
لم تكن تمثيلية «تشفارت»، التي كتبها وقام ببطولتها محمد الأغظف ولد أحمد، المعروف لدى الجمهور من خلال برنامج «الأمالي»، مجرد تجربة عابرة في الكوميديا الموريتانية، بل شكلت محاولة لفتح نافذة على المجتمع الحساني، بما يحمله من عادات وتناقضات وسلوكيات يومية تصلح مادة للسخرية والنقد الاجتماعي.
ولعل أول ما يلفت الانتباه في هذه التجربة هو انتقال محمد الأغظف من فضاء اللغة والأدب والرواية إلى عالم الأداء التمثيلي، دون أن يتخلى عن أدواته الثقافية التي صنعت شهرته. فقد حمل معه إلى الشاشة رصيده اللغوي ومعرفته بالموروث الحساني، ووظفهما في بناء شخصية كوميدية تستمد طرافتها من تفاصيل المجتمع أكثر مما تعتمد على الحركات المفتعلة أو النكات المباشرة.
شخصية «أشنان».. الضحك على السلوك لا على الإنسان
تتمحور التمثيلية حول شخصية «أشنان»، وهو رجل مسن يجسد جملة من السلوكيات الاجتماعية المألوفة، مثل الفضول المفرط، والتدخل في خصوصيات الآخرين، وسوء الظن، والتناقض بين الأقوال والأفعال.
وتنبع طرافة الشخصية من المفارقة بين الصورة التي يحاول صاحبها تقديمها عن نفسه، وحقيقة سلوكه التي تنكشف تدريجياً من خلال المواقف والحوار.
وهنا تكمن إحدى نقاط قوة الفكرة؛ فالكوميديا الاجتماعية الناجحة لا تحتاج بالضرورة إلى أحداث استثنائية، وإنما إلى عين قادرة على التقاط ما يبدو عادياً في الحياة اليومية، وإعادة تقديمه بطريقة تجعل المشاهد يضحك، وربما يتعرف على جانب من نفسه أو محيطه.
ومع ذلك، فإن التركيز على شخصية واحدة تحمل هذا القدر من الصفات السلبية قد يجعلها أقرب إلى النموذج الكاريكاتوري منها إلى الشخصية الإنسانية المركبة. وكان بالإمكان تعميق البناء الدرامي من خلال منح «أشنان» جوانب أخرى تكشف دوافعه وتناقضاته، وتمنح المشاهد فرصة لفهمه، لا مجرد الضحك على تصرفاته.
اللغة الحسانية.. أحد أبطال العمل
من أبرز العناصر التي تمنح «تشفارت» خصوصيتها حضور اللغة الحسانية بأمثالها وتعابيرها ومفرداتها المتجذرة في الذاكرة الشعبية.
فمحمد الأغظف لا يستخدم اللهجة مجرد وسيلة للتواصل بين الشخصيات، بل يجعل منها أداة لصناعة الموقف الكوميدي، مستفيداً من ثراء التعبير الحساني وقدرته على الاختزال والتلميح والسخرية.
وتكمن قيمة هذا التوجه في استعادة جانب من التراث الشفهي وتقديمه في قالب فني معاصر، خصوصاً في ظل التحولات الاجتماعية والثقافية التي تشهدها موريتانيا.
لكن نجاح هذا الخيار يطرح تحدياً فنياً يتمثل في ضرورة توزيع هذا الثراء اللغوي بين الشخصيات، حتى لا تتحول الشخصيات الأخرى إلى مجرد أطراف تستمع للبطل وتتيح له استعراض قدراته التعبيرية.
بين موهبة الممثل وحدود البناء الدرامي
تكشف التجربة عن حضور تمثيلي لافت لمحمد الأغظف، وعن قدرة على الانتقال من الأداء الثقافي المباشر إلى تجسيد شخصية مختلفة في سلوكها وطريقة حديثها وتفاعلها مع الآخرين.
غير أن قوة الممثل، مهما بلغت، لا تكفي وحدها لصناعة عمل درامي متكامل.
فالتمثيلية تحتاج أيضاً إلى حبكة متماسكة، وشخصيات متفاعلة، وتطور في الأحداث، وإيقاع يوازن بين الحوار والفعل.
ومن الملاحظات التي أثيرت بشأن العمل محدودية الشخصيات، وضعف تطور بعضها، وهي عناصر تستحق الاهتمام في التجارب المقبلة، لأن الكوميديا الاجتماعية تزداد عمقاً كلما اتسعت شبكة العلاقات والصراعات التي تتحرك داخلها.
كما أن الاعتماد المكثف على الحوار، وإن أتاح إبراز المهارات اللغوية للبطل، قد يحد أحياناً من إمكانات التعبير البصري التي تميز الفن الدرامي عن الحكاية الشفهية.
جدل يتجاوز العمل الفني
أثارت «تشفارت» نقاشاً تجاوز تقييم الأداء والسيناريو إلى التساؤل عن مدى ملاءمة انتقال شخصية عُرفت باهتماماتها اللغوية والأدبية إلى مجال التمثيل.
وهذا الجدل يكشف جانباً من العلاقة المعقدة بين المجتمع الموريتاني والفنون الدرامية، حيث لا يزال بعض المتابعين ينظرون إلى التمثيل باعتباره نشاطاً منفصلاً عن مجالات الثقافة والمعرفة.
والواقع أن الثقافة والتمثيل ليسا مجالين متعارضين، بل يمكن أن يكون الرصيد المعرفي للممثل مصدر قوة، خاصة في الأعمال التي تتناول المجتمع وتراثه وتناقضاته.
لكن الدفاع عن حق المبدع في التجريب لا ينبغي أن يتحول إلى حصانة من النقد، مثلما لا يصح أن تتحول الملاحظات الفنية إلى أحكام على اختياراته الشخصية.
فالتشجيع الحقيقي للمواهب لا يكون بالمجاملة المطلقة، وإنما بالنقد الذي يميز بين مواطن النجاح ونقاط الضعف، ويفتح المجال أمام التطور.
هل يولد من «تشفارت» مسار كوميدي جديد؟
تكتسب تجربة محمد الأغظف أهميتها من كونها تذكّر بأن المجتمع الموريتاني يمتلك مخزوناً غنياً من الشخصيات والحكايات والمفارقات التي لم تستثمرها الدراما المحلية بما يكفي.
فمن العلاقات بين الجيران إلى التناقضات الاجتماعية، ومن العادات التقليدية إلى تحولات المدينة الحديثة، تتوافر مادة واسعة لصناعة كوميديا تستمد قوتها من الواقع وتخاطب الجمهور بلغته وثقافته.
وقد تكون القيمة الأهم لـ«تشفارت» أنها قدمت شخصية محلية قابلة للتطوير، وأعادت طرح السؤال عن إمكان بناء كوميديا موريتانية تمتلك هويتها الخاصة، بعيداً عن تقليد التجارب العربية الأخرى.
وليس مطلوباً من تجربة في بداياتها أن تكون مكتملة فنياً، لكن من المهم أن تتجاوز في مراحلها المقبلة الاعتماد على موهبة البطل وحدها، نحو بناء درامي أكثر إحكاماً، وشخصيات أكثر تنوعاً، وإنتاج يمنح النص والأداء ما يستحقانه من عناية.
في المحصلة، لا تكمن أهمية «تشفارت» في مقدار ما أثارته من ضحك أو جدل، وإنما في قدرتها على تحويل تفاصيل الحياة الحسانية إلى مادة فنية قابلة للنقاش والتطوير. أما محمد الأغظف، فقد أظهر أن وراء الراوي واللغوي موهبة تمثيلية تستحق الاهتمام، ويبقى التحدي الأكبر هو تحويل هذه الموهبة إلى مشروع فني قادر على الاستمرار والنضج



.jpeg)

.jpeg)