وهم إلزامية العربية في موريتانيا

اعتنق الفرس الإسلام واعتنق الأتراك الإسلام، لكنهم لم يتخلّوا عن لغاتهم وهوياتهم التاريخية ليصبحوا عربًا، أخذوا الاسلام وتشبثوا به، واخذوا من فطرية العرب ما أفاد مجتمعاتهم، ولكنهم احتفظوا بلغاتهم وخصوصياتهم وواصلوا بناء دولهم وتطوير معارفهم ومؤسساتهم؛ فلماذا تعاملنا نحن الافارقة من أمازيغ و ماندي مع العروبة وكأنها شرط للانتماء إلى الإسلام، حتى صار الكلام بغير العربية، بل حتى صار ذكر تاريخنا السابق على التعريب يعد انتقاصا من مكانة العربية وخروجا على الدستور ؟

 

كان المجال الساحلي والصحراوي الذي نعيش فيه اليوم مسرحًا لحضارات زراعية عريقة، تشهد عليها آثار ظهر تيشيت وغيرها من المواقع القديمة، كما هو موثق في التاريخ المتجاهل، حيث عرف السكان زراعة الحبوب وتربية المواشي والاستقرار في تجمعات سكنية قبل آلاف السنين، وحيث ازدهرت زراعة الدخن (بشنة وتقليت )، التي لم تستطع العربية ايجاد اسم لهما بديلا عن اسمهما الامازيغي لأن العرب لم يعرفوا في الجزيرة العربيةمن الحبوب غير الشعير، وأرض الساحل لا تصلح لزراعة الشعير، فكان عليهم ان يتبنوا الدخن كقوام  حياة.  والدخن حب ساحلي افريقي تم تدجينه لأول مرة في التاريخ في حوض نهر النيجر سنة 3500 ق.م، وقد ترك سكان ظهر تيشيت آثارًا تدل على زراعة دخن متطورة،  وحياة إنتاجية مستقرة منذ نحو 2500 ق.م ، وبالفعل لم يؤكد المؤرخون الاركيولوجيون بأن أولئك السكان الذين دجنوا الدخن في ظهر تيشيت كانوا أسلاف ما يعرف بصنهاجة أم كانوا من شعوب الماندي أسلاف السونينكة الحاليين او أسلافا مشتركين لكليهما،  لكن الاجماع حاصل على ان صنهاجة او أمازيغ الجنوب، كانوا يحرثون الدخن على هذه الارض نحو 1000 ق.م ، مما يعني أن هذه الأرض لم تكن فراغًا حضاريًا ينتظر من يمنحه الحياة والتاريخ.

 

ثم تتالت التحولات السكانية والاقتصادية والسياسية، بعد الاسلام  وبعد ماجرى من حروب وهجرات ، ثم سيطرت أنماط الرعي والترحال وساد رعي الابل على  الحراثة وصناعة القدور وشي الطين وصناعة الاو اني، ومع بداية القرن الثامن عشر الميلادي ( اي بالأمس بالمنظور الحضاري) انقلب كل شيء، سيطرت العربية، وصارت القصيدة العصماء والخيمة والناقة وليالي القمر والشعر الذي يصف ترك الديار و الرحيل من واد  إلى واد  من أبرز صور مخيلتنا الجماعية، ولم تكن هذه الظاهرة جزءًا أصيلًا في مخيلة المجتمعات الصنهاجية أو السونينكية  المستقرة، التي ارتبطت بالزراعة والإنتاج وبناء التجمعات الدائمة؛  فالعرب هم الذين حملوا هذا النمط الاجتماعي المرتبط برعي الابل وصاغوه بل طوروه كغرض شعري له رمزيته، وما زالت بعض آثاره تحكم جانبًا من عقليتنا حتى في المدينة، حيث نستعيد صور الرحيل والديار المفقودة أكثر مما نستعيد ذاكرة الحقول والعمل والاستقرار، لأننا أصبحنا عربا رحلا دون أن ننتبه الى أننا لم نكن عربا، واصبحنا أهل رعي دون ان نتذكر أننا كنا أهل زراعة .

وليس في الرعي انتقاص ولا في الشعر عيب؛ إنما السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو، كيف تحول نمط عيش مستجد  إلى صورة  تحتكر تعريفنا لأنفسنا، بينما تراجعت في وعينا إمكانات الزراعة والإنتاج والاستقرار وبناء المؤسسات؟ ولا يعني ذلك أن العربية ذات حمولات مناقضة لمنطق التطور والاستقرار، فكل لغة قادرة على التعبير عن الحداثة وبناء المعرفة، لكن المسألة تتعلق بالصور الاجتماعية والرمزية التي حملتها بعض مراحل التاريخ، وبأمور أخرى كثيرة في هذا السياق، من توزيع السلطة إلى أنماط الاقتصاد وتشكيل الذاكرة الجماعية.

إن الهوية لا تعني اختراع ماضٍ لم نعشه، بل البحث عن كل ما صنعته هذه الأرض قبل أن تختزله رواية واحدة.

 

إن المؤلم أنه حتى اولئك الذين يتشبثون بتاريخ لم  يعشه أجدادهم يريدون اليوم تحويل هذا المسار إلى إلزام أخلاقي، فيصبح الدفاع عن لغاتنا الوطنية أو استعادة ذاكرتنا الافريقية بشقيها الامازيغي والماندي موضع شبهة، وكأن الاعتزاز بالعربية يقتضي محو ما عداها؛ والأشد أسفا من ذلك أن يأتي هذا المنطق وهذا الالزام الاحادي من وزارة الثقافة التي يفترض انها توسع في رؤيتها ، بل تبحث عما هو مخفي او مطمور من الثقافات المشتركة لتحييه لا ان تكون معول كسر ومكنسة جرف لما سوى العربية . والمرسوم الذي اصدره وزير الثقافة هو نحو واضح إلى موجة قادمة من القمع الثقافي، واذا كانت الذريعة هي إلزامية الدستور فاليلتزموا  بكل مواد الدستور الاكثر تحصينا، ثم ان دستور 1991 كما يعلم كل أحد كتب في اجواء اضطرابات عرقية وفي سنوات ساد فيها منطق القمع الثقافي كما يعلم كل أحد .. 

 

ومن الغريب أنه في وقت تتقدم فيه رسميا سيدة موريتانية إلى قيادة المنظمة الدولية للفرنكوفونية، التي – بالمناسبة - اكرهها كمؤسسة انيوكولونيالية  يتم اصدار هذا القرار الذي يكشف ليس فقط  تشتت البوصلة الرسمية، بل يكشف ايضا  أن قرار الدستور لم يتم  احترامه لانه لا يزال وإلى اليوم  يحتاج  الى  قرار من وزير الثقافة بعد خمسة وثلاثين عاما من  اقراره للحث على الالتزام به. هل هناك ماهو أكثر دلالة  على وهم إلزامية العربية من هذا القرار الوزاري؟

 

إن تطويراستخدام اللغة العربية  حق مشروع، لكن اختزال السياسة اللغوية في الإلزام بلغة واحدة ليس هو الطريق الوحيد لتعزيزها، ولا سيما في بلد يعترف بتعدد لغاته الوطنية، كما أن التذرع بدستورية اللغة العربية كما بينت  ذريعة غير قوية، بل هو ذرّ للرماد في العيون؛ فدستور 1991 كُتب في فترة صراع عرقي كانت الكلمة فيها للفئة الممسكة بالحكم آنذاك، وكانت هذه المادة الدستورية هي جزء من افرازات ذلك التجييش وذلك الشحن  وذلك المزاج السائد في تلك  السنوات وهو مزاج دفع البلد ثمنه غاليا ماديا ومعنويا،  ثم إن تقديس الدستور في هذه الحالة، والاستخفاف به عند تمديد المأموريات من قبل بعض الرسميين، يكشف حجم العبثية في سياقنا الوطني اليوم، ويؤكد  حاجتنا إلى مراجعة كثير من الممارسات، التي  باتت في نظر كثيرين نوعا من المسلمات .

 

إن الخطر الذي لم ينفك محدقا بنا وكاننا نعيش في دوامة لا مخرج منها هو استغلال بعض الجماعات  نجاح التعريب وافتراس العربية للغة الامازيغية في القرن الثامن عشر لتكريس رواية واحدة عن الوطن، وتعميق الشروخ في مجتمع يعاني أصلًا من التفتت.

 

 لماذا لم يتخل الفرس عن الفارسية وقد مزقت ممالكهم وهدمت مدنهم ومعابدهم، والأتراك أيضا لم يتخلّوا عن لغاتهم  عندما تبنوا الإسلام، وسادوا به وقادوا حتى العرب ، اذا كان هؤلاء ظلوا سادة اتفسهم رغم اسلامهم ، فلماذا يتوجب على الشعوب الافريقية في هذه الارض سمرا او سودا  أن يعتذروا عن تاريخهم  وثقافاتهم كي يثبتوا انتماءهم إلى الوطنبل حتى الاسلام ؟

 

إن الأمة التي تنسى تعدد جذورها تصبح أسهل انقسامًا، والأمة التي تخلط بين ما ورثته وما فُرض عليها تفقد القدرة على اختيار مستقبلها.

إن العربية لغة عزيزة وهي جزء أصيل في التكوين الحضاري لشعبنا ، وهي كذلك طبقة هامة من تاريخ موريتانيا، لكنها ليست كل تاريخها، فهناك طبقات اخرى، والإسلام دين جمع واحياء، وليس دينا لمحو لغات الشعوب وذاكرتها.

أربعاء, 21/10/2026 - 22:52