موريتانيا بين الرباط والجزائر: توازن حذر في إقليم يزداد استقطابا

تكشف التحركات الأخيرة المرتبطة بملف الصحراء عن مشهد إقليمي يتجه نحو مزيد من الاستقطاب، حيث لم تعد مواقف الدول تُقرأ فقط من زاوية الشرعية التاريخية أو الخطاب الدبلوماسي التقليدي، بل باتت ترتبط أكثر بحسابات الأمن، وشبكات المصالح، وإعادة التموضع داخل فضاء مغاربي-ساحلي سريع التحول.

 

في هذا السياق، تبدو مالي أكثر ميلا إلى الاقتراب من المغرب، ليس فقط من خلال موقفها من ملف الصحراء، بل أيضا في إطار مراجعة أوسع لتموقعها الإقليمي، خاصة في ظل التوتر المتصاعد مع الجزائر. هنا لا يعود الملف مجرد قضية دبلوماسية، بل يتحول إلى ورقة ضمن لعبة تموضع إقليمي، تستخدمها العواصم لإعادة رسم خرائط التقارب والابتعاد.

 

أما السنغال، فالوضع يبدو أقل حسما مما يوحي به بعض الانطباع السياسي السريع. فلا توجد، حتى الآن، مؤشرات موثقة تكفي للحديث عن تحول رسمي في موقف داكار من الملف، خصوصا أن المعطيات الأخيرة ظلت أقرب إلى تثبيت الدعم التقليدي للمغرب منها إلى مراجعته. وهذا يعني أن أي قراءة لابتعاد سنغالي عن الرباط تظل، في الوقت الراهن، أقرب إلى التأويل السياسي منها إلى التحول الدبلوماسي المؤكد.

 

وسط هذا المشهد، تبرز موريتانيا بوصفها الحالة الأكثر خصوصية. فهي لا تتحرك بمنطق الاصطفاف، بل بمنطق إدارة التوازن. ففي الوقت الذي استقبل فيه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني مسؤولا عسكريا مغربيا رفيع المستوى في إطار التعاون الأمني بين البلدين، كان الوزير الأول المختار ولد أجاي يقود وفدا حكوميا في الجزائر للمشاركة في أعمال اللجنة العليا المشتركة. وهذا التزامن لا يمكن اعتباره مجرد صدفة بروتوكولية، بل يعكس خيارا سياسيا مقصودا يقوم على إبقاء قنوات التعاون مفتوحة مع الطرفين في آن واحد.

 

من هنا، لا تبدو نواكشوط ممسكة بالعصا من الوسط بمعنى التردد، بل تمارس سياسة توازن واعية ومقصودة. فهي تدرك أن الانحياز الواضح لأي من الطرفين ستكون له كلفة سياسية وأمنية، بحكم موقعها الجغرافي، وتشابك مصالحها، وحساسية محيطها المغاربي والساحلي. ولذلك فهي تفصل بين الملفات: تعاون أمني مع الرباط، شراكة اقتصادية وسياسية مع الجزائر، وتحفظ مدروس في ملف الصحراء.

 

هذا الخيار يمنح موريتانيا هامشا مهما للحركة، لكنه في المقابل يضعها تحت ضغط دائم. فكل تقارب مع المغرب يُقرأ في الجزائر كإشارة سياسية، وكل انفتاح على الجزائر تراقبه الرباط بدقة مماثلة. ومع تقلص المساحات الرمادية في الإقليم، تصبح المحافظة على هذا التوازن أكثر صعوبة، لأنها تتطلب من نواكشوط إدارة دقيقة للرسائل والرموز والتوقيت.

 

يمكن القول إن قيمة الموقف الموريتاني لا تكمن في الحياد السلبي، بل في محاولة حماية المصلحة الوطنية من كلفة الاستقطاب. فموريتانيا لا تملك ترف الانخراط في محاور حادة، ولا مصلحة لها في تحويل ملف الصحراء إلى بوابة توتر مع أحد الجارين الكبيرين. لذلك تبدو براغماتيتها هنا خيارا دفاعيا بقدر ما هي خيار دبلوماسي.

 

الخلاصة أن المنطقة تتجه إلى مزيد من إعادة التموضع، لا إلى التهدئة. ووسط هذا المسار، تحاول موريتانيا الحفاظ على خط ثالث: لا قطيعة مع الرباط، ولا افتراق عن الجزائر، ولا اندفاع في ملف الصحراء يتجاوز حسابات الدولة ومصالحها. وهذا قد يبدو موقفا أقل ضجيجا من مواقف الآخرين، لكنه في الواقع أكثر تعقيدا، لأنه يفرض على نواكشوط أن تنجح باستمرار في التوفيق بين ضرورات تبدو، في ظاهرها، متناقضة

سبت, 11/04/2026 - 13:04