تحليل: الإفراج عن تسعة من السجناء السلفيين في موريتانيا.. اختبار جديد للمقاربة الفكرية

لا يبدو قرار الإفراج عن تسعة من السجناء السلفيين، من بينهم سيدة، مجرد إجراء قانوني عادي يتعلق بتخفيف العقوبات أو استبدالها. فالملف أكبر من ذلك بكثير، لأنه يمس واحدة من أكثر القضايا حساسية في التجربة الأمنية الموريتانية خلال العقدين الأخيرين: كيف تتعامل الدولة مع سجناء أدينوا في قضايا مرتبطة بالعنف والتطرف ورفع السلاح ضدها بل وقتل جنود ورجال أمن موريتانيين وسياح فرنسيين في الفترة من 2007 إلى 2010.

جاء القرار بعد إعلان المعنيين مراجعات فكرية وتوبة جماعية، ضمن مسار حوار أشرفت عليه لجنة من العلماء. وبذلك، تدخل المقاربة الموريتانية في مكافحة التطرف مرحلة جديدة، عنوانها الأساسي اختبار قدرة الحوار الديني والمراجعات الفكرية على إنتاج نتائج قابلة للترجمة خارج أسوار السجن.

منذ منتصف العقد الأول من الألفية، اختارت موريتانيا مساراً لا يقوم على الأمن وحده. فإلى جانب القبضة الأمنية التي فرضتها الدولة في مواجهة الخلايا المسلحة، فُتح باب الحوار مع عدد من السجناء المتشددين، في محاولة لتفكيك المنطلقات الدينية والفكرية التي استندوا إليها في تبرير العنف.

وقد منحت هذه التجربة موريتانيا خصوصية في منطقة الساحل، حيث اختارت دول كثيرة المعالجة العسكرية المباشرة، بينما حاولت نواكشوط الجمع بين الردع، والمراجعة الفكرية، وإعادة الإدماج.

من هذه الزاوية، يمكن قراءة الإفراج عن المجموعة الجديدة باعتباره رسالة ثقة من الدولة في نتائج هذا المسار. فالسلطة تريد أن تقول إن باب العودة مفتوح أمام من يراجع أفكاره ويتخلى عن العنف ويقبل بالاندماج في المجتمع.

لكن الرسالة ليست موجهة إلى السجناء وحدهم. فهي أيضاً رسالة إلى محيط إقليمي شديد الاضطراب، حيث تتوسع الجماعات المرتبطة بالقاعدة وتنظيم الدولة في مالي والنيجر وبوركينا فاسو. وفي هذا السياق، تحاول موريتانيا تقديم نفسها كنموذج مختلف، لا يكتفي بالمواجهة الأمنية، بل يراهن أيضاً على تحصين المجتمع وتجفيف منابع التطرف فكرياً.

مع ذلك، فإن الرهان الحقيقي يبدأ الآن. فالإفراج في حد ذاته لا يكفي للحكم على نجاح التجربة أو فشلها. المرحلة الأصعب هي ما بعد السجن: كيف سيعاد إدماج هؤلاء؟ هل سيحصلون على مواكبة اجتماعية ونفسية ومهنية؟ وهل ستتوفر لهم فرصة فعلية لبناء حياة جديدة بعيداً عن شبكات التأثير القديمة؟

تجارب كثيرة في العالم أظهرت أن السجين الذي يغادر الزنزانة دون أفق واضح قد يجد نفسه أمام عزلة اجتماعية، أو بطالة، أو نظرة ريبة دائمة. وهذه العوامل قد تتحول، إذا لم تتم معالجتها، إلى بيئة خصبة لعودة الأفكار المتشددة، حتى بعد إعلان التوبة.

لذلك، فإن نجاح القرار سيقاس بقدرة الدولة على الانتقال من منطق الإفراج إلى منطق المتابعة. فالمراجعات الفكرية تحتاج إلى سند اجتماعي، وإعادة الإدماج لا تتم بالتصريحات وحدها، بل ببرامج واضحة تضمن الرقابة دون إذلال، والمواكبة دون وصم، والاندماج دون تفريط في مقتضيات الأمن.

ويطرح القرار أيضاً سؤالاً آخر لا يقل أهمية: ماذا عن الذين لم يشملهم العفو رغم توقيعهم بيان التوبة؟

بقاء بعض السجناء خارج القائمة، ومن بينهم محمد عبد الله ولد أحمدناه، المدان بالإعدام في قضية مقتل قس أمريكي في نواكشوط عام 2008، يوحي بأن الدولة لا تتعامل مع الملف بمنطق العفو الجماعي، بل بمنطق التقييم الفردي لكل حالة. وقد تكون وراء ذلك اعتبارات قضائية أو أمنية أو تقديرات مرتبطة بطبيعة الملفات وحجم المسؤوليات.

هذا التمييز قد يكون ضرورياً من زاوية الدولة، لكنه يحتاج إلى قدر من الوضوح حتى لا يفتح الباب أمام التأويلات أو يضعف الثقة في مسار الحوار نفسه.

إقليمياً، قد يعزز القرار صورة موريتانيا لدى شركائها بوصفها بلداً استطاع، إلى حد بعيد، تجنب الانزلاق الذي عرفته دول أخرى في الساحل. فبينما تتمدد الجماعات المسلحة في الجوار، تواصل نواكشوط الاستثمار في مقاربة مركبة تجمع بين الأمن، والدين، والمجتمع.

لكن هذه الصورة ستظل مرتبطة بالنتائج. فإذا نجحت عملية الإدماج ولم تسجل حالات عودة أو انتكاس، فسيكون القرار دليلاً جديداً على فعالية النموذج الموريتاني. أما إذا تعثرت المتابعة، فإن الإفراج قد يتحول من نقطة قوة إلى مصدر حرج أمني وسياسي.

في النهاية، لا يمثل خروج السجناء التسعة من السجن نهاية الملف، بل بداية امتحان جديد. فالدولة لم تعد مطالبة فقط بإثبات نجاح الحوار داخل الزنازين، بل بإثبات قدرته على الصمود في الحياة اليومية، وسط المجتمع، وتحت ضغط الذاكرة والوصم والحاجة.

الرهان الحقيقي، إذن، ليس في فتح أبواب السجن، بل في ضمان ألا تعود الأفكار التي قادت إلى دخوله.

سبت, 20/06/2026 - 14:24