
يدخل المغرب انتخابات تشريعية مهمة في 23 سبتمبر 2026، لكن المشهد هذه المرة لا يبدو كأنه سباق محسوم مسبقًا بقدر ما هو إعادة توزيع لموازين القوة داخل المنظومة الحزبية نفسها. فالأحزاب الثلاثة التي شكلت الأغلبية الحكومية منذ انتخابات 2021، وهي التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال، تدخل الاستحقاق الجديد وهي متحالفة حكوميًا، لكنها متنافسة انتخابيًا على المركز الأول ورئاسة الحكومة المقبلة.
في انتخابات 2021، تصدر التجمع الوطني للأحرار النتائج بـ102 مقعد، يليه الأصالة والمعاصرة بـ87 مقعدًا، ثم الاستقلال بـ81 مقعدًا، بينما تعرض العدالة والتنمية لانهيار كبير، فتراجع إلى 13 مقعدًا فقط بعد أن كان القوة السياسية الأولى في المرحلة السابقة. أما الاتحاد الاشتراكي فحصل على 34 مقعدًا، والحركة الشعبية على 28، والتقدم والاشتراكية على 22.
لكن انتخابات 2026 تجري في ظروف مختلفة. فحزب التجمع الوطني للأحرار لم يعد يخوض الحملة بالصيغة نفسها التي دخل بها انتخابات 2021. فقد أصبح محمد شوكي رئيسًا للحزب، مع بقاء نفوذ عزيز أخنوش حاضرًا في التنظيم وشبكاته السياسية والانتخابية. ورغم ذلك، لا يزال الأحرار يمتلكون واحدة من أقوى الآلات الانتخابية في البلاد، مستندين إلى تجربة خمس سنوات في قيادة الحكومة وإلى شبكات واسعة من المنتخبين المحليين والأعيان. وقد بنى الحزب حملته على الدفاع عن حصيلته الاجتماعية ووعد بمواصلة الإصلاحات، تحت شعار يركز على الكرامة والفرص والقدرة الشرائية.
لكن نقطة ضعف الأحرار هي نفسها نقطة قوتهم: الحصيلة الحكومية. فمن قاد الحكومة خمس سنوات يستطيع تقديم الإنجازات، لكنه يتحمل أيضًا تكلفة ارتفاع الأسعار والبطالة ومشاكل الخدمات والضغط الاجتماعي. لذلك فإن السؤال الرئيسي ليس هل يملك الحزب التنظيم والموارد اللازمة للفوز، بل هل يستطيع تحويل حصيلة الحكومة إلى أصوات بدل أن تتحول إلى تصويت عقابي ضده.
في المقابل، يبدو حزب الأصالة والمعاصرة أكثر الأحزاب استفادة من دينامية الأشهر الأخيرة. فقد كثف نشاطه الميداني، واستقطب مرشحين، ودفع بعدد من الوجوه المعروفة، فيما تقدم فاطمة الزهراء المنصوري والقيادة الجماعية الحزب بوصفه قوة قادرة على الانتقال من الشريك الثاني في الأغلبية إلى الحزب الأول. وتشير متابعات المشهد الانتخابي إلى أن الحزب راكم زخمًا واضحًا في عدة جهات، كما دخل الحملة ببرنامج يركز على القدرة الشرائية والشباب والنمو والأمن الاجتماعي.
أما حزب الاستقلال، فهو الطرف الأكثر ثباتًا من حيث البنية التاريخية والتنظيمية. فالحزب يمتلك شبكات محلية قديمة، وانتشارًا في عدد كبير من الدوائر، وزعيمه نزار بركة يُقدَّم باعتباره أحد المرشحين المحتملين لقيادة الحكومة في حال تصدر الحزب النتائج. في مرحلة سابقة، بدا الاستقلال وكأنه المستفيد الأكبر من ارتباك التجمع الوطني للأحرار، لكن هذا التفوق تراجع لاحقًا مع استعادة الأحرار لتماسكهم وصعود دينامية الأصالة والمعاصرة. ولذلك تحولت المنافسة إلى سباق ثلاثي حقيقي.
وبصيغة مختصرة، يمكن القول إن الأحرار يملكون الآلة الانتخابية، والأصالة والمعاصرة يملك الزخم، والاستقلال يملك الجذور التنظيمية والتاريخية. لكن النظام الانتخابي المغربي يجعل نتائج الدوائر المحلية شديدة الأهمية، ولذلك لا يكفي التفوق في الصورة الوطنية وحدها. جودة المرشحين المحليين، وعلاقاتهم الاجتماعية والقبلية والمهنية، وقدرتهم على تعبئة الناخبين، قد تحسم عددًا كبيرًا من المقاعد.
وهنا تظهر إحدى أهم الإشارات المبكرة للحملة: من أصل 28 تشكيلًا سياسيًا مشاركًا، تمكنت أربعة أحزاب فقط من تغطية جميع الدوائر المحلية والجهوية، وهي الأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والتقدم والاشتراكية، والعدالة والتنمية. أما عدد كبير من الأحزاب الأخرى فلم يتمكن من تقديم مرشحين في جميع الدوائر، وهو ما يعكس فجوة واضحة في القدرة التنظيمية والانتشار الوطني. وبلغ إجمالي لوائح الترشيح 1850 لائحة تضم 7288 مترشحًا.
وهذه النقطة تكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى حزب العدالة والتنمية. فالحزب الذي تلقى هزيمة تاريخية في 2021 يبدو هذه المرة مصممًا على استعادة جزء من موقعه. عودة عبد الإله بنكيران إلى قيادة الحزب، واحتفاظ التنظيم بقاعدة أيديولوجية منضبطة وقدرته على تغطية جميع الدوائر، تجعل من الصعب التعامل معه كقوة هامشية. لكنه يواجه تحديًا مختلفًا: هل يستطيع استعادة الناخبين الذين هجروه في 2021، أم أن سقفه سيظل محدودًا مهما تحسن أداؤه؟
الأرجح أن العدالة والتنمية لن يعود بسهولة إلى مستوى 2011 أو 2016، لكنه يمكن أن يصبح أكبر مفاجآت الانتخابات إذا استغل التصويت العقابي ضد أحزاب الأغلبية. وحتى عودة متوسطة، مثل الانتقال من 13 مقعدًا إلى كتلة من عشرات المقاعد، يمكن أن تعيد تشكيل المعارضة البرلمانية بالكامل.
أما الاتحاد الاشتراكي والحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية والاتحاد الدستوري، فإن معركتها تبدو مختلفة: ليس بالضرورة الفوز بالمركز الأول، بل الحفاظ على كتلة برلمانية تجعلها ذات قيمة في تشكيل التحالفات المقبلة. وهذا مهم لأن الحزب المتصدر لن يكون قادرًا، على الأرجح، على تشكيل حكومة بمفرده، وبالتالي فإن مرحلة ما بعد الانتخابات قد تكون بنفس أهمية الاقتراع ذاته.
اليسار يحاول بدوره إعادة ترتيب صفوفه. فقد أُعلن في يونيو عن تحالف انتخابي بين فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد، في محاولة لاستعادة حضور انتخابي ظل محدودًا خلال السنوات الماضية. لكن قدرته على اختراق الاستقطاب بين الأحزاب الكبرى تبقى موضع اختبار.
هناك أيضًا عامل آخر لا ينبغي إغفاله: المقاطعة السياسية. فجماعة العدل والإحسان وبعض التيارات اليسارية الجذرية لا تزال تدعو إلى مقاطعة الانتخابات، معتبرة أن شروط التنافس الديمقراطي الكامل غير متوافرة. وهذا يعني أن نسبة المشاركة نفسها ستصبح مؤشرًا سياسيًا مهمًا على الثقة في المؤسسات الحزبية والانتخابية.
وتبدو المنافسة شديدة بشكل خاص في الأقاليم الجنوبية، حيث لم يعد حزب الاستقلال يحتفظ بالتفوق شبه التلقائي الذي كان يتمتع به في بعض الدوائر، مع دخول الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار بقوة. وتكتسب هذه المقاعد أهمية تتجاوز عددها بسبب السياق السياسي المرتبط بملف الصحراء الغربية وبالترتيبات الداخلية المستقبلية في الأقاليم الجنوبية.
ما السيناريو الأكثر احتمالًا؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات موثوقة تسمح بالقول إن حزبًا واحدًا يتجه إلى فوز كاسح. الأقرب هو برلمان متوازن نسبيًا بين ثلاثة أقطاب كبرى: التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال، مع استعادة العدالة والتنمية جزءًا من قوته، وبقاء مجموعة من الأحزاب المتوسطة ضرورية لبناء أي أغلبية.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي في 23 سبتمبر قد لا يكون فقط: من سيأتي أولًا؟ بل أيضًا: بأي فارق؟ ومن سيكون قادرًا على بناء التحالف الحكومي الأسرع والأكثر تماسكًا؟
إذا تصدر الأحرار مجددًا، فسيكون ذلك بمثابة تصويت على استمرار التجربة الحالية مع تجديد قيادتها. وإذا تقدم الأصالة والمعاصرة، فسيكون ذلك أكبر تحول في الخريطة الحزبية منذ 2021. أما إذا نجح الاستقلال في تصدر النتائج، فسيعني عودة حزب تاريخي إلى قلب قيادة الحكومة بعد سنوات من لعب أدوار الشريك. وفي الخلفية، ستكون نتيجة العدالة والتنمية المقياس الحقيقي لمعرفة ما إذا كان انهيار 2021 كان نهاية دورة سياسية أم مجرد عقوبة انتخابية مؤقتة.
لهذا تبدو تشريعيات 2026 أقل شبها بانتخابات تغيير جذري للنظام الحزبي، وأكثر شبها بمعركة لإعادة ترتيب القوة داخل المركز السياسي المغربي نفسه: ثلاثة أحزاب حكومية تتنافس على الصدارة، إسلاميون يحاولون العودة، ويسار وأحزاب متوسطة تبحث عن موقع يسمح لها بالتأثير في التحالف الحكومي المقبل.
أقلام



.jpeg)

.jpeg)