أيها "الموحدون" رفقا ب"الزنادقة"

هذه أسطر خفيفة أوجهها إلى إخوتنا المنتقدين للتصوف وللطريقة التيجانية على وجه الخصوص إن أرادوها نصيحة فذلك من حسن ظنهم وجميل تلطفهم وصدق توجههم.
ليس لنا إلا أن نحسن الظن بالمنتقدين وننطلق من أن ما دفعهم لهذا الأسلوب المباشر إنما هو غيرتهم على الدين وحرصهم على الشريعة.
ولكني أذكر إخوتنا المنتقدين للتصوف أن نصوص القرآن والسنة حثت على الجدال بالتي هي أحسن مع الخصم والرفق به.
قد يقول إخوتنا المنتقدين إنه لا مجاملة في الحق وأن النكير على المبتدعة من صميم المناهج الشرعية.
وأذكرهم هنا أن القرآن الكريم دعا إلى مخاطبة الكافرين الظلمة بالحسنى وباللين، تذكروا هدانا اللـه وإياكم كيف أمر القرآن الكريم موسى وهارون عليهما السلام بمخاطبة فرعون بالرفق واللين (( فقولا له قولا لينا..)).
ولا أظن أنه مهما بلغ الصوفية والتجانيون من "الزندقة والكفر" على حسب توصيفكم وأحكامكم، لن يكونوا أشد كفرا – حسب تصوركم- من فرعون.
أفلا يستحق هؤلاء أن تعاملوهم كما عامل القرآن الكريم فرعون الذي بلغ شأوا من الكفر والظلم تفرد به؟.
نعم أنتم تمارسون "حقكم في الدعوة" وتبيين الحق ولكن عليكم أن تتذكروا أن الإسلام يجمعكم مع هؤلاء "الزنادقة المشركين" - حسب معتقدكم-، فهم آمنوا برسالة محمد عليه الصلاة والسلام وصدقوا بما جاء به ويطبقون أركان الإسلام كغيرهم من المسلمين وفيهم المراتب الواردة في الآية الكريمة فمنهم الظالم لنفسه وفيهم المقتصد ومنهم السابق بالخيرات.
ولعل مما أشكل عليكم في المنهج أنكم لا تفرقون بين الدعوة إلى دين اللـه التي يسعى إليها جميع المسلمين وبين فهم واجتهادات العلماء.
فلكم أن تقلدوا من العلماء من شئتم ولكن عليكم أن تتذكروا أن تلك اجتهادات تقابلها اجتهادات علماء آخرين أوصلهم النظر في الأدلة إلى غير ما وصلتم إليه أو وصل إليه مشايخكم وعلماؤكم.
تذكروا، إذا ركزتم على محاربة البدعة وشددتم النكير على أهلها، تذكروا أن أهل العلم انقسموا حولها فمنهم من وسع مفهومها مثل مشايخكم ومنهم من فصل وقسمها حسب أحكام الشرع المعروفة ومن هذا الفريق الإمام الغزالي والإمام النووي والعز بن عبد السلام وهؤلاء لا أظن أنهم اقل منكم علما ولا فهما ولستم أحرص منهم، حسب تصوري على السنة. وثمرة الخلاف حول مفهوم البدعة أن كثيرا من المسائل التي تنتقدون على أهل التصوف والتجانيين تحديدا يندرج تحت المسائل الخلافية مثل مسألة رؤية النبي صلى اللـه عليه وسلم يقظة ، وكما تعرفون ، فمن المقرر عند أهل العلم أنه لا إنكار في المسائل الخلافية.
يجد بعض إخوتنا المنتقدين والمناوئين للتصوف متعة في تتبع عورات المسلمين ونشر فيدوهات وصور فيها نساء يرقصن ونوافقكم بأن ما يخالف الشرع يجب إنكاره ولكن السؤال الذي يتعين على "حملة مشعل الدعوة" من أمثالكم هو: هل إذا أخطأ التجانيون وأهل التصوف عموما وارتكبوا مخالفات شرعية هل يسوغ لكم ذلك نشر صور النساء وهن يرقصن وهل يسوغ ذلك تتبع العورات والتشهير بالمسلمين، أليس الستر أولى شرعا؟
أما التكفير الذي هو عنوان منهجكم في التعامل مع الخصوم- إلا من رحم ربنا- فلا أحتاج إلى تذكيركم بخطورته، خاصة أن بعض ما نسب إلى مشايخ أهل التصوف الذي هو عمدتكم في التكفير قد تأمله علماء السلف والخلف وأولوه وأوصوا بتأويله على أحسن وجه مخافة استسهال تكفير المسلمين إضافة إلى أن ما عرفوا من أحوال أئمة أهل التصوف يجعلهم يغلبون ما ظهر من سلوكهم وعبادتهم وزهدهم على بعض العبارات التي نتفق معكم بأنه قد ينتابها بعض الغموض وربما كان ظاهرها غير مقبول شرعا لكن منهج العلماء الحكماء المحسنين الظن جعل العلماء يفرغون الوسع في تأويل تلك العبارات إلى أحسن المخارج..
أنتم تريدون "فضح" أهل البدع ولكن المفروض أنكم تتحدثون باسم أهل الحق وأهل السنة (النسخة المضيقة) فهلا أظهرتم للناس محاسن دعوتكم فخاطبتم المخالف برفق ولين بدل الإصرار على كشف العورات؟ 
من كان يحرص على رد الناس إلى منهج الحق فليتلطف في دعوته وليكن من دوافعه الشفقة والحرص على هداية الناس ولا يتأتى ذلك إلا بالكلمة الطيبة والبعد عن منهج الاستعلاء واحتكار الصواب..
أنتم تسبون وتشتمون وتكفرون مسلمين يواظبون على إقامة شعائر الإسلام وتلاوة كتاب اللـه آناء الليل وأطراف النهار وبث العلم والسعي في خدمة الضعفاء والمساكين، كل ذلك غاب عنكم ولم تنتبهوا له سوى بعض متشابه العبارات أو تلك الفيديوهات التي إذا طمرت في حسنات هؤلاء القوم لكانت الصورة أقل سوءا بكثير مما تصرون على إظهاره للناس.
يتخيل للمتابع لمنهجكم في الإنكار على القوم أنكم ضمنتم مقاعدكم في الجنة ووكلتم بإدخال من تشاءون إليها أو إخراجه..
ولو تواضعتم قليلا، وما أجمل التواضع، لعلمتم أن الأمر بيد اللـه وأن رحمته واسعة وأن جنته عرضها السموات والأرض، فماذا يضركم لو نجوتم ونجا غيركم.
وتذكروا بيت الإمام البوصيري:
لعل رحمة ربي حين يقسمها  تأتي على حسب العصيان في القسم
لا أريد من هذه السطور تسويغ مخالفات شرعية يرتكبها التجانيون أو غيرهم، ولا اشك أنه عند القوم مخالفات وهنات وشبهات تحتاج إلى توضيح وتصحيح ولكنهم غير معصومين مثل غيرهم من أبناء وطوائف المسلمين بمن فيهم " أهل السنة والجماعة" (النسخة المضيقة) فكم من الكوارث والاحتراب الداخلي والاضطراب الفكري عاشته الأمة ودفعت ثمنه وما زالت  بسبب منهج وسلوك وأفعال " أهل السنة والجماعة" – دعاة التوحيد، وكم من مسلم معصوم الدم ذبح أو أعدم باسم "الدفاع عن التوحيد" و"ومحاربة الشرك". أعرف أن إخوتنا المناوئين لأهل التصوف قد يقولون إن سلوك التفجير والتدمير تقوم به جماعات لا تمثل منهج " أهل السنة والجماعة"، ولا باس بذلك لكن لماذا لا يطبقون القاعدة ذاتها على سلوك المنحرفين من المنتمين لأهل التصوف ولا يسحبون حكمهم على بعض عوام الطريقة على كل منتسبيها..
ومن القواعد المضطربة عند إخوتنا السلفيين – حماة التوحيد أنهم يفرحون بانتقاد العلامة باب بن الشيخ سيدي لبعض أهل التصوف كما يفرحون بمراجعة الإمام بداه لبعض مناهج الفروعيين ويفرحون كذلك بمذهب العلامة المرابط محمد سالم ولد عدود في الأسماء والصفات.. 
ولكن إخوتنا يصمون آذانهم ويغضون أبصارهم عن إنصاف هؤلاء الأئمة لعلماء ومشايخ الطريقة التجانية ومواقفهم مشهورة مدونة، ويتذكر بعض إخوتنا السلفيين أن هؤلاء الأئمة ليسوا معصومين إذا أنصفوا أهل التصوف..  وكذلك الحال أيضا مع الإمامين ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وقد عرفا بمواقف منصفة في حق أهل التصوف.
 فهل هذا من مناهج العدل؟
ومن مظاهر اضطراب مناهج إخوتنا السلفيين أنهم يتقمصون ثوب الضحية ويقولون إن خصومهم من الصوفية وغيرهم ينتقدونهم لأنهم يدعون الناس للتمسك بالسنة وهذا ليس هو سبب انتقادهم لهم فكما نقول في العامية (ذاك سابق شي) ، فالسلفيون هدانا اللـه وإياهم ، نصبوا أنفسهم أوصياء على المسلمين واتبعوا منهج التصنيف والفرز ووصفوا أهل الصوفية بالقبورية وبالمشركين، ومن الطبيعي أن يرد من هوجم بأوصاف تناسب ما لحق به من ضرر وفقا لقاعدة : لكل فعل رد فعل.. فمن وصف خصمه بالقبوري فليتسع صدره لوصف الوهابي... مع أني ضد كل هذه الألقاب.
الذي أدعو له هنا في هذه السطور هو أن يتواضع إخوتنا من دعاة التوحيد ويفهموا أن الإسلام ليس لهم وحدهم وأن منهج التصنيف الذي هو من صميم أدبياتهم لم يجلب للأمة إلا التباعد والتناحر والتنابز بالألقاب.
قدموا ما عندكم من خير، ونقر لكم بنصيبكم من الخير، لكن لا تضفوا على اختلاف اجتهادا المذاهب والطوائف الإسلامية منهج المفاصلة والمغالبة وتكيفوا تلك الخلافات كما لو كانت صراعا بين الحق والباطل أو بين الضلال والهداية أو بين الكفر والإسلام أو بين البدعة والسنة فذلك من الظلم البين أو على الأقل ليس من الحكمة..
اظهروا هداكم اللـه لهؤلاء " الزنادقة" - حسب قاموسكم- محاسن دعوتكم بعدما فشلت مناهجكم وطرائقكم في إرجاعهم عن "ضلالهم".
يحتاج أهل التصوف إلى غربلة دقيقة وتصحيح في بعض المسلكيات والبعد عن كل ما يخالف الشرع كما يحتاج السلفيون إلى مراجعة شاملة لمنهجهم الدعوي ينبذون فيه احتكار الصواب ويتخلون فيه عن منهج الفرز والتصنيف.. وهذا عمل ليس بالهين لا يتصدى له إلا العقلاء الحكماء من الفريقين.. فلو كانت مناهج كشف العورات والتنابز بالألقاب تفيد لكانت أوضاعنا أحسن بكثير..
فيا أهل "التوحيد" رفقا بمن ترونهم زناديق لتحافظوا على جسور التواصل معهم لعلهم يقبلون "حقكم" أما أن تصفوهم بأبشع الأوصاف وتتوقعون منهم التسليم بأنكم على الحق المطلق وأنهم على الضلال المطلق فثقوا بأن ذلك لن يحصل.
فلنتعاون جميعنا لبناء جسور التواصل وإبراز المشترك فذلك ما سيوسع أرضية التفاهم وليكن منهجنا جميعا النصح الصادق والرفق المتبادل ولنطبق قاعدة: الناجي منا يأخذ بيد أخيه.
واللـه المستعان..
اللهم اصلح أمة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.

الهادي بن محمد المختار النحوي

 

اللهم ارفع عنا البلاء والوباء 
رب اغفر لي ولوالدي ولوالديهم ولجميع المسلمين
والصلاة والسلام على الحبيب الشفيع المبعوث رحمة للعالمين

أربعاء, 28/09/2022 - 09:46