
تتواصل الحرب شبه اليومية في منطقة الساحل دون أن تتجاوز الإيقاع الذي استقر خلال الأشهر الماضية. ففي الأيام الأخيرة من فبراير وبداية مارس 2026، تؤكد كثافة الحوادث واتساع رقعتها الجغرافية أن العنف الجهادي يشهد شكلاً من الانتشار التدريجي عبر المنطقة. وتبدو دينامية القتال متقلبة؛ إذ يخفت زخم المواجهات أحياناً قبل أن يتجدد وفق إيقاع غير متوقع.
ويرى كثير من المراقبين أن ما يجري هو حرب الفقراء التي تُدار بعيداً عن الأضواء وخلف أبواب مغلقة، في ظل غياب شبه كامل للشهود المستقلين. كما يسهم تقييد عمل الصحافة، وخنق الأصوات المعارضة، وإضعاف ما تبقى من المجتمع المدني، في تكريس ما يشبه الإبادة الصامتة التي تدفع القرى والمخيمات الريفية إلى دائرة الخطر الدائم.
وبين مقاتلي الجماعات الجهادية وجيوش تبدو في حالة استنزاف متواصل، تستمر العمليات العسكرية بعيداً عن اهتمام دولي حقيقي بمآلات الأزمة. كما يزيد التصعيد في الشرق الأوسط من تراجع التركيز العالمي على ما يجري في إفريقيا.
مالي: هجمات متزامنة ودعاية تعبئة
في مالي، أعلنت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة مسؤوليتها عن سلسلة هجمات متزامنة استهدفت القوات المسلحة المالية ومقاتلي «فيلق إفريقيا» الروس الذين يقدمون دعماً لها.
وفي الوقت ذاته بثت الجماعة تسجيلاً دعائياً جديداً يهدف إلى تقويض معنويات الخصوم واستقطاب مجندين جدد، حيث يعرض مراحل تدريب المقاتلين وبرامج التأهيل العسكري داخل صفوف التنظيم.
وبحسب روايات محلية، نفذ المسلحون ما لا يقل عن خمس عمليات كبيرة أسفرت عن خسائر وُصفت بالمؤثرة في صفوف القوات الحكومية وحلفائها. وقد بدأت الهجمات باستهداف ميليشيات موالية للحكومة في مناطق ريفية من إقليم سيغو، قبل أن تنصب الجماعة كميناً لقافلة مشتركة تضم الجيش المالي وعناصر «فيلق إفريقيا».
وتظل تقديرات الخسائر متباينة تبعاً لروايات يصعب التحقق منها بشكل مستقل. كما سُجلت هجمات أخرى في جبهة موبتي حيث وقع كمين جديد لم تتضح نتائجه بدقة.
وفي مناطق أخرى من البلاد استهدفت الجماعة سيارة مدرعة قرب مدينة أغيلهوك في أقصى الشمال الشرقي، بالتزامن مع إطلاق نار على قافلة عسكرية في منطقة سيكاسو جنوب البلاد.
جدل حول هجوم غاو
في مدينة غاو ظهرت روايتان متناقضتان حول هجوم جوي نفذه متمردون طوارق تابعون لما يسمى «جبهة تحرير أزواد».
فبحسب بيان صادر عن الجبهة، تم تنفيذ هجوم باستخدام 25 طائرة مسيّرة انتحارية استهدفت مطار غاو العسكري داخل معسكر «فيهرون أغ ألأنصار»، ما أدى – وفق روايتهم – إلى أضرار كبيرة في المعدات وسقوط قتلى.
غير أن هذه المعطيات ما تزال محل شك بانتظار تقييم نهائي للنتائج.
في المقابل، أصدر الجيش المالي بياناً نفى فيه تلك المزاعم جزئياً، مؤكداً وقوع محاولة هجوم بطائرة مسيّرة واحدة وعدد من القذائف، لكنه شدد على أن العملية «لم تسفر عن خسائر بشرية أو أضرار كبيرة».
وأضاف البيان أن دوريات تمشيط أُرسلت لتعقب المهاجمين، وأن التحقيقات مستمرة للتحقق من احتمال وجود ضحايا خارج محيط القاعدة.
الحرب النفسية والدعاية
على صعيد الحرب النفسية، بثت قناة «الزلاقة» التابعة لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين شريطاً دعائياً متقناً يعرض تدريبات قتالية مكثفة لعناصرها.
ويُظهر التسجيل ما تسميه الجماعة «إعداد المجاهدين» أو «الدورات النوعية»، والتي تشمل تدريبات على حرب العصابات واستخدام الأسلحة الحديثة وتطوير مهارات القتال، في محاولة لإظهار التنظيم بمظهر القوة المنضبطة القادرة على استقطاب عناصر جديدة.
وقد علق أحد الحسابات على منصة إكس باسم «أبو عبيدة الأفغاني» قائلاً:
«كيف يمكن الانضمام إليهم؟ أريد التسجيل في القائمة»،
في تعليق يعكس تأثير هذا النوع من الدعاية في شبكات التواصل.
بوركينا فاسو: اتساع رقعة القتال
في بوركينا فاسو تشير البيانات المتاحة على الإنترنت إلى اتساع رقعة الاشتباكات من جنوب البلاد إلى شمالها.
ويؤكد مقاتلو الجماعة أنهم سيطروا على موقعين للقوات الحكومية قرب بلدة فونزان في إقليم توي بمنطقة غويريكو في الغرب الأوسط. كما أعلنوا السيطرة على موقع تابع لميليشيا «متطوعي الدفاع عن الوطن» قرب فادا نغورما شرق البلاد.
وامتدت الاشتباكات أيضاً إلى إقليم سانغيي في منطقة ناندي، حيث تعرضت وحدات عسكرية لإطلاق نار في نياوغو بإقليم بولغو جنوب البلاد.
كما تعرضت ميليشيات المتطوعين لهجمات مضايقة قرب ماوي بالقرب من مدينة سولينزو شمال غرب البلاد.
ذاكرة سولينزو
ويعيد هذا التصعيد إلى الأذهان حادثة سولينزو في 10 و11 مارس 2025، عندما اتهمت منظمات حقوقية أنصار المجلس العسكري بتصوير مقتل مئات المدنيين – معظمهم من الفولاني – بزعم تعاونهم مع مقاتلي الجماعات الجهادية.



.jpeg)

.jpeg)