رفع الفائدة: تحرك وقائي ضد التضخم أم تشديد قد يضغط على التمويل؟

يمثل قرار البنك المركزي الموريتاني رفع سعر الفائدة الرئيسي من 6.50% إلى 6.75% تحولا محدودا في الحجم، لكنه يحمل إشارة واضحة إلى أن المؤسسة النقدية ترى أن الضغوط التضخمية ما تزال تستدعي قدرا إضافيا من التشدد.

فالزيادة البالغة 25 نقطة أساس لا تعكس انتقالا حادا في السياسة النقدية، بقدر ما تبدو إجراء احترازيا يهدف إلى منع ارتفاع الأسعار من التحول إلى مسار مستمر، وإقناع الأسواق بأن البنك المركزي مستعد للتدخل كلما ظهرت مؤشرات تهدد استقرار القوة الشرائية للأوقية.

 

 

رسالة إلى السوق أكثر من كونها صدمة نقدية

 

اختيار زيادة محدودة في سعر الفائدة يشير إلى أن البنك المركزي لا يريد كبح النشاط الاقتصادي بقوة، بل يسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين السيطرة على التضخم والحفاظ على وتيرة النمو.

ويؤكد هذا الاتجاه حديث البنك عن «مرونة النشاط الاقتصادي» و«تعزز المركز الخارجي»، وهي مؤشرات توحي بأن القرار لم يُتخذ في أجواء أزمة، وإنما في سياق ترى فيه السلطات النقدية أن الاقتصاد قادر على تحمل تشديد محدود في شروط التمويل.

وبذلك يحمل القرار رسالة مزدوجة: الاقتصاد ما يزال متماسكا، لكن مخاطر الأسعار لم تختف بعد.

 

 

كيف يواجه رفع الفائدة التضخم؟

 

من الناحية النظرية، يؤدي رفع سعر الفائدة الرئيسي إلى زيادة تكلفة الأموال التي تحصل عليها البنوك، وهو ما قد ينعكس تدريجيا على أسعار القروض الممنوحة للأفراد والمؤسسات.

وعندما ترتفع تكلفة الاقتراض، ينخفض الطلب على التمويل والاستهلاك والاستثمار الممول بالدين، فتتراجع الضغوط على الأسعار. كما يساعد رفع الفائدة على تعزيز جاذبية العملة المحلية والحد من الطلب على العملات الأجنبية، بما قد يخفف الضغوط على سعر الصرف وأسعار السلع المستوردة.

غير أن فعالية هذه الآلية في موريتانيا ستظل مرتبطة بمدى انتقال قرارات البنك المركزي فعليا إلى السوق المصرفية، وهي مسألة لا تتحقق تلقائيا في اقتصاد ما تزال فيه القروض مرتفعة الكلفة أصلا، وحصة كبيرة من النشاط تتم خارج النظام البنكي.

 

المستفيدون والمتضررون

 

قد يستفيد المودعون نظريا من بيئة أسعار فائدة أعلى، لكن إبقاء سعر تسهيلة الإيداع عند 2% يوضح أن البنك المركزي لا يسعى إلى تغيير واسع في هيكل العوائد، وإنما يركز أساسا على تشديد كلفة السيولة الموجهة للإقراض.

في المقابل، يمكن أن تواجه المؤسسات، خصوصا الصغيرة والمتوسطة، شروطا أكثر صعوبة للحصول على التمويل، إذا نقلت البنوك زيادة الفائدة إلى زبنائها. وقد يؤدي ذلك إلى إبطاء الاستثمار أو رفع كلفة الإنتاج، وهو ما يطرح مفارقة مهمة: الأداة المستخدمة لمواجهة التضخم قد ترفع في بعض الحالات تكاليف الشركات، ومن ثم أسعار بعض السلع والخدمات.

ولهذا فإن نجاح القرار يتوقف على ألا يتحول التشدد النقدي إلى تضييق مفرط على القطاعات الإنتاجية.

 

 

التضخم المستورد يحد من أثر السياسة النقدية

 

جزء مهم من ارتفاع الأسعار في موريتانيا يرتبط بعوامل خارجية، مثل أسعار الغذاء والطاقة والنقل وتقلبات التجارة الدولية. وهذه العوامل لا يمكن التحكم فيها بالكامل من خلال رفع سعر الفائدة.

فإذا كان مصدر التضخم ضعف الإنتاج المحلي أو ارتفاع أسعار الواردات، فإن تشديد السياسة النقدية وحده لن يكون كافيا. بل يحتاج إلى إجراءات موازية تشمل تعزيز المخزون الغذائي، وتحسين سلاسل التوريد، ومراقبة الأسواق، وتوسيع الإنتاج المحلي، خصوصا في المواد الأساسية.

وعليه، فإن قرار البنك المركزي يمكنه الحد من التضخم الناتج عن زيادة الطلب أو المضاربة على العملات، لكنه أقل قدرة على معالجة التضخم المستورد أو الناتج عن اختلالات العرض.

 

 

إشارة إلى استقلالية أكبر للسياسة النقدية

 

يحمل القرار أيضا دلالة مؤسسية، إذ يظهر أن مجلس السياسة النقدية بات يستخدم سعر الفائدة بصورة أكثر وضوحا أداةً لإدارة الاقتصاد وضبط توقعات الأسعار.

وتكتسب هذه الإشارة أهمية في سوق تحتاج إلى مزيد من الوضوح بشأن توجهات البنك المركزي. فترسيخ توقعات التضخم لا يعتمد فقط على القرار نفسه، بل على ثقة المتعاملين في أن المؤسسة النقدية ستلتزم بنهج متماسك، وتشرح أسباب قراراتها، وتتحرك بناء على مؤشرات دقيقة.

 

 

ما الذي ينبغي مراقبته؟

 

سيكون من المهم خلال الأشهر المقبلة متابعة ثلاثة مؤشرات أساسية: اتجاه التضخم، وتطور أسعار القروض، وحجم الائتمان الموجه للاقتصاد.

فإذا تباطأ التضخم دون تراجع حاد في التمويل والاستثمار، يكون البنك قد حقق التوازن المطلوب. أما إذا استمرت الأسعار في الارتفاع مع زيادة كلفة القروض، فسيعني ذلك أن جذور التضخم تقع خارج نطاق السياسة النقدية، وأن الحاجة أصبحت أكبر إلى تدخلات مالية وتجارية وإنتاجية مكملة.

 

 

رفع سعر الفائدة إلى 6.75% ليس تحولا جذريا، لكنه إنذار مبكر بأن البنك المركزي لا يريد السماح للضغوط التضخمية بالترسخ. والقرار يبدو وقائيا ومدروسا، إلا أن أثره الحقيقي سيعتمد على مدى انتقاله إلى السوق، وعلى قدرة الحكومة على معالجة العوامل غير النقدية التي تدفع الأسعار إلى الارتفاع.

فالسياسة النقدية تستطيع تهدئة الطلب وتوجيه التوقعات، لكنها لا تستطيع بمفردها خفض أسعار الغذاء والطاقة أو إصلاح اختلالات الإنتاج والتوزيع.

 

احمد الهادي

سبت, 18/07/2026 - 22:53