
تقدم التجربة الرواندية في إدارة الأداء الحكومي نموذجًا لافتًا في ربط المسؤولية بالنتائج، من خلال نظام «إيميهيجو» (Imihigo)، وهو تقليد رواندي جرى تحويله منذ سنوات إلى أداة مؤسسية لتخطيط البرامج الحكومية وقياس تنفيذها ومساءلة الجهات العمومية على أساس أهداف محددة مسبقًا. وتصف الحكومة الرواندية النظام بأنه آلية لتعزيز التنمية الاجتماعية والاقتصادية والأداء المؤسسي.
ويقوم «إيميهيجو» على عقود أداء سنوية تتضمن أهدافًا ومؤشرات قابلة للقياس، ترتبط بخطط المؤسسات وميزانياتها والأولويات الوطنية. وقد شهدت رواندا توقيع عقود أداء تشمل مؤسسات الحكومة المركزية والمحلية أمام رئيس الجمهورية، فيما تخضع النتائج لاحقًا للتقييم لمعرفة مستوى تنفيذ الالتزامات المعلنة.
وتتمثل خصوصية هذا النموذج في الانتقال من تقييم المسؤول على أساس الخطاب أو النوايا إلى تقييمه وفق نتائج يمكن قياسها: ما المشاريع التي تعهد بتنفيذها؟ وما نسب الإنجاز؟ وهل تحققت الأهداف ضمن الآجال والموارد المحددة؟
ولا يعمل نظام الأداء بمعزل عن أدوات أخرى للشفافية. فرواندا تعتمد نظامًا إلكترونيًا للصفقات العمومية يعرف باسم UMUCYO، يهدف إلى رقمنة إجراءات المشتريات الحكومية وتقليل التعاملات الورقية والمباشرة، بما يعزز الشفافية ويوفر إمكانية أكبر لتتبع مراحل الصفقات.
كما يلزم القانون فئات من كبار المسؤولين والموظفين العموميين بالتصريح بممتلكاتهم، ويتولى مكتب أمين المظالم استقبال هذه التصريحات والتحقق منها ضمن اختصاصاته المتعلقة بالوقاية من الفساد ومكافحته.
غير أن اختزال التجربة الرواندية في القول إنها «قضت على الفساد» قد لا يكون دقيقًا؛ فالنموذج يقوم أساسًا على منظومة متكاملة من المتابعة والرقابة والرقمنة والتصريح بالممتلكات وعقود الأداء، ولا يعني وجود هذه الآليات اختفاء المخالفات كليًا.
وماذا يمكن أن تستفيد موريتانيا؟
يمكن أن تطرح تجربة «إيميهيجو» سؤالًا عمليًا على الإدارة الموريتانية: لماذا لا يتحول تعيين الوزير أو المدير أو الوالي أو العمدة إلى التزام معلن بأهداف سنوية محددة وقابلة للقياس؟
فبدل الاكتفاء ببرامج عامة، يمكن نشر عقود أداء تتضمن، مثلًا، عدد المدارس والمراكز الصحية والطرق وشبكات المياه المقرر إنجازها، وكلفتها وآجال تنفيذها، على أن تنشر النتائج في نهاية كل سنة ويُحدد بوضوح ما أنجز وما تعثر وأسباب التعثر.
ومن شأن هذا الأسلوب أن يمنح المواطن معيارًا أكثر موضوعية للحكم على أداء المسؤولين، ويحد من مساحة الوعود الفضفاضة، ويربط الإنفاق العمومي بنتائج يمكن التحقق منها.
ولا يتعلق الأمر باستنساخ التجربة الرواندية حرفيًا، بقدر ما يتعلق باستلهام مبدأ بسيط: المسؤولية العامة ينبغي أن تقترن بأهداف معلنة، ومؤشرات قابلة للقياس، وشفافية في الإنفاق، وتقييم دوري للنتائج ومساءلة عند الإخفاق أو التجاوز.
وفي بلد تنفذ فيه سنويًا مشاريع وبرامج بمليارات الأوقية، يمكن أن يكون نشر عقود أداء للوزارات والمؤسسات والبلديات، وإتاحة نتائج تقييمها للرأي العام، خطوة عملية نحو تحويل الإدارة من ثقافة تسيير الوسائل إلى ثقافة تحقيق النتائج.
محمد نور الدين



.jpeg)

.jpeg)