علم الأنساب:  وهم الانتماء وضياع الحقيقة..

 تظل نسبية الحقيقة شيئا مؤكَّدا في دراسات العلوم الإنسانية ،خاصة تلك المتعلقة منها بعلم الأنساب أو الانتماء القبلي ، لعدة أسباب سنفصل القول فيها بعد تعريفنا للفرق بين السلالة والنسب.

    فالنسب القبلي هو الرابطة الاجتماعية التي تربط أفراد المجموعة القبلية مع بعضها متمثلة في الجد الجامع للقبيلة، أما السلالة فهي أكثر شمولية من ذلك وتعني جنسا بشريا معينا تتحدد ملامحه كالعيون والجماجم .. وعُرفت أخيرا دراسات عديدة اشتغل عليها باحثون غربيون لدراسة الأصول البشرية تحديدا للشعوب الآسيوية عن الإفريقية والمغولية وغيرها ، وتأثيرات البيئة على سحنات البشر، ونظرا لكثرة الهجرات البشرية واختلاط بعض المجموعات ببعضها توصلت بعض دراسات الأنثروبولوجيا إلى معلومة تفيد بعدم وجود السلالة النقية : " في القرن الماضي اتفق معظم الباحثين على أنه لا وجود للجنس أوالسلالة النقية في عصرنا الحالي، بل إن المجموعات البشرية المعاصرة في أركان العالم عبارة عن خليط. وقد قال البعض إن هذا الخليط ناجم عن سلالات نقية قديمة، وقد نشأ عن هذا اعتقاد أن الخلط يفلح في تكوين سلالات جديدة. ومن الممكن نظريًّا أن نميز عددًا من الصفات تميز كل مجموعة منها سلالات نقية إلى حد ما، ثم يمكننا بعد ذلك أن نميز أنواعًا ودرجات مختلفة من الاختلاط يسميها البعض سلالات هي الأخرى، في حين يسميها البعض الآخر مجموعات جنسية أو شعوبًا أو قبائل. هذه الدرجات المختلفة هي التي يجب على الأنثروبولوجي الطبيعي دراستها ليميز مكونات الخليط — أي الأصول التي نشأ عنها هذا الخليط."   

 وحسبنا من معرفة السلالة ما قدمته مراكز الدراسات بالدول الغربية التي ارتقت بإسهامها البحثي عن السقوط في أوهام نسب القبائل وانتماءاتها .. أما علم النسب فهو شيء مختلف جدا .. قد اهتم به العرب في جاهليتهم وحفظته أشعارهم وذكروا أمجاد آبائهم ؛ فكان الشعر سجلا مترعا من ذلك، بينما كانت الأمم الأخرى الروم واليونان والفرس يطورون الحضارة ويضعون أسسا للديمقراطية والنظم الإدارية..

   فلما جاء الإسلام برسالته الخالدة بدأت مفاهيم القبيلة ترتبط بمصطلحات منبوذة كالعصبية والجاهلية..

فكانت أُولى ضربات ذلك الصرح الذي هدمته لحظة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ..

    لكن عند تأسيس الدولة الأموية كان لابد من توظيف النسب للحصول على امتيازات القيادة ، فبدأت التوجيهات الرسمية تتجه نحو سلاسل النسب واتخذ المؤلفون يؤلفون كتبا لحفظ النسب مثل:

• جماهير القبائل، وحِذف من نسب قريش، المؤرخ  السدوسي «ت 195 هـ».

• نسب معد الكبير، لابن السائب الكلبي، ت «204 هـ»، وابنه هشام «ت 213 هـ». صاحب كتاب أنساب حمير وملوكها.

• الطبقات الكبرى، لابن سعد «231 هـ"

• جمهرة أنساب العرب، لابن حزم «ت 456 هـ".

هذه في عجالة هي البدايات التأسيسية لتدوين النسب بعدما كان شفهيا حاله كحال الثقافة العربية الشفاهية ، وظل علم النسب محل عناية عند جمهور الفقهاء والساسة تبنّته اتجاهات وطوائف لأغراض سياسية حتى قال ابن خلدون إنه لا يصح حكم إلا بدعوة عصبية أو دينية " 

 ولقد قدم محمد عابد الجابري تعريفا مبسطا لمفهوم العصبية عند ابن خلدون بكونها رابطة اجتماعية سيكولوجية شعورية أو لا شعورية ، تربط أفراد جماعة مّا قائمة على القرابة ربطا مستمرا يبرز و يشتد عندما يكون هنالك خطر يهدد أولئك الأفراد كأفراد أو كجماعة"

          

 

   وانطلاقا من هذا فإن القبيلة كيان اجتماعي يقوم بأدوار اقتصادية وأمنية في ظل غياب الدولة، و لهذه الأسباب استفحل دور القبيلة في النواحي البدوية وقد عزز ذلك موجات الهجرات العربية التي جاءت لمنطقة الغرب الإسلامي عموما ووصل منها بعض المجموعات لموريتانيا عبر سياقات تاريخية وتحولات اجتماعية وأمنية كانت لها نتائج سياسية وثقافية ..

ويظل الانتماء للقبيلة محكوما بعدة معايير من أهمها الجوانب الأمنية والاقتصادية ويظل الجد الجامع للقبيلة وما يحاك حوله من أساطير التأسيس أكثر ما يميِّز القبيلة البدوية ويشد أزرها كما هو الشأن للقبيلة عندنا في بلادنا الصحراوية التي لم تعرف دولة ولا عمرانا قبل نصف قرن من الآن.

      فرغم السعي الحثيث لرجالات القبيلة من كتابة سلسلة النسب وتوثيق ذلك تظل حقيقة الانتماء النسبي العنصر الأكثر غموضا ؛ فغياب عنصر التوثيق الإداري ؛ سجل الوثائق المؤمنة وعدم الاستقرار وعوامل تلف الوثائق هذه الجوانب المادية أسهمت بشكل مباشر في وهمية الانتماء ، أما الجوانب المعنوية مثل أهمية التراتب النسبي في القبيلة والكفؤ في الزواج والعصب في الميراث أشياء من بين أخرى عززت الاهتمام بالنسب والارتباط بالجد الجامع مقابل العوامل المادية المغيبة للحقيقة، إضافة إلى حضور الصراع بين القبائل العربية الوافدة وصنهاجة الصحراء الأصليين ، كلها أمور جعلت الانتماء لهذه القبيلة أو تلك ( وهما ) لا ينبغي لباحث يحترم نفسه الخوض فيه.

 وفي ختام هذه السطور التي لم تستطع الإحاطة بهذه الإشكالية فإنني أدعو المشتغل بعلم الأنساب أن يوجه اهتمامه لعلمية التاريخ لكي نحصل على دراسات ذات قيمة في هذا الجانب، فالرسول صلى الله عليه وسلم أسس قاعدة لتكذيب أصحاب السلاسل النسبية بقوله: "كذب النسابونفوق عدنان" وعدنان هو الجد الحادي والعشرين للرسول صلى الله عليه وسلم، وهو ابن أهل الحرم ولهم مكانتهم المحفوظة.  فجده قصي هو الذي جمع القبائل من فهر وجده عبد مناف هو الذي سن ضيافة الحجيج وجده هاشم هو الذي هشم الثريد لقومه ..

 ختاما لما سبق نعود ونتسائل لماذا نخبنا نحن بالذات من بين نخب العالم تظل تتنافس مع السوقة والأقيال في جعل التاريخ حكايات وأنسابا وقبائل.. ؟ !! 

 

تربة بنت عمار.

 

 

ثلاثاء, 09/02/2021 - 15:04