفرض الخريطة الجغرافية خطوطًا، ترسم الحياة فى استمراريتها. وفي يناير 2005، سار الرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطايع في الاتجاه نفسه، مؤكدًا ضرورة احترام اتفاق 1963، مع مواصلة جهود تحديد الحدود وتجسيدها ميدانيًا بين البلدين.

 

وفي الظرف الراهن، في ظل الحرب وانعدام الأمن في مالي الشقيقة، يصبح من الضروري أن تتغلب الرؤية المتبصرة على نزعات القطيعة. فالأصوات التصعيدية التي ترتفع لدى بعض إخواننا في مالي للمطالبة بإعادة النظر في اتفاق 1963، يجدر بها أن تزن تبعات هذا الخطاب، ليس فقط على السكان المعنيين مباشرة، بل كذلك على استقرار كامل المنطقة شبه الإقليمية. إن إضعاف آلية، رغم محدودياتها، ساهمت طوال عقود في حفظ التوازنات الاجتماعية والإنسانية، من شأنه أن يفتح الباب أمام توترات لا أحد يستطيع التنبؤ بمآلاتها.

 

وأكثر من أي وقت مضى، تقتضي المرحلة التحلي بالمسؤولية، والرهان على الحوار، واعتماد البراغماتية. فالعقلانية لا تعني التنازل عن المصالح، وإنما تعني الإقرار بأن السلام في المنطقة الحدودية يُبنى بالتعاون وبفهم الواقع المشترك. والحفاظ على هذا المكسب يعني تجنب إضافة مزيد من الاضطراب إلى منطقة تعاني أصلًا ما يكفي من الهشاشة. ومن هذا المنطلق، يجدر التنويه بالحكمة والتفهم والانفتاح التي يواصل بها الرئيس غزواني إدارة علاقاتنا مع مالي والتعامل المتزن مع الوضع على حدودنا.

 

14 أبريل 2026

محمد فال ولد بلال

 

ترجمة: أقلام

أربعاء, 15/04/2026 - 19:16