من الباكالوريا إلى مدارس الامتياز.. نتائج تدق ناقوس الخطر حول مستوى التعليم في موريتانيا

لم تعد أزمة التعليم في موريتانيا مجرد ملاحظات متفرقة حول ضعف التحصيل أو شكاوى أسر من تدني مستوى أبنائها، فقد بدأت نتائج الامتحانات والمسابقات الوطنية تقدم مؤشرات رقمية تطرح أسئلة جدية حول مستوى التلاميذ، وفعالية المنظومة التعليمية في بناء المعارف الأساسية خلال سنوات الدراسة.

 

وبعد النتائج المتدنية التي سجلها امتحان الباكالوريا، جاءت نتائج مسابقة دخول مدارس الامتياز لتدق ناقوس خطر جديد، خصوصًا أن المسابقة تستهدف في الأصل التلاميذ المتفوقين والراغبين في الالتحاق بمؤسسات يفترض أن تستقطب أفضل العناصر الدراسية.

وبحسب إحصائية لنتائج المسابقة، نجح في دخول السنة الأولى الإعدادية 532 تلميذًا فقط من أصل 5891 مترشحًا حاضرًا، أي بنسبة تقارب 9.03%، رغم اعتماد معدل 12 من 20 كأدنى معدل للنجاح.

أما بالنسبة لمسابقة دخول المرحلة الثانوية، فلم يتجاوز عدد الناجحين 128 تلميذًا من أصل 2288 حاضرًا، أي بنسبة نجاح تقارب 5.59%، مع اعتماد معدل 10 من 20 كحد أدنى للنجاح.

هذه الأرقام لا تطرح فقط سؤالًا حول صعوبة المسابقة، بل تفتح نقاشًا أوسع بشأن مستوى التحصيل الدراسي لدى آلاف التلاميذ الذين قضوا سنوات داخل الفصول الدراسية، ثم عجزت نسبة كبيرة منهم عن بلوغ الحد الأدنى المطلوب في مسابقة أكاديمية يفترض أنها تقيس مكتسبات أساسية.

 

 

أزمة نتائج أم أزمة منظومة؟

 

عندما تتراجع نسب النجاح في امتحان الباكالوريا، يمكن البحث عن تفسيرات تتعلق بصعوبة المواضيع أو طبيعة التصحيح أو تفاوت مستويات الشعب. لكن عندما تظهر مؤشرات مشابهة في مراحل تعليمية مختلفة، فإن السؤال يصبح متعلقًا بالمنظومة نفسها، بدءًا من التعليم الأساسي، مرورًا بالإعدادي والثانوي.

فالنجاح الدراسي لا يبدأ في السنة الأخيرة من الثانوية، وإنما يتراكم منذ السنوات الأولى، من القدرة على القراءة والفهم والحساب والتعبير، وصولًا إلى اكتساب أدوات التحليل والاستيعاب.

وأي خلل في هذه الأساسيات يتراكم مع انتقال التلميذ من مستوى إلى آخر، حتى يصل إلى المراحل النهائية وهو يحمل معه فجوات معرفية يصعب تعويضها خلال فترة قصيرة.

 

 

ماذا يتعلم التلميذ فعلًا؟

 

تطرح النتائج الحالية سؤالًا أكثر أهمية من نسب النجاح نفسها: ما الذي يكتسبه التلميذ الموريتاني خلال سنوات وجوده في المدرسة؟

فعدد سنوات الدراسة أو الانتقال من قسم إلى آخر لا يشكل في حد ذاته دليلًا على اكتساب المهارات المطلوبة، إذا لم يكن مصحوبًا بتقييم دقيق للقدرة على القراءة والفهم والرياضيات واللغات والعلوم.

كما تطرح النتائج إشكالية الانتقال الآلي أو شبه الآلي بين المستويات، ومدى فعالية آليات التقويم المستمر، وقدرة المدرسة على اكتشاف مواطن الضعف لدى التلميذ في الوقت المناسب ومعالجتها بدل تركها تتراكم.

 

 

مدارس الامتياز تكشف حجم الفجوة

 

كان الهدف من مدارس الامتياز تكوين نواة من التلاميذ المتفوقين وتوفير بيئة تعليمية تساعدهم على تطوير قدراتهم. لكن محدودية أعداد القادرين على تجاوز مسابقة الدخول تثير سؤالًا بشأن قاعدة التفوق نفسها داخل النظام التعليمي.

فإذا كان من بين آلاف المترشحين أقل من واحد من كل عشرة قادرًا على بلوغ معدل 12 في مسابقة دخول السنة الأولى الإعدادية، وأقل من ستة في المائة قادرين على بلوغ معدل 10 في مسابقة دخول الثانوية، فإن الأمر يستدعي قراءة تربوية معمقة للنتائج، لا الاكتفاء بإعلان أسماء الناجحين.

وينبغي، في هذا السياق، تحليل أداء المترشحين حسب المواد والمناطق والمؤسسات التعليمية، لمعرفة أين تتركز نقاط الضعف: هل هي في الرياضيات؟ أم اللغات؟ أم الفهم والقراءة؟ وهل هناك فروق كبيرة بين الولايات والمدارس العمومية والخصوصية؟

 

فالنتائج الأخيرة ليست مجرد نسب منخفضة في مسابقة أو امتحان، بل إشارة إنذار إلى أن جزءًا كبيرًا من التلاميذ قد يتقدمون داخل النظام التعليمي من دون امتلاك المستوى المعرفي المتوقع منهم.

وإذا كانت الباكالوريا قد كشفت جانبًا من المشكلة في نهاية المسار الدراسي، فإن نتائج مسابقة مدارس الامتياز تكشف أن جذورها تبدأ في مراحل التعليم الأساسي.

وهنا يصبح السؤال الذي ينبغي أن يشغل المسؤولين عن التعليم ليس فقط: كم تلميذًا نجح؟ بل أيضًا: ماذا تعلم الذين لم ينجحوا خلال السنوات التي قضوها داخل المدرسة؟

 

مولاي ولد سيد احمد

خميس, 13/08/2026 - 13:11