تدوينة اليوم: جنايةٌ تحت ستار الدم

لم تكن عادتُنا يوماً أن نقتفي أثر الفضائح، ولا أن نستلّ من أوجاع الناس مادةً للحديث؛ فسترُ العوراتِ أصلٌ نلتمسُ به رحمة السماء. غير أننا ما حَبَرنا هذه الكلماتِ إلا بعد أن استوثقنا من أدقّ تفاصيل الفاجعة من مصادر شتّى، قاطعين الشكّ باليقين، وكان لا بدّ أن نكتب... لا لنشهّر، بل لنُضيء تلك العتمة التي يتسلل منها الظلم، ولنضعَ النقاط على حروف الوجع كي لا تُذبح الضحية في مجتمعنا مرتين.
​يقف العقلُ مذهولاً، مشدوهاً أمام الخراب حين ينبت فجأة في المساحات التي كُنّا نسمّيها اختصاراً "الأمان". ما أقسى أن يُطعن البيتُ في أقدس حصونه، حين يتحول العمّ—الذي حَسِبناهُ يوماً نصف أب وسند جدار—إلى جاني كامل الجناية، يستدرج طفولة ابنة أخيه بدمٍ بارد! إنه الفاعل الوحيد في هذه المأساة، ومجرمٌ مكتملُ الأهلية؛ استغلّ وعيه أمام جهلها، وسلطة دمه أمام براءتها، ومارس استدراجاً ممنهجاً ليغتال طفولتها. لم يكن الأمر خطأً عفوياً ولا كبوة جسد، بل خيانةً معتقة حِيكت في الظل، وسُخّرت لها طمأنينة البيت لتكون مصيدةً لأحلامها النائمة.
​وفي هذا السقوط المريع، تقف تلك الصبية القاصر ضحيةً مطلقة، جُرّدت من حقها في الاختيار؛ فالطفولة لا تملك أهليّة "الرضا"، وكل ما يقع في شباك الاستدراج ليس إلا اغتصاباً معنوياً وجسدياً ووسماً بوعي مزيف بالذنب. وإلى جوارها، يقف الأب والأم مكلومينِ في صمتٍ يمزق القلب، ينزفانِ وجعاً لم يصنعاه، ويدفعانِ ثمن طمأنينةٍ كانت في موضعها المفترض. إنّ تحميل هذين الأبوين قيد أنملة من اللوم، هو جلدٌ قاسٍ للضحية، وتبرئةٌ خبيثةٌ ليدِ الجاني التي امتزج فيها الغدر بقربى الدم.
​إننا لا ننظر هنا إلى مجرد "سقوط أخلاقي"، بل إلى مركّب إجرامي ثلاثي الأبعاد: استغلالٌ لسلطة الرحم، وهتكٌ صريحٌ لعرضِ قاصر، وخيانةٌ عظمى لأمانة البيت والسكن. لا شريكة في هذا الإثم سوى الذئب الذي ارتدى ثياب القربى. والمواجهة الحقيقية لهذه المآسي لا تبدأ إلا برفع الغطاء عن الخائن، وتسمية الجريمة باسمها الصريح بلا خجلٍ أو مواربة، وتوفير المأوى النفسي والعدلي لصبيةٍ غُدرت في حِمى من ظنّتهم حُرّاسها... نسأل الله ستراً يلملم هذا الانكسار، ولطفاً يليق بأرواحٍ نقيّة كُسرت وهي في أوج عفتها.

 

رملة سيد احمد

أربعاء, 19/08/2026 - 12:17