اقتصاد الحرب: كيف نحتوي صدمة التصعيد مع إيران 

في لحظات التوتر الجيوسياسي الحاد، كما هو الحال مع التصعيد المرتبط بإيران، لا تتحرك الأسواق بدافع التوقعات فحسب، بل بدافع الخوف وعدم اليقين. والنتيجة المباشرة هي صدمات متزامنة تمسّ أسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد، وكلفة التمويل، وحركة التجارة الدولية. فمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، لم يعد مجرد ممر بحري، بل نقطة اختناق محتملة للاقتصاد العالمي.
في هذا السياق، يصبح السؤال الحقيقي: كيف يمكن إدارة هذه الصدمة بفعالية، خاصة في الاقتصادات النامية؟

 

 

1-  *التضخم* : 

 

صدمة مستوردة تتطلب أدوات استثنائية
الارتفاع الحالي في الأسعار ليس نتيجة زيادة الطلب المحلي، بل نتيجة مباشرة لارتفاع تكاليف الاستيراد (الطاقة، النقل، التأمين). لذلك، فإن المعالجة التقليدية برفع أسعار الفائدة قد تكون محدودة الأثر، بل مكلفة اقتصاديًا.

الحلول الأكثر دقة تشمل:
- تأمين الإمدادات الطاقوية عبر عقود طويلة أو بأسعار مُثبّتة نسبيًا.
- تخفيف الضرائب والرسوم مؤقتًا على السلع الأساسية.
- ضبط هوامش الربح ومراقبة الأسواق للحد من التضخم غير المبرر.
- امتصاص جزء من الصدمة عبر سياسات دعم موجهة وذكية.

 

2- *النمو* : 

حماية المحركات الحقيقية للاقتصاد
في أوقات الأزمات، يتراجع الاستثمار الخاص وتزداد حالة الترقب. هنا يتدخل دور الدولة ليس كبديل للسوق، بل كمحفّز له:
- تسريع تنفيذ المشاريع الجاهزة بدل التوسع في الوعود.
- توجيه الموارد نحو القطاعات المنتجة، خصوصًا الزراعة والطاقة.
- تحفيز التمويل البنكي للأنشطة ذات القيمة المضافة.
- دعم المؤسسات الصغيرة باعتبارها الأكثر مرونة في خلق النشاط.

 

3- *البطالة* : 

أولوية الوقاية قبل العلاج

فقدان الوظائف في الأزمات يحدث بسرعة، لكن تعويضها يستغرق سنوات. لذلك:
- دعم الأجور مؤقتًا للحفاظ على مناصب العمل.
- إطلاق برامج تشغيل فورية في الأشغال العامة.
- توسيع التمويل الأصغر لتشجيع المبادرات الفردية.

 

4 *- التوازن الخارجي* :
 

إدارة صارمة للموارد النادرة
مع ارتفاع فاتورة الواردات، يصبح الحفاظ على العملة والاحتياطات أولوية قصوى:
- إعطاء الأولوية للواردات الحيوية (الغذاء، الدواء، الطاقة).
- تقليص استيراد السلع الكمالية بشكل مؤقت.
- تعبئة التمويلات الخارجية بشروط ميسرة.
- تحفيز الصادرات وتحويلات الجاليات.

 

 *موريتانيا: بين التحدي والفرصة* 

 

بالنسبة لموريتانيا، تتجلى الصدمة أساسًا في ارتفاع أسعار المحروقات والمواد الغذائية. لكن في المقابل، قد تشكل أسعار المعادن المرتفعة متنفسًا مهمًا.
الأولوية اليوم يجب أن تكون:
- بناء مخزون استراتيجي حقيقي.
- تحسين آليات تسعير الوقود.
- استثمار عائدات المعادن بذكاء لدعم الاستقرار.
- تسريع مشاريع الطاقة لتقليل التبعية.
 
خلاصة :
الحروب لا تُختبر فقط في ميادين القتال، بل في قدرة الدول على حماية اقتصاداتها ومجتمعاتها من الارتدادات العنيفة.
التحدي ليس في تجنب الصدمة، بل في إدارتها بذكاء: تقليل خسائرها، وتسريع التعافي منها، وتحويلها—حيثما أمكن—إلى فرصة لإعادة بناء اقتصاد أكثر صلابة واستقلالًا.

 

محمد عبد الله أحمدو احبيب
خبير اقتصادي ومالي

ثلاثاء, 24/03/2026 - 18:23