
تكشف محاولة انقلاب 16 مارس 1981 عن لحظة مفصلية في تاريخ موريتانيا، حيث تداخلت صراعات السلطة مع رهانات الجغرافيا السياسية. وبعد أكثر من أربعة عقود، تظل تلك الأحداث تذكيرًا بمرحلة كانت فيها الدولة تبحث عن توازنها، بين الاستقرار الداخلي وضغوط الإقليم، وبين منطق القوة ومتطلبات بناء نظام سياسي مستدام
في يوم 16 مارس 1981، شهدت موريتانيا واحدة من أكثر المحطات حساسية في تاريخها السياسي، حين اندلعت محاولة انقلاب عسكري انتهت سريعًا بالفشل، لكنها كشفت بعمق هشاشة التوازنات الداخلية وتشابك الصراعات الإقليمية التي كانت تحيط بالبلاد آنذاك.
في فجر ذلك اليوم، وصل إلى نواكشوط قادمان من السنغال كل من المقدمين محمد ولد ابه ولد عبد القادر وأحمد سالم ولد سيدي، وهما من الضباط السابقين في اللجنة العسكرية للإنقاذ الوطني، لكنهما لم يشاركا في انقلاب 10 يوليو 1978. وقد حمل الرجلان خلفيات سياسية وعسكرية معقدة، في سياق كان يتسم بصراعات داخلية متراكمة داخل المؤسسة العسكرية.
بدأت المحاولة بالسيطرة على الإذاعة بهدف إعلان تشكيل “لجنة مؤقتة للإنقاذ العام”، في وقت توجهت فيه قوة أخرى نحو القصر الرئاسي، حيث كان يُفترض أن يجتمع أعضاء اللجنة العسكرية. غير أن الأحداث سرعان ما تحولت إلى مواجهات عنيفة شملت مقر الأركان والإذاعة ومحيط الرئاسة، وأسفرت عن سقوط قتلى، قبل أن تتمكن وحدات موالية للنظام من استعادة السيطرة.
في حدود الساعة الرابعة مساءً، أعلن الوزير الأول سيد أحمد ولد بنيجارة فشل المحاولة، متهماً أطرافًا خارجية بالوقوف وراءها، وهو ما فتح الباب أمام تصعيد دبلوماسي حاد، تُوّج بقطع العلاقات مع المغرب، وتعزيز الحضور العسكري والأمني بدعم من الجزائر.
غير أن ما أعقب ذلك من تطورات قضائية وأمنية كشف عن طبيعة المرحلة. فقد أصدرت محكمة عسكرية خاصة، يوم 24 مارس 1981، أحكامًا بالإعدام بحق أربعة من الضباط المتهمين بقيادة المحاولة، وهم المقدمان أحمد سالم ولد سيدي ومحمد ولد ابه الملقب كادير، إلى جانب الضابطين مصطفى نيانغ ومحمد دودو سيك، فيما حُكم على خمسة آخرين بالأشغال الشاقة المؤبدة.
فقد تم توجيه تهم ثقيلة للمحكوم عليهم، شملت “الخيانة العظمى، والفرار، والقتل، والتخابر مع العدو”، في إشارة واضحة إلى اتهام رسمي بوجود ارتباطات خارجية، خاصة مع المغرب. كما أفادت الإذاعة الرسمية أن رئيس الدولة ولد هيدالة رفض طلب العفو، مؤكداً أن الأحكام “قابلة للتنفيذ فورًا”، وهو ما مهّد لتنفيذ الإعدامات يوم 26 مارس 1981
وقد أعاد هذا المسار القضائي السريع تأكيد الطابع الأمني الصارم الذي طبع تلك المرحلة، حيث كانت السلطة تسعى إلى تثبيت موقعها في ظل بيئة سياسية وأمنية شديدة الاضطراب.
لكن خلف هذه الأحداث، كانت تتكشف أزمة أعمق. فمحاولة 16 مارس لم تكن معزولة، بل جاءت في سياق صراع داخلي بين أجنحة عسكرية متنافسة، تباينت مواقفها من إدارة الحكم ومن ملف الصحراء الغربية، في وقت كانت فيه البلاد تعيش على وقع تحولات إقليمية حادة.
كما عكست الأزمة أيضًا حجم التداخل بين الداخل والخارج، حيث تحولت موريتانيا إلى ساحة تتقاطع فيها رهانات إقليمية، بين المغرب والجزائر وجبهة البوليساريو، وهو ما جعل أي اضطراب داخلي يحمل بالضرورة أبعادًا تتجاوز حدوده الوطنية.
داخليًا، أعقب فشل المحاولة موجة من الاعتقالات والإجراءات الأمنية، في مناخ اتسم بالشك والتوجس، ما عزز من قبضة النظام، لكنه في الوقت ذاته عمّق مناخ الانقسام داخل النخب العسكرية والسياسية.
أقلام



.jpeg)

.jpeg)