قراءة في وثائق أسعار المحروقات: حين يتحول الدعم إلى واجهة لعبء جبائي ثقيل

تكشف الوثائق المتعلقة ببنية أسعار المحروقات في موريتانيا خلال الربع الثاني من سنة 2026 عن معادلة اقتصادية شديدة الحساسية: الدولة تعلن دعماً لأسعار البنزين والگزوال، لكنها في الوقت نفسه تُبقي داخل السعر النهائي عند المضخة مستوى مرتفعاً من الضرائب والرسوم والاقتطاعات، يجعل المواطن يتحمل جزءاً كبيراً من الكلفة تحت عناوين متعددة.

 

فالقراءة الأولية للأرقام تظهر أن سعر المحروقات لا يتشكل فقط من كلفة الشراء في السوق الدولية، بل يتكون من سلسلة طويلة من العناصر: كلفة الشراء، الرسوم الجمركية، الضريبة على القيمة المضافة، رسوم وضرائب مختلفة، تكاليف النقل والتخزين، هوامش التسيير والتوزيع، إضافة إلى بنود أخرى ذات طبيعة تنظيمية أو شبه جبائية.

 

وبحسب تحليل مكونات السعر، يتضح أن العبء الجبائي وشبه الجبائي ظل حاضراً بقوة في سعر البيع النهائي، حتى بعد احتساب دعم الدولة المعلن. ففي شهر إبريل مثلاً، وصلت الضرائب والرسوم الصافية بعد الدعم على البنزين إلى نحو 40% من سعر البيع عند المضخة، بينما بلغت على الگزوال حوالي 21%. وفي شهر يونيو، ورغم تغير بنية السعر، بقي العبء معتبراً، إذ وصل إلى نحو 30% على البنزين و15% على الگزوال.

 

هذه الأرقام تعني، بلغة المواطن اليومية، أن كل لتر بنزين يتضمن حوالي 198 أوقية قديمة من الضرائب والرسوم الصافية، بينما يتضمن كل لتر من الگزوال نحو 93 أوقية قديمة، بعد احتساب الدعم. وهي أرقام مهمة لأنها تكشف أن الحديث عن دعم المحروقات لا يكتمل من دون الحديث في الوقت نفسه عن حجم ما تستخلصه الدولة من نفس اللتر عبر الضرائب والرسوم.

 

اقتصادياً، يطرح ذلك سؤالاً مركزياً: هل نحن أمام دعم حقيقي يخفف العبء عن المستهلك، أم أمام آلية مزدوجة تقوم فيها الدولة بتقديم دعم من جهة، واسترجاع جزء كبير منه عبر الجباية من جهة أخرى؟

 

لا يعني هذا بالضرورة أن الدولة لا تتحمل كلفة مالية في تسعير المحروقات، ولا أن الضرائب غير مبررة مطلقاً؛ فالمحروقات تمثل في العادة أحد مصادر الإيرادات العمومية المهمة، كما تستخدم الرسوم أحياناً لتمويل البنية التحتية أو ضبط الاستهلاك أو تغطية تكاليف النقل والتوزيع. لكن المشكلة تظهر حين يصبح العبء الجبائي مرتفعاً في ظرف اجتماعي واقتصادي يتسم بغلاء المعيشة، وجمود الدخول، وارتفاع تكاليف النقل، واعتماد السوق المحلية على الواردات.

 

فالگزوال، على وجه الخصوص، ليس مادة عادية في الاقتصاد الموريتاني. إنه يدخل في كلفة النقل، والصيد، والزراعة، والبناء، والتجارة، ونقل البضائع بين المدن. لذلك فإن أي عبء إضافي على سعره لا يبقى محصوراً في محطة الوقود، بل ينتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والخدمات، ويدفعه المواطن في النهاية داخل سعر الخبز والخضروات والنقل والمواد المستوردة.

 

أما البنزين، فرغم أنه أقل ارتباطاً بالنقل التجاري الثقيل، فإنه يمس شريحة واسعة من المستخدمين، ويعكس بدوره مستوى الضغط على القدرة الشرائية للطبقات الوسطى وأصحاب الدخل المحدود الذين يعتمدون على السيارات الصغيرة أو النقل الحضري المتأثر بدوره بأسعار الطاقة.

 

وتكشف الوثائق أيضاً عن مفارقة لافتة: ففي الوقت الذي ترتفع فيه كلفة الشراء الدولية أو تتغير، لا تتحرك مكونات السعر كلها بنفس الاتجاه. فبعض الرسوم والهوامش تبقى ثابتة أو شبه ثابتة، وبعضها يتغير بنسب محدودة، بينما يتحمل السعر النهائي عند المضخة الجزء الأكبر من التعديل. وهذا يعني أن المواطن لا يدفع فقط ثمن السوق الدولية، بل يدفع أيضاً ثمن البنية الداخلية للسعر.

 

من زاوية السياسة العامة، كان يفترض أن تكون وثائق تسعير المحروقات فرصة لتعزيز الشفافية، لا مجرد جداول تقنية يصعب على المواطن العادي فهمها. فالسؤال الذي يهم الناس ليس فقط: كم أصبح سعر اللتر؟ بل: لماذا وصل إلى هذا المستوى؟ كم تمثل كلفة الشراء؟ كم تأخذ الدولة؟ كم يذهب للنقل والتخزين؟ وكم يستفيد الموزعون؟ وما هو الحجم الحقيقي للدعم مقارنة بما يتم تحصيله من رسوم؟

 

الأخطر أن استمرار هذا المستوى من العبء الجبائي على المحروقات قد يحد من فعالية أي خطاب رسمي حول حماية القدرة الشرائية. فلا يمكن إقناع المواطن بأن الدولة تدعم الأسعار، إذا كان يرى في الوثائق نفسها أن جزءاً معتبراً من سعر اللتر يعود إلى ضرائب ورسوم واقتطاعات. لذلك تبدو الحاجة ملحة إلى مراجعة أكثر وضوحاً لبنية أسعار المحروقات، خصوصاً في المواد الأكثر تأثيراً على الأسعار العامة، وعلى رأسها الگزوال.

 

إن القراءة الاقتصادية لهذه الوثائق تقود إلى خلاصة أساسية: أزمة المحروقات في موريتانيا ليست فقط أزمة أسعار عالمية، بل هي أيضاً أزمة بنية تسعير داخلية. فالدولة ليست مجرد ضحية لتقلبات السوق الدولية، بل هي طرف مؤثر في السعر النهائي من خلال ما تفرضه من رسوم وما تمنحه من دعم وما تختاره من هوامش.

 

ومن هنا، فإن أي سياسة جادة لحماية المستهلك ينبغي أن تبدأ بنشر معطيات واضحة ومبسطة حول مكونات السعر، ومراجعة العبء الجبائي على المواد الأكثر ارتباطاً بالمعيشة، وربط الدعم بأثره الحقيقي على المواطن لا بمجرد الإعلان عنه في الجداول.

 

فالشفافية هنا ليست مطلباً فنياً فقط، بل شرطاً للثقة. وحين يعرف المواطن أن كل لتر يشتريه يحمل داخله ضرائب ورسومًا معتبرة، يصبح من حقه أن يسأل: هل تدعم الدولة المحروقات فعلاً، أم تدير توازناً مالياً يجعل المواطن يدفع الكلفة في النهاية؟

 

مولاي ولد سيد احمد

أقلام

خميس, 04/06/2026 - 12:30