كرنفال التاريخ الهزلي

عاد النبش في تاريخ القبائل والجهات والأعراق في الأسابيع الأخيرة بشكل منقطع النظير ، الكل يدلي بدلوه ويزين حججه بالتاريخ والأساطير وصحيح الأقاويل وسقيمها وقويها وضعيفها.

 

تعالت الأصوات وردات الأفعال ، وتعاورت الأقلام التواريخ والوثائق ، والمسموعات الصوتية والآراء والاجتهادات الشخصية ، ودخل الجميع إلا من رحم ربي في القذف والسباب والتهكم والطعن والتجريح في كرنفال التاريخ الهزلي فمن ياترى المستفيد؟ ومن بمفازة من القذف والتجريح والتشكيك إن جد الجد وشُمر عن السواعد؟

 

إن إعادة كتابة التاريخ من زاوية الأنساب دون معرفة القواعد الكلية والجزئية ودون معرفة الغرض منه أصلا ، وبعيدا عن التحري اللازم لإرضاء النزوات أوإشباع الغرور عن طريق توهم التقليل من شأن زيد أو عمرو ، أو العكس مضيعة للوقت ، وغطص في الوحل ، وهتك لحرمة التاريخ نفسه الذي هو علم قائم على البحث الحقيقي ، والمعرفة التراكمية والمراجعات المتزنة ، قبل أن يكون ميدانا للتفاخر أو التنابز وإشعال الحزازات والفتن ، وتفتيت اللحمة الاجتماعية بالأقاويل والأساطير والتخرصات والتلفيق.

 

لقد شوهنا التاريخ فلم يعد هو الماضي القديم كما هو موصوف في الوثائق المكتوبة ، واستنطاق الذكريات وشواهد الآثار والمدافن واللقى لتنظيم الوقائع ومعرفة الأحداث التي حصلت قبل السجلات المكتوبة ومراحل ما قبل التاريخ ، ولا هو التاريخ المكتوب بمراجعه ومؤلفاته القديمة ، ونفض الغبار عن مستخلصات المؤرخين ، والترجيح بين أقاويلهم والتمحيص والتنقيح عبر عمليات البحث المضني والمثابرة الدؤوبة.

 

لقد خسر كثيرون مع الأسف انضباطهم الأكاديمي لدراسة وتحليل أحداث التاريخ المحلي ، وتنحوا جانبا نحو المهاترات أحيانا والتلفيق أحايين أخرى فأضاعوا التاريخ وتجنوا عليه وضيعوا البوصلة ، وعلقوا في مستنقع علم الأنساب.

 

إن تراثنا الثقافي وتاريخ شعبنا المروي الشفوي ميدان بكر للبحث والتمحيص والتنقيح دون وصم أو سب أو قذف ، وهو أولى بالدراسة إن توافرت الإرادة والرغبة والمسؤولية والتجرد العلمي دون مغالاة أو غطرسة.

 

أرجوكم يامؤرخي موريتانيا وباحثيها توجهوا لميدان البحث الحقيقي فآثارنا ومدافننا وحضاراتنا المطمورة في سفوح وقمم الجبال وتحت ألسنة الرمال والكثبان ملأى بالشواهد على تواريخ وأحداث وأمم تستحق الدراسة والبحث أكثر من نسب بني فلان أو بني علان.

 

ومهما يكن فإن التاريخ على عظمته وأهميته سيظل المطية الأسهل للشهرة الآنية والبريق الزائف وجنون العظمة الذي يتجلى عندنا خاصة في حكاوي الجدات ، وذاكرة العشائر الجمعية وملاحمها العنترية ،  لكن حذار فإذا كان التاريخ هو نفسه الذي لم يرحم فطاحلة المؤرخين ممن ملؤوا الدنيا وشغلوا الناس على هفوات بسيطة محدودة ، فلن يكون لغيرهم ممن يتنطعون اليوم في المستقبل من شافعين ولا صديق حميم.

 

 

 

بقلم محمد محمود إسلم عبد الله

اثنين, 22/02/2021 - 13:54