مركز أودغست يصدر ورقة حول إعادة تشكيل الأمن في الساحل بعد أزمة النيجر

أصدر مركز أودغست للدراسات الإقليمية، ورقة تحليلية جديدة بعنوان "أزمة النيجر وإعادة تشكيل الأمن في الساحل: بين تحالف دول الساحل وروسيا والحضور الجزائري"، تتناول التحولات التي يشهدها النظام الأمني والجيوسياسي في منطقة الساحل، انطلاقا من الأزمة العسكرية الأخيرة في النيجر وما كشفته من تغير في طبيعة التوازنات والشراكات داخل المنطقة.
وتتعامل الورقة مع أزمة النيجر بوصفها لحظة كاشفة لتحولات أوسع كانت تتراكم خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد تأسيس تحالف دول الساحل، وتعميق التعاون العسكري بين دوله مع روسيا، وتراجع الأطر الأمنية السابقة، واتساع حركة القوى الإقليمية والدولية داخل المجال الساحلي. ومن هذا المنطلق، تتجاوز الورقة تفاصيل الأزمة نفسها، إلى محاولة فهم طبيعة النظام الأمني الذي يجري تشكيله حول مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وحدود قدرته على الاستجابة للتهديدات المختلفة.

وتناقش الورقة موقع تحالف دول الساحل داخل هذه التحولات، معتبرة أن الدول الثلاث نجحت في بناء قدر معتبر من التماسك السياسي واستقلال القرار، وأن إنشاء القوة الموحدة يمثل محاولة للانتقال من التنسيق السياسي إلى بناء قدرة أمنية مشتركة. غير أنها تطرح في المقابل سؤالا حول المسافة التي ما تزال تفصل بين امتلاك القرار وامتلاك الأدوات الكافية لتنفيذه، وهي المسافة التي تعبر عنها بمفهوم "فجوة السيادة والقدرة".
وتوضح الورقة أن هذا المفهوم لا يعني الحكم على تجربة التحالف بالنجاح أو الفشل، وإنما يتيح قياس مدى قدرة دوله على تحويل استقلالها السياسي إلى قدرات عسكرية واستخباراتية ولوجستية ومؤسسية قادرة على حماية المجال المشترك والاستجابة للأزمات. وتبرز أهمية هذا السؤال في ظل استمرار الجماعات المسلحة في تطوير أساليبها وتوسيع نطاق عملياتها، وفي ظل بقاء بعض الوظائف الأمنية الحساسة مرتبطة بدعم شركاء خارجيين.
وتخصص الورقة حيزا مهما لتطور الدور الروسي في الساحل، مركزة على تغير وظيفته أكثر من اتساع حضوره. فبعد أن ارتبط التعاون الروسي أساسا بالتسليح والتدريب ودعم العمليات العسكرية ضد الجماعات المسلحة، أظهرت أزمة النيجر قدرة  الفيلق الإفريقي الروسي على التدخل المباشر في لحظة تهدد استقرار النظام نفسه. وترى الورقة أن هذا التطور يفتح سؤالا حول ما إذا كانت روسيا تتجه إلى أداء وظيفة أمنية أعمق داخل دول تحالف الساحل، وحول ما يمكن أن يترتب على ذلك بالنسبة إلى مفهوم السيادة وهوامش القرار لدى حكومات المنطقة.
كما تتوقف الورقة عند الحضور الجزائري خلال الأزمة، منطلقة من موقع الجزائر بوصفها دولة جوار ترتبط مباشرة بمالي والنيجر وبأمن المجال الصحراوي والساحلي. ولا تقدم الدراسة هذا الحضور باعتباره "عودة" محسومة للجزائر إلى المنطقة، وإنما تتساءل عن دلالات ارتفاع مستوى انخراطها، وعن مدى ارتباط ذلك بأمن حدودها ومصالحها في الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي، وبالتحولات التي طرأت على البيئة الاستراتيجية جنوبها.
وفي هذا السياق، تربط الورقة الحضور الجزائري بفضاء إقليمي أصبح أكثر ازدحاما بالفاعلين والمشروعات. فإلى جانب تعمق النفوذ الروسي، يتقدم المغرب في علاقاته مع دول الساحل من خلال المبادرة الأطلسية التي تعرض على الدول الحبيسة منافذ جديدة نحو الموانئ والمجال الأطلسي، بينما يتزايد حضور بعض القوى الخليجية والدولية عبر الاستثمار والتمويل والطاقة والبنية الأساسية.
وترى الدراسة أن هذه التطورات تعكس انتقال منطقة الساحل إلى مرحلة تتعدد فيها الأدوات والخيارات المتاحة أمام حكوماتها. فالشراكات الأمنية لم تعد المصدر الوحيد للنفوذ، بعد أن أصبحت الممرات التجارية والطاقة والموانئ والاستثمارات والتمويل جزءا متزايدا من المنافسة على تشكيل المجال الإقليمي. ومن هنا تقدم الورقة مفهوم "تعدد العروض الاستراتيجية" لوصف البيئة الجديدة التي تستطيع فيها دول الساحل توزيع احتياجاتها وعلاقاتها بين شركاء يقدم كل منهم نوعا مختلفا من الموارد والفرص.

 

غير أن الورقة تلفت إلى أن تعدد الشركاء لا يؤدي بصورة تلقائية إلى استقلال استراتيجي أكبر، إذ إنه قد يمنح الحكومات مساحة أوسع للمناورة والمفاضلة، لكنه قد يؤدي أيضا إلى توزيع الاعتماد الخارجي بين أكثر من طرف إذا لم يرافقه بناء مستمر للقدرات الوطنية والمؤسساتية. ومن هنا تربط الدراسة بين "تعدد العروض الاستراتيجية" و"فجوة السيادة والقدرة" باعتبارهما مفتاحين لفهم المرحلة المقبلة في الساحل.
وتبحث الورقة كذلك في موقع موريتانيا داخل هذه التحولات، باعتبارها دولة تقع عند نقطة اتصال بين الساحل والمغرب العربي وغرب إفريقيا والفضاء الأطلسي، وتشترك مع مالي في حدود طويلة، وتحافظ في الوقت نفسه على علاقات مفتوحة مع قوى إقليمية ودولية متعددة. وترى أن أهمية التحولات الجارية بالنسبة إلى نواكشوط تتجاوز الأمن الحدودي، لأنها تمس طبيعة النظام الإقليمي الذي يتشكل شرق البلاد ومسارات النفوذ والشراكات والممرات داخله.
وتخلص الورقة إلى أن الساحل لم يدخل بعد مرحلة نظام أمني مستقر، وإنما يعيش مرحلة تنافس على تشكيل هذا النظام. وترى أن السؤال الحاسم خلال السنوات المقبلة لن يتعلق فقط بهوية القوة الخارجية الأكثر حضورا، وإنما بقدرة دول المنطقة على إدارة تعدد الشركاء وتحويله إلى قدرة ذاتية، وبمدى نجاح تحالف دول الساحل في تقليص المسافة بين استقلال القرار والقدرة على إنتاج الأمن، وبالطريقة التي ستتفاعل بها القوى الإقليمية والدولية مع هذا المجال الذي يعاد تشكيله سياسيا وأمنيا واقتصاديا في الوقت نفسه.

جمعة, 11/09/2026 - 22:06