كيف سفطت أسطورة «جبل نيزك شنقيط» بعد 110 أعوام؟

في سنة 1916، خرج الضابط الفرنسي غاستون ريبار من شنقيط في رحلة ليلية غامضة على ظهر جمل. كان، بحسب روايته، يتبع دليلًا محليًا يعرف مكان كتلة هائلة من الحديد وسط الصحراء. وبعد رحلة استمرت نحو عشر ساعات، قال إنه وصل عند الفجر إلى جسم معدني لا يشبه شيئًا رآه من قبل: واجهة بارتفاع يقارب أربعين مترًا وطول يقارب مئة متر، فيما كان جزء آخر منه غارقًا في الرمال.

لو كانت تقديراته صحيحة، لكان أمام أحد أضخم الأجسام النيزكية المعروفة على الأرض.

لكن ريبار لم يكتف بالقصة. عاد بقطعة من الموقع.

وهذه القطعة هي التي أبقت اللغز حيًا أكثر من قرن.

 

 

قطعة حقيقية من السماء

 

عندما درس عالم المعادن الفرنسي ألفريد لاكروا العينة في عشرينيات القرن الماضي، تبيّن أنها نيزك حقيقي من فئة الميسوسيديريت Mesosiderite، وهي نيازك نادرة تجمع بين المادة الصخرية والمعدنية.

وتسجل قاعدة بيانات Meteoritical Bulletin، المرجع الرسمي لتسمية النيازك، نيزكًا باسم Chinguetti مصنفًا Mesosiderite-B1، بكتلة إجمالية معتمدة تبلغ 4.05 كيلوغرامات. أما الأدبيات التاريخية فتتحدث عادة عن كتلة تقارب 4.5 كيلوغرامات حملها ريبار معه؛ كما تسجل القاعدة سنة العثور الرسمية 1920، بينما ترجع رواية ريبار نفسها إلى 1916.

والقطعة لم تعد كتلة واحدة. ففي المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي التابع لمؤسسة سميثسونيان في واشنطن توجد اليوم عينة موثقة من نيزك شنقيط رقمها USNM 3205 ووزنها 370.5 غرامًا، وصورها متاحة ضمن الملكية العامة.

وهكذا أصبح السؤال منذ عشرينيات القرن الماضي ليس: هل وجد ريبار نيزكًا؟ فهذا ثابت. بل:

من أين جاء ذلك النيزك؟ وهل كان بالفعل فوق «جبل الحديد» الذي وصفه؟

 

 

تيودور مونو ومطاردة استمرت العمر

 

دخل عالم الصحراء الفرنسي تيودور مونو على خط القضية في الثلاثينيات. ففي 1934 انطلق إلى منطقة شنقيط محاولًا إعادة بناء رحلة ريبار وسؤال السكان وتتبع الإشارات التي تركها في مراسلاته.

لم يجد شيئًا.

لكنه لم يتخل عن الملف. وظل يعود إليه على مدى عقود، حتى أصبح «نيزك شنقيط» واحدًا من أشهر ألغاز حياته العلمية. وفي 1992 نشر مع عالمة النيازك بريجيت زاندا كتاب Le Fer de Dieu – حديد الله، جامعًا الوثائق والمراسلات والخرائط والشهادات المرتبطة بالقضية.

في نهاية المطاف مال مونو إلى تفسير أكثر بساطة: ربما أخطأ ريبار في التعرف على تكوين صخري معزول يعرف باسم Guelb Aouinet وظنه كتلة نيزكية.

لكن زاندا، التي رافقت مونو في إحدى رحلاته الأخيرة، قالت لاحقًا إنها وجدت ذلك التفسير غير مقنع، لأن ريبار نفسه كان ذا تكوين في العلوم الطبيعية وله معرفة بالجيولوجيا.

 

 

مشكلة علمية خطيرة

 

أقوى ضربة لرواية ريبار جاءت من دراسة منشورة سنة 2001 في مجلة Meteoritics & Planetary Science.

حلل كيس ويلتن وفيل بلاند وسارة راسل وزملاؤهم النظائر الكونية داخل قطعة شنقيط. والفكرة بسيطة في جوهرها: الأشعة الكونية لا تخترق الأجسام الصخرية والمعدنية إلى أي عمق، ولذلك يمكن من تركيز بعض النظائر استنتاج حجم الجسم الذي كانت العينة داخله أثناء وجوده في الفضاء.

 

كانت النتيجة قاسية على أسطورة «جبل الحديد».

 

خلص الفريق إلى أن قطعة شنقيط كانت موجودة على عمق يقارب 15 سنتيمترًا داخل جسم لا يتجاوز نصف قطره نحو 80 سنتيمترًا، أي قطر في حدود 1.6 متر على الأكثر. كما قدر عمر وجودها على سطح الأرض بنحو 18 ألف سنة، وعمر تعرضها للأشعة الكونية في الفضاء بنحو 66 مليون سنة.

هذا يعني أن النيزك المعروف لا يمكن علميًا أن يكون مجرد قطعة انفصلت من جسم طوله مئة متر.

 

وهنا كان يفترض أن تنتهي القضية.

 

لكن بقيت مشكلة مزعجة: لماذا عاد ريبار أصلًا من تلك الرحلة بنيزك نادر حقيقي؟

 

 

«الإبر المعدنية»

 

هناك تفصيل صغير في وصف ريبار ظل يثير فضول العلماء.

قال إنه رأى على الجسم الضخم ما يشبه نتوءات أو «إبرًا» معدنية، وحاول اقتطاع بعضها بضربها بالقطعة الصغيرة، لكنها انثنت ولم تنكسر.

في 2024 أعاد روبرت وارن وشقيقه عالم الفلك ستيفن وارن وإيكاتريني بروتوبابا الاهتمام بهذه الملاحظة. وأشاروا إلى أن نتوءات معدنية غنية بالنيكل ذات سلوك مطيل مشابه عُرفت لاحقًا في بعض النيازك؛ ومن الصعب، في رأيهم، فهم كيف كان ريبار سيختلق في 1916 تفصيلًا لم يكن معروفًا آنذاك في أدبيات النيازك.

هذا لا يثبت وجود «الجبل»، لكنه أبقى الباب مفتوحًا.

 

 

إعادة الرحلة بعد قرن

 

بدأ روبرت وارن الاهتمام بالقضية سنة 2018 أثناء عمله مهندسًا في موريتانيا. وفي 2022 عاد مع فريق إلى المنطقة، ثم استعان بشقيقه التوأم ستيفن، أستاذ الفيزياء الفلكية في إمبريال كوليدج لندن.

استخدما صور الأقمار الصناعية ونماذج الارتفاعات الرقمية، وأجريا رحلات فعلية بالإبل مع سائقي جمال من المنطقة لمحاولة معرفة أقصى مسافة يستطيع ريبار قطعها خلال عشر ساعات.

توصل الفريق إلى أن المسافة المباشرة عن شنقيط يجب أن تقع، بصورة معقولة، بين 10 و50 كيلومترًا. كما استبعدوا المناطق التي لا توجد فيها كثبان بارتفاع يكفي لإخفاء جسم كان ريبار يقدره بأربعين مترًا.

وفي ديسمبر 2022 أجروا مسحًا أرضيًا بمقياس مغناطيسي في جزء من الكثبان، مع قراءة تقريبًا كل خمسين مترًا.

 

النتيجة: لا شيء.

لكن بقيت مساحات أخرى.

 

 

ورقة كانت موجودة في موريتانيا

 

هنا وصلت القصة إلى أكثر فصولها إثارة.

في إطار مشروع PRISM لتطوير البنية المعلوماتية لقطاع المعادن، موّل البنك الدولي أعمالًا واسعة للمسح الجيوفيزيائي الجوي لموريتانيا. وتشير وثائق المشروع الحكومية إلى استخدام شركات بينها Fugro لإجراء مسوحات مغناطيسية جوية واسعة. وتُظهر خريطة رسمية سنة 2005 نطاق التغطية الجيوفيزيائية التي نفذتها Fugro وSander وغيرها.

وكان مسح Fugro في الشمال قد أجري على ارتفاع يقارب 100 متر وبمسافات تبلغ نحو 500 متر بين خطوط الطيران. وقال فريق وارن إن بلوك البيانات الذي يحمل اسم Chinguetti 2012 يغطي المنطقة التي يمكن أن يوجد فيها الجسم المفترض.

ولهذا كتب الباحثون إلى وزارة البترول والطاقة والمعادن في يناير 2023 طالبين البيانات، ثم وجهوا رسالة أخرى إلى الوزير في ديسمبر من العام نفسه. وحتى نشر ورقتهم في فبراير 2024، قالوا إنهم لم يحصلوا عليها.

وكان استنتاجهم واضحًا: تحليل الخريطة المغناطيسية يمكن أن يثبت أو ينفي وجود كتلة معدنية بهذا الحجم داخل المنطقة المرشحة دون حفر الصحراء كلها.

وهذه النقطة هي التي تغيرت الآن.

 

 

مايو 2025.. البيانات تصل

 

بحسب تحقيق علمي حديث نشره New Scientist في عدد 3 يناير 2026، حصل روبرت وارن أخيرًا في مايو 2025 على بيانات المسح المغناطيسي الموريتاني التي ظل يطلبها.

أمضى أسابيع في تحليل البيانات والبحث عن شذوذ مغناطيسي يتوافق مع كتلة معدنية عملاقة مدفونة تحت الكثبان.

ثم كانت النتيجة.

في أغسطس 2025 أبلغ المجلة بأنهم حصلوا على البيانات المطلوبة تحديدًا لاختبار الفرضية، وأن التحليل لم يجد الجسم العملاق في النطاق الذي حدده البحث. وتعرض النسخة المنشورة من تحقيق New Scientist هذا التطور تحت عنوان «نهاية البحث؟».

وهذه، على الأرجح، أهم معلومة جديدة في الملف كله.

فمنذ عشرينيات القرن الماضي خرجت بعثات، وقُطعت آلاف الكيلومترات، ودُرست الرسائل والصور الجوية والنظائر المشعة، وظل السؤال قائمًا. ثم جاءت بيانات كانت قد جمعتها الدولة الموريتانية أصلًا لأغراض البحث المعدني لتقدم، بعد أكثر من قرن، أقوى اختبار مباشر لفرضية «الجبل المدفون».

 

هل انتهى اللغز إذن؟

 

ليس بالكامل.

النتيجة الجديدة تقول إن جسمًا معدنيًا عملاقًا بالمواصفات التي وصفها ريبار لا يوجد في المناطق التي حددها الباحثون بوصفها المواقع المعقولة لرحلته. وهي نتيجة تنسجم مع تحليل النظائر سنة 2001، الذي أثبت أصلًا أن العينة المعروفة لم تأت من كتلة عملاقة.

لكنها لا تجيب عن الأسئلة التاريخية الغريبة:

لماذا كان بحوزة ريبار نيزك نادر حقيقي؟ ماذا رأى فجر ذلك اليوم؟ من أين أخذ العينة؟ ولماذا وصف نتوءات معدنية بطريقة بدت لاحقًا متوافقة مع ظواهر حقيقية في بعض النيازك؟

ربما أخطأ في تقدير الأحجام. وربما كان الموقع مختلفًا عن الاتجاهات التي أعطاها. وربما جمع بين مشاهدتين مختلفتين. وربما تعمد إخفاء المكان احترامًا لوعد قطعه لدليله. ولا يوجد حتى الآن دليل يسمح باختيار أحد هذه التفسيرات باعتباره الحقيقة النهائية.

لكن ما أصبح أضعف بكثير بعد بيانات 2025 هو الفكرة الأكثر إثارة على الإطلاق:

أن تحت كثبان جنوب شنقيط جبلًا معدنيًا طوله مئة متر.

 

سيد احمد

جمعة, 02/10/2026 - 11:09