المفتشية تكشف الاختلالات وتحجب أصحابها.. شفافية ناقصة في تقرير التفتيش

على الرغم من أهمية نشر التقرير السنوي للمفتشية العامة للدولة للفترة 2024–2025، وما تضمنه من أرقام ووقائع تكشف حجم الاختلالات في تسيير المال العام، فإن التقرير يترك لدى القارئ سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن تحقيق الشفافية والمساءلة مع حجب أسماء الجهات والمسؤولين المرتبطين بأخطر الوقائع التي كشفها التفتيش؟

فالتقرير يخبرنا أن 20 موظفًا عموميًا أُنهيت مهامهم، وأن ثلاثة آخرين تعرضوا للتحويل الإجباري و11 للإنذار، كما يؤكد إحالة أربعة ملفات إلى الجهات القضائية، اثنان منها إلى النيابة واثنان إلى محكمة الحسابات، بأثر مالي إجمالي بلغ نحو 1.217 مليار أوقية جديدة. لكنه لا يخبر الرأي العام من هم هؤلاء المسؤولون، ولا في أي مؤسسات وقعت الحالات التي أدت إلى العقوبات أو الإحالات القضائية.

وهنا تظهر مفارقة التقرير: دقة كبيرة في الأرقام مقابل شح شديد في تحديد المسؤوليات.

يعرض التقرير، مثلًا، حالات تضخيم أسعار، ودفع مقابل معدات لم تُسلّم، وأشغال لم تُنفذ أو لم تطابق المواصفات، وتبديد أموال عمومية، ونفقات دون مقابل، ومزايا غير مستحقة لموظفين. بل إنه يتحدث عن استغلال نفوذ وإساءة استعمال الوظيفة، وتزوير شهادات ووثائق، وممارسات تواطؤ في إسناد العقود واستلام التجهيزات.

ومع ذلك، تبقى الجهات والأشخاص خلف كثير من هذه الوقائع محجوبين وراء عبارات عامة من قبيل «قطاع وزاري» أو «مؤسسة عمومية» أو «موظفون من مستويات هرمية مختلفة».

وتزداد هذه الملاحظة وضوحًا عند النظر إلى لغة التقرير. فالمفتشية تعتمد في معظم الأحيان قاموسًا إداريًا شديد التحفظ: «اختلالات»، «أثر مالي»، «مزايا غير مستحقة»، «نفقات دون مقابل»، «ضعف في التحصيل»، «عدم احترام الإجراءات» و«ممارسات تواطئية». وهي مصطلحات تجعل بعض الوقائع تبدو أقل خطورة مما تكشفه تفاصيلها الفعلية.

فعندما تدفع الدولة ثمن معدات لم تتسلمها، أو أشغال لم تنفذ، أو تسجل المفتشية تضخيمًا في الأسعار وتبديدًا للأموال واستخدام وثائق مزورة واستغلالًا للنفوذ، فإن القارئ لا يتعامل فقط مع أخطاء إدارية عادية. ومع ذلك يظل التقرير حذرًا جدًا في استعمال توصيفات مثل «الفساد» أو «الاختلاس».

فالشفافية لا تتحقق فقط بإخبار المواطن بأن 2.375 مليار أوقية جديدة تمثل الأثر المالي للاختلالات المكتشفة، بل أيضًا بتمكينه من معرفة أين وقعت هذه الاختلالات، ومن كان مسؤولًا عن إدارة الأموال، وماذا حدث بعد كشفها.

لقد خطا نشر التقرير خطوة مهمة في اتجاه إخراج أعمال التفتيش من السرية التقليدية إلى المجال العام، لكن الخطوة المقبلة ينبغي أن تكون الانتقال من شفافية الأرقام إلى شفافية المسؤولية.

فالتقرير الذي يقول لنا كم خسر المال العام، لكنه لا يسمح لنا في الحالات الأخطر بمعرفة من تسبب في الخسارة وأين حدثت، يظل تقريرًا يكشف جزءًا من الحقيقة ويحجب جزءًا آخر.

وبقدر ما تمثل لغة المفتشية المتحفظة ضمانة ضد إصدار أحكام مسبقة، فإن الإفراط في الاحتشام قد يحول وقائع بالغة الخطورة إلى مجرد «اختلالات في التسيير». وبين التشهير من جهة، وحجب المسؤولية بالكامل من جهة أخرى، توجد مساحة واسعة كان يمكن للتقرير أن يستثمرها لتقديم شفافية أكبر دون المساس بحقوق الأشخاص أو بقرينة البراءة.

سبت, 15/08/2026 - 15:33