الحاج ولد عبد الله: “الحاضنة الاجتماعية” تسمية ناعمة لعودة القبيلة في لحظات الأزمة

قال الباحث في علم الاجتماع الدكتور الحاج ولد عبد الله إن الجدل المرتبط بقضية المحامي محمد المامي ولد أمين والشيخ محمد الحسن ولد الددو أعاد إلى الواجهة مفهوم “الحاضنة الاجتماعية”، معتبراً أن هذا التعبير بات يُستخدم في الخطاب العام بوصفه تسمية ناعمة للقبيلة.

وأوضح ولد عبد الله، في تدوينة تناول فيها أبعاد هذا المفهوم، أن مصطلح “الحاضنة الاجتماعية” يستعير دلالته من المجال الطبي، بما يوحي بأن الفرد يولد، اجتماعياً، في وضع هش يحتاج معه إلى إطار قبلي يحميه ويعيد تثبيته داخل الجماعة كلما تعرض لاهتزاز في المجال العام.

واعتبر الحاج أن رفض ولد أمين لوساطة قبيلته تكشف تصدع هذا المنطق، وتعيد تأكيد ما سبق أن وصفه بـ”القبيلة باعتبارها وهماً مؤسساً”، موضحاً أن المقصود بذلك ليس إنكار وجود القبيلة، بل الإشارة إلى أنها تستمد جزءاً كبيراً من قوتها من قدرتها على تصديق ذاتها وفرض هذا التصديق على الواقع الاجتماعي والسياسي.

وأضاف أن الفرد، حتى عندما يقدم نفسه عبر هوية مهنية حديثة ومركبة، بوصفه محامياً وكاتباً ومثقفاً ومسؤولاً عن رأيه وموقفه، تظل القبيلة، وفق هذا المنطق، غير قادرة على الاعتراف الكامل باستقلاله، فتتدخل باسمه أو حوله كما لو كانت تستعيد ملكيتها الرمزية عليه في لحظة الخطر.

وأشار ولد عبد الله إلى أن قيام الدولة الحديثة كان تاريخياً نقيضاً للمنطق القبلي، أو نتيجة لتراجع القبيلة بوصفها نظاماً شاملاً لتنظيم المجتمع، غير أن هذا التراجع لم يؤد إلى اختفائها، بل حولها إلى بنية احتياطية تظهر خصوصاً في لحظات الأزمات، سواء كانت حقيقية أو متخيلة.

ورأى أن تكرار العودة إلى القبيلة في السياق الموريتاني يكشف أن المجتمع لم يحسم بعد انتقاله الكامل من منطق “الجماعة الحامية” إلى منطق “الفرد المواطن”، حيث يبقى حتى الأفراد الأكثر اندماجاً في قيم الدولة الحديثة، في المخيال القبلي، أبناء قبائل قبل أي صفة أخرى.

واعتبر الباحث أن المفارقة الأعمق تكمن في أن القبيلة قد تكون هي التي تحتاج إلى الأفراد أكثر مما يحتاجون إليها، لأنها تتغذى على أزماتهم وتمرداتهم وخلافاتهم لإعادة إنتاج وهم ضرورتها واستمرارها.

وختم ولد عبد الله بالقول إن كل محاولة فردية للاستقلال قد تتحول، على نحو مفارق، إلى مناسبة جديدة تستعرض فيها القبيلة قدرتها على الاحتواء، وكأنها لا تستطيع تأكيد وجودها إلا عبر نفي اكتمال الفرد نفسه.

جمعة, 26/06/2026 - 00:41