لهذه الأسباب لا يخدم التهور موريتانيا في أزمتها مع مالي

يثير إعدام مواطنين موريتانيين داخل الحدود المالية غضبًا وطنيًا مشروعًا، لأن الأمر لا يتعلق بحادثة عابرة يمكن أن تمر في سجل الأخبار اليومية، وإنما يتعلق بالدم الموريتاني، وبهيبة الدولة، وبمعنى الحماية الذي يفترض أن يشعر به المواطن حتى في الفضاءات الأبعد عن مركز سلطة بلاده. فمن الطبيعي أن تدفع مثل هذه الوقائع، حين تقع في بيئة حدودية متوترة ومفتوحة على الالتباس، الرأي العام إلى التعبير الحاد، وتستدعي لغة الكرامة والسيادة والرد. غير أن مشروعية الغضب لا تكفي وحدها لبناء موقف رشيد، لأن ما يصلح للتعبير عن الألم لا يصلح دائمًا لتوجيه القرار، وما يرضي الانفعال العام في لحظته الأولى قد يضر بالمصلحة الوطنية حين تتحول الصدمة إلى ضغط يدفع نحو اختيارات غير محسوبة.

 

وهنا تكمن الحاجة إلى التمييز بين مستويين مختلفين ينبغي عدم الخلط بينهما؛ مستوى أول هو الشعور الوطني، وهو مستوى مفهوم ومبرر ومحمول على الإحساس بالإهانة وبواجب التضامن مع الضحايا وذويهم. أما الثاني فهو مستوى الدولة، وهو مستوى أشد تعقيدًا وأعلى مسؤولية، لأنه لا يتحرك تحت ضغط العاطفة المجردة، وإنما تحت ضغط التقدير الدقيق للوقائع والبيئة والمآلات. والدولة، بخلاف الجمهور، ليست مطالبة بأن تعبر فقط، وإنما بأن تعرف كيف تحول الألم إلى سياسة، والغضب إلى موقف، والصدمة إلى مسار يحفظ الحق بعيدًا عن تبديد المصلحة العامة. ومن هذه الزاوية تحديدًا يظهر أن الدعوات المتحمسة إلى التشدد الأقصى، وحتى إلى الاشتباك العسكري، لا تعبر عن صلابة استراتيجية بقدر ما تعكس ارتباكًا في فهم طبيعة الأزمة وطبيعة المجال الذي وقعت فيه.

 

فالحدود الموريتانية المالية كفت منذ سنوات عن أن تظل خطًا فاصلًا بين سلطتين قادرتين على فرض الانضباط الكامل على ما يقع في أطرافهما، بعد أن تحولت إلى فضاء هش، متداخل، ومثقل بتعقيدات أمنية واجتماعية واقتصادية، تتحرك فيه جيوش نظامية، كما تتحرك فيه جماعات مسلحة وشبكات تهريب وأنماط عيش حدودية لا تخضع دائمًا لمنطق الدولة الحديثة في صيغته الصافية. وفي مثل هذا الفضاء لا يمكن التعامل مع كل صدمة بمنطق الرد المباشر والاندفاعي، لأن المشكل لا يكمن فقط في الحدث نفسه، بل في البيئة التي يُنتج داخلها الحدث، وفي نوع الفوضى التي قد يفتح عليها أي رد غير مضبوط. فالقرار العسكري، في مثل هذه المسارح، لا يظل حبيس نية أصحابه، وإنما يدخل سريعًا في شبكة من التفاعلات التي تتكاثر فيها الجهات المستفيدة من التوتر، وتتسع فيها المسافة بين الهدف المعلن والنتيجة الفعلية.

 

ومن هنا فإن التهور لا يخدم موريتانيا، لا لأنه يتعارض مع الكرامة الوطنية، وإنما لأنه قد يضع هذه الكرامة نفسها في مسار خاطئ. فالدولة التي يتم استدراجها إلى رد غير محسوب في بيئة حدودية رخوة لا تكون قد انتصرت لهيبتها بالضرورة، لأنها قد تكون منحت خصومها والفاعلين المضطربين من حولها فرصة لتوسيع مجال الفوضى واستنزاف قدرتها على التحكم في الإيقاع. ثم إن موريتانيا، بحكم موقعها وحساسية جوارها، ليست في حاجة إلى اختبار صلابتها من خلال الانخراط السريع في منطق المواجهة، وإنما في حاجة إلى إظهار نوع آخر من القوة، هو قوة الدولة التي لا تفقد توازنها حين تتعرض للاستفزاز، ولا تسلم قرارها لحرارة لحظة الغضب، ولا تسمح بتحويل الألم المشروع إلى سياسة مرتجلة. فما تُختبر به القوة، في مثل هذه الحالات، ليس سرعة الانتقال إلى الخشونة، وإنما مدى القدرة على الإمساك بالمبادرة، وعلى ترتيب الرد في التوقيت والشكل والأداة التي تخدم المصلحة العليا للبلاد.

 

ولهذا فإن المقاربة الأجدر بالدفاع عنها ليست مقاربة الصمت بالطبع، كما أنها ليست مقاربة الانفعال، ذلك أن ما تحتاجه موريتانيا هو رد دولة مكتمل الأركان، يبدأ من تثبيت الوقائع على نحو صارم، ومراكمة المعطيات والشهادات والقرائن التي تمنع التباس المسؤولية أو تمييعها، ثم الانتقال إلى مسار مساءلة واضح مع الجانب المالي، من موقع السيادة وليس من موقع الارتباك. وينبغي لذلك أن يتوازى مع رفع مستوى الحماية الوقائية للمواطنين في المناطق المكشوفة، وتشديد اليقظة على طول الشريط الحدودي، ومراجعة أنماط الحركة في المساحات عالية الخطر، وتطوير أدوات الإنذار والمتابعة والتنسيق على نحو يحمي الأرواح من التكرار قبل أن يكتفي بإدانة ما وقع بعد وقوعه. وهذا هو المعنى العملي للحزم، وهو معنى أرقى بكثير من اختزال الوطنية في نبرة حماس عالية أو في مطلب متهور بالاشتباك مع دولة جار تجتاز مرحلة عصيبة من تاريخها.

 

كما أن هذه اللحظة تضع النخبة الوطنية أمام اختبار لا يقل أهمية عن اختبار الدولة نفسها. فحين يشتد الغضب، يصبح من السهل على بعض الأصوات أن تركب الموجة، وأن تعيد تعريف الوطنية بوصفها سباقًا في التشدد اللفظي، أو أن تقدم الدعوة إلى التصعيد باعتبارها وحدها التعبير الصادق عن الانتماء الوطني. غير أن مسؤولية النخبة، في الأزمات الحساسة، لا تتمثل في تضخيم الانفعال، وإنما في تهذيبه سياسيًا، وفي مساعدة الرأي العام على التمييز بين ما يرضي الشعور الفوري وما يحفظ البلد فعليًا. فالرأي العام من حقه أن يغضب، وأن يطالب، وأن يضغط في اتجاه الحقيقة والعدالة وصيانة الكرامة الوطنية، لكن من واجب من يكتبون ويحللون ويوجهون النقاش أن يمنعوا هذا الغضب من الانزلاق إلى صيغ تبسيطية تختزل الدولة في رد فعل، وتختزل الوطنية في الرغبة في المواجهة، وتختزل الحكمة في صورة من صور التردد أو الضعف.

 

إن المعيار الذي ينبغي أن يحكم النظر إلى هذه الأزمة هو أن حماية الدم الموريتاني لا تتحقق بالمزايدة، وإنما ببناء موقف سيادي متماسك. فالمطلوب ليس تهدئة فاترة تفقد الحدث وزنه الأخلاقي والوطني، وليس شحنًا عاطفيًا يدفع البلد إلى خيارات تزيد الأزمة تعقيدًا، وإنما المطلوب أن ترتفع الدولة إلى مستوى الفاجعة، لا بأن تكرر الغضب بصوت أعلى، وإنما بأن تحسن ترتيب الرد وتفرض مسار الحقيقة وتبقي المبادرة بيدها، وتفهم أن أخطر ما قد يقع بعد الجريمة هو أن تنتقل العدوى من الحدود إلى العقل السياسي نفسه. وعند هذه النقطة تحديدًا يتضح أن ما تحتاجه موريتانيا اليوم ليس غضبًا أقل، بل عقل دولة أكبر وعقل رجال دولة مهرة؛ أي عقلًا يعرف كيف يحفظ الحق ويصون الهيبة ويحمي المواطنين، من غير أن يسمح للتهور بأن يتخفى في هيئة الشجاعة، أو للاندفاع بأن يرتدي لباس الوطنية.

 

مركز أودغست للدراسات الإقليمية

ثلاثاء, 24/03/2026 - 08:16