خطاب من إينال… أو فرصة أخيرة لإنقاذ الحوار الوطني

نعم، إن خطابًا للجنرال/الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في إينال، ببساطة، يمكن أن يشكل ما يسميه الناطقون بالإنجليزية “تغييرًا لقواعد اللعبة”.

 

فهذا “الحوار الوطني الشامل” الذي أُنجزت حوله تحليلات كثيرة وقدمت بشأنه توصيات وُصفت بالمستنيرة، لكنه يبدو، على ما يقال، متعثرًا رغم ذلك، قد يجد في مثل هذا الخطاب نقطة التحول الحاسمة. وربما يكون موسى فال قد أحكم إعداد الأعمال التمهيدية لهذا الحوار، وربما يكون ولد الغزواني قد قام بما يلزم من “إشارات رئاسية”. لكن كل ذلك، على ما يبدو، لم يكن كافيًا. والحقيقة أن “الحوارات” السابقة لم تترك فقط أثرًا باهتًا، بل غذّت أيضًا شكوك البعض وسخرية آخرين.

 

لنكن واضحين: هذا الحوار، رغم ضرورته الموضوعية، لا يحتاج بالتأكيد إلى مظاهر شكلية أو مناورات سياسية، بالنظر إلى حجم الرهانات المطروحة، بل إلى ما هو وجودي إذا صدقنا أكثر أعضاء الطبقة السياسية رصانة. غير أن من الصحيح أيضًا أن الفضاء السياسي الوطني، بفضل ما رسخته الوكالة الموريتانية للأنباء وغيرها من وسائل الإعلام، يحتفظ في قاموسه بمفهوم “خطاب … [اختر المدينة]”، الذي يُقصد به ذلك الخطاب الذي يلقيه رئيس الدولة في لحظة صفاء أو إلهام، معلنًا فيه مبدأً أو مبادرة أو التزامًا يفترض أن يكون ذا نفع للبلاد أو لقضية عزيزة على الموريتانيين.

(مع الإقرار بأن الانزلاقات العنصرية لعزيز في النعمة يمكن اعتبارها استثناءً عن هذا المعنى).

 

ومن ثم، فقد يكون هذا المفهوم نفسه، أي “خطاب …”، هو ما يمكن أن ينقذ “الحوار الوطني الشامل” من الفشل الذي يتوقعه له أكثر المتشائمين، والذي توحي به ربما مآلات الحوارات السابقة التي افتقرت إلى الخيال والجرأة.

 

 

الارتقاء إلى مستوى الحقيقة

 

غير أن هذا الخطاب، ومضمونه، ليسا مضمونين سلفًا. فهما يتطلبان من هذا المرابط/الرئيس قدرًا غير مألوف من الجرأة، وقدرة على تجاوز تلك “الحكمة” الماكرة الراسخة:

“الكذب حرام، والحق ما ينكال”،

أي: لا يجوز الكذب، لكن قول الحقيقة أيضًا غير مستحب!

وبعبارة أكثر مباشرة: لا ينبغي أبدًا أن نسمّي الأشياء بأسمائها.

 

وهذه الذهنية بالذات، في تقديري، هي من أبرز الأسباب التي عطلت الحوارات السابقة، وربما تعطل الحوار الحالي أيضًا. أما “الخطاب الذي يغيّر قواعد اللعبة”، فبوسعه أن يبدل المشهد، وأن يعيد تشكيل مسار هذا الحوار. فهو سيحرر المشاركين فيه، ويمنحهم الإذن بأن يقولوا بصوت مرتفع ما يعرفه أغلبهم ويفكرون فيه في صمت، كما سيدفعهم إلى الارتقاء فوق الحسابات الضيقة، لا في هذا الملف وحده بل في بقية ملفات الحوار أيضًا. إذ لا يزال كسر المحرمات وتقديم المثال هو الفعل الأكثر تعليمًا وقيادة.

 

أما نبرة هذا الخطاب ومضمونه، فليس من العسير تصورهما. فبعد دقيقة الصمت المعتادة والدعاء للراحلين بالرحمة، يمكن أن يبدأ مثلًا على النحو الآتي:

 

“أيها المواطنون الأعزاء، أخاطبكم هذا المساء من مكان مسكون بالذاكرة، من موضع مقدس.

فأنا أقف في المكان ذاته الذي أريق فيه دم أبرياء، دم مواطنينا، ودم رفاقي في السلاح.

وقد أريق ذلك الدم، إن صح القول، على أيدي إخوة لهم في السلاح، في لحظة جنون قاتل، حرّض عليها بعض رؤسائهم وحملة أفكار مستوردة كانوا يمسكون ببعض مفاصل الدولة…

ولقد سُفك دم الأبرياء أيضًا في أماكن أخرى من ترابنا الوطني للأسباب نفسها، لكن هذا المكان يكتسب دلالة خاصة بما أصبح يرمز إليه بالنسبة لبلدنا…”

 

 

طرد الشيطان

 

وبعد أن يضمن الرئيس/الجنرال انتباه سامعيه، يمكنه أن يواصل خطابه مستشهدًا، في الموضع المناسب، بمقطع مختار من كتاب محمدو سي: “جحيم إينال” (L’enfer d’Inal, L’Harmattan, 2000)، أو، عند الاقتضاء، من تقرير اندياغا دينغ/حسينو بيبي.

ثم يمكنه أن ينتقل إلى قضايا أخرى لا تقل أهمية، مثل:

 

الوحدة الوطنية والانسجام الاجتماعي،

ضرورة التوجه الحازم نحو المستقبل مع استخلاص دروس الماضي،

واجب الذاكرة والعدالة،

“صفر تسامح” مع الفساد والقبلية والشرائحية والتمييز،

تمجيد الحكم الرشيد ودولة القانون…

 

وبعد أن يبدد الشائعة المزعجة حول “المأمورية الثالثة”، سيكون عليه أيضًا، بطبيعة الحال، أن يطلب من رئيس الجمعية الوطنية، السيد ولد مكت، الشروع في مسار إلغاء ذلك القانون الجائر الصادر سنة 1993، وهو طلب يُفترض أن يسارع هذا الجنرال المتقاعد إلى تنفيذه “من دون تردد ولا همس”.

 

ولا ينبغي لهذا الخطاب أن يكون مطولًا؛ بل على العكس، ينبغي أن يدوم ثمانٍ وعشرين دقيقة بالضبط، لا أكثر.

 

لقد شكلت مأساة إينال، بما ترمز إليه، وبما خلفته في اللاوعي الجماعي لملايين الموريتانيين، عقبة نفسية شبه مستعصية أمام أي مشروع تجديد وطني يحاول تجاوزها أو تجاهلها. ولهذا فإن مواجهتها مباشرة قد تكون أفضل سبيل إلى طرد هذا الشيطان من الوعي الوطني.

 

وبالصلاحيات التي يملكها، يبدو الرئيس ولد الغزواني الشخص الوحيد المؤهل لأن يكون الطارد الموعود لهذا الشيطان. وكما أثبت ولد عبد العزيز في وقته بما لا يدع مجالًا للشك، فإن رئيسًا موريتانيًا يستطيع، حرفيًا، أن يفعل كل شيء.

 

ومن ثم، فإن المبادرة تعود إلى ولد الغزواني وحده، ولا عذر له إذا كان يريد حقًا إنجاح “الحوار الوطني الشامل”.

 

ولا بد من التكرار: سيحتاج ولد الغزواني إلى جرعة قوية من الجرأة، وإلى تصميم لا يتزعزع حتى يذهب إلى إينال ويلقي هذا الخطاب من هناك. أليس شائعًا أن الرئيس الراحل سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله أُطيح به أساسًا لأنه ألقى نسخة من هذا الخطاب، ولو من مكتبه الرئاسي؟

إذًا، هناك مخاطرة لا بد من تحملها.

 

لكن سيدي، رحمه الله، لم يكن جنرالًا، ولم يستطع التخلص من جنرال آخر شديد الشراسة. ولهذا يبقى الأمل قائمًا. بل يمكن حتى المراهنة على أن خطابًا من هذا النوع سيجبر شخصيات مثل بيرام الداه أعبيد وغيرهم من المتشككين على مراجعة موقفهم من الحوار، والعمل على جعله أكثر شمولًا. وذلك وحده قد يمنحه فرصة حقيقية للنجاح، أليس كذلك؟

أحد, 29/03/2026 - 13:13