
إن إدخال نظام تتبّع الهواتف المحمولة عبر معرّف IMEI في قانون المالية لسنة 2026 يُفترض أن يشكّل نقطة تحوّل في إيراداتنا الجمركية. غير أنه، خلف هذه الفعالية التقنية الواضحة التي لا تقبل الجدل، يكمن تحدٍّ عميق يتعلق بالعدالة، بأبعاد سياسية واجتماعية لا تقل وضوحًا؛ فلكي ينجح هذا النظام، يتعين على الدولة حتمًا نقل الضغط الضريبي من المواطن إلى البائع.
فعالية حاسمة على حساب ظلم فادح
تعتمد الإصلاحات الحالية على آلية ثنائية: تخفيض الرسوم الجمركية مقابل رقابة صارمة على معرّف IMEI. وإذا كانت النية هي تحصيل الإيرادات التي كانت تفلت من الإدارة، فإن الأثر الجانبي يأتي فورًا: نقل مفاجئ لعبء الضريبة إلى المستهلك النهائي، الذي يجد نفسه ضحية سهلة ودائمة. اليوم، عندما يتم رصد جهاز غير مُصرَّح به على الشبكة، فإن المستخدم — رغم حسن نيته — يواجه خيارًا صعبًا: إما دفع ضريبة عن عملية احتيال لم يرتكبها، أو التعرض لتعليق فوري لخطه الهاتفي. إنه استيلاء صريح، لأن المشتري يكون، بحكم التعريف، قد دفع بالفعل سعرًا يشمل جميع الضرائب للتاجر.
شعبية متدنية جدًا للنظام الضريبي الجديد
يواجه هذا النظام رفضًا واسعًا، حتى داخل الأوساط القريبة من السلطة، نظرًا لصعوبة تبريره قانونيًا واجتماعيًا واقتصاديًا. أولًا، عدم دستوريته واضح، إذ إن الآلية تنقل عبء الضريبة من الفاعل الحقيقي للاحتيال (المستورد أو التاجر) إلى المستهلك، الذي يُطلب منه تعويض تقصير وأخطاء غيره. وهذا يشكل انتهاكًا خطيرًا لمبدأ المساواة أمام الضريبة. ويزداد هذا الخلل وضوحًا لأن الضريبة تُفرض على جميع الأسر دون تمييز في الدخل أو في جودة المنتجات (باستثناء التمييز البسيط بين الهواتف العادية والذكية)، ودون تمييز، خاصة، بين المستورد الملزم قانونًا بالتصريح والدفع، والمستهلك الذي دفع بالفعل سعرًا شاملًا لكل الضرائب. ثانيًا، تناقضها الاقتصادي والاجتماعي: ففي ظل موجة تضخم ترتفع فيها أسعار السلع الأساسية، تزيد هذه الضريبة من تآكل القدرة الشرائية، في وقت تلوح فيه بوادر أزمة طاقة عالمية ذات أبعاد كارثية. ويصبح الهاتف، وهو أداة أساسية للعمل والمعاملات المالية، عبئًا ضريبيًا غير عادل على المواطنين. وثالثًا، والأهم، أنها تقوّض الثقة، إذ إن الشعور القوي بعدم توازن النظام الضريبي يضعف الالتزام الضريبي ويهدد العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطنين، ويعزز شعور عدم الأمان تجاه السلطات.
مكافحة الاحتيال دون معاقبة الأبرياء
للخروج من هذا المأزق، ينبغي إدخال مراجعة تعيد التوازن القانوني والاقتصادي، من خلال استبدال العقوبة العمياء — وغير الشجاعة في نهاية المطاف — بآلية ذكية لنقل المسؤولية. الهدف هو الفصل تقنيًا بين حائز الجهاز والمسؤول الحقيقي عن الاحتيال.
آلية جديدة للتمييز تحافظ على الإيرادات الضريبية وتضمنها
يقوم النظام على إجراء لرفع قرينة الاحتيال عن المستهلكين عبر ثلاث مراحل:
- الإشعار الوقائي: عند اكتشاف IMEI غير مطابق، يتلقى المستخدم إشعارًا دون قطع خطه، ويُمنح مهلة لتسوية وضعه.
- إثبات حسن النية: يقوم المستخدم بإيداع نسخة من فاتورة الشراء أو الوصل عبر منصة رقمية آمنة.
- التحكيم الآلي: إذا قُدّم الدليل: تثبت حسن النية، ويُسوّى وضع الجهاز، وتُستخرج بيانات البائع (الرقم الضريبي، اسم المتجر) لتتمكن الدولة من الرجوع عليه.
في حال عدم تقديم الدليل: يُعتبر المستخدم قد اقتنى الجهاز عن علم من السوق غير القانونية، ويظل ملزمًا بدفع الضريبة.
لماذا هذا النظام أكثر فعالية؟
تتجاوز فعاليته مجرد تحقيق العدالة الاجتماعية، إذ يحسن التحصيل الضريبي بشكل جذري:
المواطن كأداة رقابية: من خلال تمكين المستخدم من الإعفاء عبر تقديم الفاتورة، تتحول كل عملية شراء إلى أداة رقابة، ويصبح المواطنون هم من يكشفون المتهربين.
استهداف التدفقات الكبرى: بدلًا من تحصيل مبالغ صغيرة من ملايين الأسر، يتم توجيه التحصيل نحو المستوردين المخالفين، مما يتيح استرجاع مبالغ كبيرة دفعة واحدة.
أثر ردعي قوي: يدرك البائع أن كل جهاز يُباع دون دفع الضريبة يمثل مخاطرة، مما يدفع السوق نحو الامتثال.
شروط النجاح العملي
لضمان العدالة، يجب على الدولة الاعتماد على إجراءات ملموسة:
تعميم الفاتورة النظامية مع إدراج إلزامي لمعرّف IMEI.
سرعة المعالجة عبر منصة سهلة الاستخدام.
تنظيم السوق بما يعيد التوازن للموزعين الملتزمين.
الرسالة السياسية: “حماية النزيه واستهداف المخالف”
تقوم فلسفة هذه المراجعة على مبدأ أساسي: يجب على الدولة محاربة الاحتيال دون معاقبة المواطن النزيه. ومن خلال تصحيح المسار لاستهداف القنوات غير القانونية بدلًا من الأسر، يمكن للحكومة تحويل إجراء مثير للجدل إلى خطوة نحو العدالة الاجتماعية واحترام القانون وتحديث الإدارة.
توصية: أصبح من الضروري إدخال تعديل تصحيحي سريع. فبهذا فقط يمكن الحفاظ، في آن واحد، على أمن الإيرادات الضريبية، واحترام المبادئ الدستورية، والاستقرار الاجتماعي.
غورمو عبدول لو



.jpeg)

.jpeg)