إفلاس...

لو كل ذئب عوى ألقمته حجرا
لأصبح الصخر مثقال بدينار

حرص سلف هذه الأمة على احترام المشترك، واعتباره من العقد الاجتماعي المحصِّن للعلاقات العامة، والحامي للسلم والتعايش الآمن على أديم هذه الأرض..
 فاحترامك للآخر هو احترام لذاتك لأنك آخر بالنسبة للآخر، وابتعادك عن مظان الإساءة إليه، هو ابتعاد بنفسك عن مظان الإساءة إليك ...
من المشترك الذي جعله الناس من المقدس المصون، وأوجبوا احترامه، وحفظوا له مكانته: الأرض، والعرض، والوسم، والعشير....الخ
و مع تردي الوازع الخلقي، وغياب وعي صحيح بحدود العلاقة بالآخر، وقع بعضنا اليوم في انزلاق خطير، فاقتحم الخطوط الحمراء، وهتك حمى المقدس..
 وفي ردة فعل قاسية، سريعة لا واعية، على فعلٍ فردي معزول في أحسن الأحوال، يدفع بعضنا إلى سب قبيلة لأن أحد لصوصها سطا على متجره، أو لأن أحد علمائها أفتى بما لا يقنعه، أو لأن جاره بائع الفحم المسكين استقضاه دينا ماطله فيه طويلا ...
ويحك أيها الرجل اقتل هؤلاء جميعا إن شئت، واكتب فيهم دواوين هجاء، واسلقهم بألسنة حداد، لكن إياك أن تساعدهم عليك باستعداء مشتركهم، فتكون ظالما لأمة بريئة من سلوك أفرادها، فتنتقم منك ظالما وتخسر قضية عادلة...
لاحظت وأنا أبحر في هذا الفضاء الرحب من قارتنا الفسيحة هذه، قارئا ومتطفلا على النشر، أن بعض رواده لا يتعففون عن الإساءة إلى مدينة ألاك، تصريحا أو تلميحا أبين أحيانا من التصريح، منكتين وهم فتبارك الله أهل لأن يكونوا فكهين لا يشك في ذلك إلا بليد حس، أو سقيم ذوق، أو ملتوي فهم، وكلما فتشت عن جرائم هذه المدينة ناقما عليها جرح مشاعر الأبرياء، الألباء، لا أجدهم يزيدون على العبارة المسيئة، لا يقدمون علة ولا سببا ولا فاصلة ولا وتدا ...
أيها الناس هل رأيتم في مصر مهما اتسع، أو في عصر مهما انقشع، أو في سلطان مهما انصدع، مدعيا يعجز عن تزوير دليل؟..
الإساءة إلى المدن إفلاس خلقي، ما ذا جنت الدور والمساجد والمحاظر والأبرياء؟
 ساقط حقا من يلغي في لحظة غضب شيطانية الاستثناءَ، ويطلق لسانه بالتعميم والتجريم والقدح .. 
كأنَّ ألاك لسوء حظه معبر القادمين من ذات العماد كلما رأوه بصقوا، وقاؤوا، وأصابهم الغثيان من منظر مدينة الرماد البائسة..
وكأن من يرونه حالمون بأجسام ملائكية رحلوا مع التين والزيتون حين تتبرج بلاد الشام، وتكشف عن كل محاسنها وتصبح فتنة للناظرين الغزلين، الغازلين من رموش السحاب المتمسح بمثلثات العمارة في موسكو لحافا بلون قوس قزح..... 
وكأن ألاك بقايا تجاعيد وجوه الحضارات البائدة...
لماذا تجرحين أيتها المدينة المنكوبة بقبحك سكان العالم الأول، وتؤذين وداعتهم، وتغضبين العطر الخفي في معاطفهم..لا، لا، رفقا بأشباح النور، امنعي دخان مخابزك البدوية من الصعود، وعرق الحمالين أن يسيل، لا تستفزيهم بسماجتك، لا تذيبي من جباههم بقايا الضباب، لا تروعي حبيبات البرد المختبئة تحت الأذقان، لا تكوني قاسية، أسدلي الستار واختبئي، خبئي القطط والأطفال، وقطعان البقر، إن من يسيئون إليك لا يعرفون هذه الأشياء التافهة، بربك لا تخيفيهم بمنظر عربات الحمير فهي تشبه منصات الصواريخ، أنت غريبة ومذنبة لأنك من كوكب الأرض، لا تغسلي الكحل من عيون الثلج، إنهم عشقوه كلما تسلقوا الجبال البيض كل صباح، وعزفوا النغم البديع على أسلاك فجر يركض هاربا من عتمة ليل مجنون كليلك الأسود....

وبعد: 
يتوقف سائق سيارة مشمرا عن سروال وحيد الزر، عند نقطة التفتيش بحمولة زائدة، وأوراق مزورة، فيلزمه دفع الغرامة، فيلعن ألاك وسكانه (أتفو بيك ادشيره واتف باهلك) ،،،
يتوقف مسافر أبخل من أم جراء، مغلولة يده عن جيبه، عند بائع خبز مراهق تحت شمس حارقة، ويجادله في ثمن الخبزة – هل رأيتم أمة إلا نحن تجادل في ثمن الخبزة - فيلعن ألاك و أهله (الله ينسخك ادشيره مدناك و ينسخ أهلك)...
يحضر الدكتور والمثقف الكبير إلى مكتب الوالي، أو رئيس المحكمة لتوقيع وثيقة، ويكون الوالي مريضا، ورئيس المحكمة في راحة، أو يكونان غائبين بلا مبرر، فيقول هذا المثقف الكبير وهو يجفف سيلان أنفه بيده، ويبتلع المخاط (الله يوضع هذي ادشيره مشينها أتفو بألاك...)..

صحيح لا تتوسط  مدينة ألاك مساحات خضراء تجري خلالها الأنهار، يقف فيها الحالمون، المخذولون بوهم التحضر، ويتنفسون بين رياضها شعرا.. ليست في مدينة ألاك حدائق عامة تتناغم فيها كريات الذهب، وثريات الماس والياقوت يجلس فيها عشاق الطبيعة يسمرون، ويسكرون، ويسعلون، ويضربون الأرض بأقدامهم وكلما رفعوها انكشفت عوراتهم، وإذا صحَوا تغزلوا بأنفسهم، وقبلوا محفظات نقودهم...
  ليست كل شوارع هذه المدينة  معبدة تنحني فوقها أشجار الكرم والتفاح لتمتد إليها أيدي الفضوليين من سكان الشوارع، وعشاق موائد الدور المفتوحة، وتتحاور فيها إشارات المرور بألوانها المختلفة..
ليست في ألاك ناطحات قمر، وصحيح -وكدت أنسى - تعاني أحياء هذه المدينة من نقص مهابط الطائرات الصغيرة، والفنادق التي تطعم الناس مجانا وتستقبل الداخلين إليها بنقر الدفوف، والمسابح المعطرة، وتُقْسم عليهم أن يأخذوا الهدايا العينية لوجه جمالهم .... 
لكن أليس هذا وجعنا جميعا ؟؟!!
هل قدر ألاك أن يعيش فجور الإساءة كلما مرت من هنا قوافل الخط الأسود؟؟

لقد جلَّ قدر الكلب إن كان كلما
عوى وأطال النبح ألقمته الحجرْ

اثنين, 26/09/2022 - 22:40