
أعادت قرارات التعيين والتحويل التي أقرها المجلس الأعلى للقضاء خلال اجتماعه المنعقد اليوم الجدل حول واقع استقلال السلطة القضائية في موريتانيا، ومدى انسجام الإطار المؤسسي الحالي مع المبادئ الحديثة لاستقلال العدالة.
ويرى رئيس اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان السابق، أحمد سالم بوحبيني، أن حركة القضاة التي أفرزها الاجتماع تطرح تساؤلات متجددة بشأن الضمانات الممنوحة للقضاة أثناء مسارهم المهني، خاصة ما يتعلق بمبدأ عدم قابلية قضاة الحكم للنقل أو التحويل إلا وفق ضمانات قانونية واضحة.
ويؤكد بوحبيني أن هذا المبدأ لا يمثل امتيازاً شخصياً للقاضي، بقدر ما يشكل ضمانة أساسية للمواطن، إذ إن استقلال القاضي واستقراره المهني يعدان من الشروط الضرورية لتمكينه من الفصل في النزاعات بعيداً عن أي ضغوط أو اعتبارات خارجية.
ويضيف أن سهولة نقل القضاة وتحويلهم تترك انطباعاً بأنهم ما زالوا يخضعون لمنطق قريب من تسيير الموظفين الإداريين، في حين أن الوظيفة القضائية يفترض أن تتمتع بوضع خاص تكفله النصوص الدستورية والمعايير الدولية لاستقلال القضاء.
كما توقف بوحبيني عند تركيبة المجلس الأعلى للقضاء، معتبراً أن استمرار رئاسة رئيس الجمهورية للمجلس، إلى جانب الحضور المؤثر للسلطة التنفيذية داخله، يعكس نموذجاً أخذت العديد من الدول في مراجعته خلال العقود الأخيرة لصالح هيئات قضائية أكثر استقلالاً في إدارة المسار المهني للقضاة.
وفي السياق ذاته، أشار إلى أن وضعية النيابة العامة ما تزال تثير نقاشاً مماثلاً، في ظل استمرار العلاقة الهرمية بينها ووزارة العدل، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن استقلالية الدعوى العمومية، حتى وإن لم تُستخدم هذه الصلاحيات عملياً.
ويعتبر بوحبيني أن استقلال القضاء لا يقتصر على حماية القضاة، بل يرتبط بشكل مباشر بثقة المواطنين والمستثمرين في مؤسسات الدولة، إذ يشكل وجود قضاء مستقل ومحايد أحد أهم مرتكزات دولة القانون وضمان الأمن القانوني والاقتصادي.
وخلص إلى أن تعزيز استقلال العدالة يقتضي مراجعة عدد من الضمانات المؤسسية، من بينها تكريس مبدأ عدم قابلية القضاة للنقل، وتعزيز استقلال المجلس الأعلى للقضاء، وتوفير ضمانات أكبر لاستقلالية النيابة العامة، بما يرسخ الثقة في المنظومة القضائية ويعزز دورها في حماية الحقوق والحريات



.jpeg)

.jpeg)