هزيمة حزيران : أم النكبات والهزائم (2)

استعرضنا في الجزء الأول من هذه السلسلة حجم الخسائر الكبيرة التي مني بها العرب في الخامس من حزيران 67: عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى والأسرى مع احتلال الأرض وتدمير معظم معدات وأسلحة الجيوش العربية التي كانت في المواجهة، وفي هذا الجزء الثاني نستعرض أهم الأخطاء القاتلة التي ارتكبتها القيادات العربية وخاصة في مصر قبل الحرب.

فمع أن ميزان القوى كان في صالح الدول العربية على الأقل من الناحية العددية سواء تعلق الأمر بأفراد الجيش أو عدد الطائرات والدبابات إلا أن الهزيمة وقعت. 

فكيف وقعت الهزيمة مع التفوق العددي للدول العربية سواء تلك التي في المواجهة أو تلك التي تمثل عمقا ومتنفسا؟

وقعت أخطاء قاتلة على مستوى القيادة والمتابعة والعمل الاستخباراتي ناهيك عن الاستعراض الإعلامي والتهور السياسي هذا فضلا عن عدم التناغم على مستوى القيادة السياسية والعسكرية مع سوء تقدير الموقف عموما.

فما هي هذه الأخطاء؟

التصريحات الإعلامية غير المحسوبة

في 22 مايو 67 صرح عبد الناصر قائلا: "نحن مستعدون للحرب وخليج العقبة يمثل المياه الإقليمية المصرية ولا يمكن في حال من الأحوال أن نسمح للعلم الإسرائيلي أن يمر في خليج العقبة."

وذكر عبد الناصر في مؤتمر القيادة "أن الموقف السياسي حاليا يستدعي بأن نقف ونتلقى الضربة الأولى"، فصرخ صدقي محمود قائد القوات الجوية قائلا: "لا أستطيع  يا سيادة الريس لأن الضربة حتعجزنا" فرد عبدالناصر: "أيهم تفضل محاربة أمريكا أم إسرائيل وما هي نسبة عجزنا؟" فرد صدقي محمود: 20% فقال عبد الناصر: "إذا علينا تحمل تلك الضربة". 

 وبالنسبة للتوقيت فقد اجتمع عبد الناصر يوم الجمعة 2 يونيو 1967 بقيادات الجيش والقوات الجوية وأخبرهم بأن لديه معلومات مؤكدة بأن الهجوم الإسرائيلي على مصر سيقع يوم الإثنين 5 يونيو وأن الضربة الأولى ستوجه إلى القوات الجوية المصرية ، وإن كان حسن إبراهيم ، عضو مجلس قيادة الثورة سابقا اتصل بعبد الناصر في 3 يونيو وأبلغه عبد الناصر بأن الحرب لن تقوم قبل سبعة أسابيع.

وليس ذلك فحسب بل إن المشير عبد الحكيم عامر ذهب في رحلة مربكة يوم الخامس يونيو67 أي يوم العدوان ودعا جميع القادة العسكريين في سيناء لاستقباله في مطار بيرتمادا بوسط سيناء، وعندما بدأ الطيران الإسرائيلي يضرب المطارات والحشود العسكرية المصرية لم يكن يوجد أي قائد في موقعه وهذا ما أكده الفريق سعد الدين الشاذلي:"بينما نحن في انتظار وصول المشير تم ضرب المطار لنلاحظ بأن الوقت الذي بدأت فيه الحرب الفعلية على مصر لم يكن أي قائد مصري في موقعه، ثم اكتشفنا بعد ذلك بأن جميع مطارات مصر تم ضربها في نفس اللحظة". 

ومع أن هذا اللقاء لم يتم فإنه أثر على تنسيق عملية الرد لأن الزيارة تسببت في شلل الدفاعات الجوية حتى لا تصيب طائرة المشير وكانت تلك فرصة سلاح الجو الإسرائيلي ليسرح ويمرح في أمان من الدفاعات الجوية. 

وجاء هذا اللقاء الذي لم يتم متأخرا جدا لأن القادة كانوا يحتاجون إليه لحل بعض المشاكل الضخمة مثل التنسيق مع القيادات في الجبهة خاصة بعد استحداث ما يسمى بالقيادة الأمامية للجبهة بقيادة الفريق عبد المحسن كامل مرتجي.

وظهرت بعض المشاكل بسبب ذلك التعيين لعدم التأكد ممن تأخذ الأوامر العسكرية وكيف يتم تغير الخطط العسكرية بهذا الشكل؟ خصوصا أن الفريق عبد المحسن لم تكن لديه معلومات عن سيناء وكان مكلفا بقيادة القوات في اليمن، مما شكل بلبلة لدى القيادات جعلت الفريق صلاح محسن يقوم بإرسال اللواء أحمد إسماعيل علي رئيس هيئة عمليات الجيش الثاني إلى القاهرة يوم 27 مايو للاستفسار عن بعض الأسئلة مثل: 

ماهي مهمة الجيش الميداني بالتحديد؟ ماذا تريد القيادات العليا من الجيش الميداني؟ 

وماهي نواياهم؟ وهل استراتيجيتنا دفاعية أم هجومية؟ وهل الهجوم في حالة بدأ من جانبنا سيكون شامل أم محدود؟

وذكر الفريق الجمسي في مذكراته نقلا عن اللواء أحمد إسماعيل بأن هذه الأسئلة لم تكن لها أي إجابة.

هنا نلاحظ حجم الارتباك على مستوى القيادة فمن ناحية نشرت القيادة حوالي مائة ألف جندي في سيناء وأغلقت مضيق تيران وأمرت بسحب قوات الطوارئ الدولية، وكل ذلك علامات استعداد للحرب بل ربما إعلان حرب، ومع ذلك لا يعرف قادة القوات في سيناء هل هم في وضع دفاع أو هجوم.

ويستمر الإرباك وسوء التنسيق 

قال اللواء الدغيلي قائد سلاح الجو في سيناء انه وصلته معلومات عن توقيت  هجوم الطيران الإسرائيلي وأرسلها في شفرة بعنوان "العنب العنب" لكن لم تصل للجهات المعنية لأن كل القادة ذهبوا لاستقبال المشير عبد الحكيم عامر.

وبينما كانت المقاتلات الإسرائيلية تقترب من أهدافها تلقى المصريون إشارة سرية من الأردن لكن أحدا لم يستفد من هذه المعلومة المهمة الخطيرة. 

الفشل الاستخباراتي

يرى الإعلامي المصري محمد ناصر أن سبب هزيمة 67 هو الفشل المعلوماتي ويعزي هذا إلى ما ورد في كتاب "ضباط يوليو يتكلمون" لمؤلفه عصام دراز والذي يذكر فيه الطيار هشام مصطفي:

ـ في اجتماع الرابع من حزيران للطيران الحربي وصلتهم صورا فوتوغرافية من المخابرات الحربية لمدينة ايلات تعود لسنة ١٩٤٨ وتم تحديد الأهداف فيها فتألم الطيارون لأنهم سيقصفون أهدافا لم تعد موجودة.

- وفي صباح 5 يونيو احتلت قوة إسرائيلية بعض نواحي سيناء عند الساعة الثامنة صباحا ولم يصل الخبر إلى القيادة المصرية بسبب ضعف المخابرات ولو وصل لها لكان يمكن تفادي الاكتساح الكبير والضربة القاضية التي دمرت سلاح الجو المصري نفس اليوم. 

- قال الفريق صدقي محمود وهو قائد القوات الجوية في شهادة أمام لجنة تقصي حقائق ثورة يونيو 52 انه لم تصلهم معلومات عن تطوير إسرائيل لسلاحها الجوي.

أما الفريق محمد فوزي فيرى ان أكبر خطأ تم ارتكابه هو أنهم لم يتعاملوا مع إشارة عبد المنعم رياض قائد القوات الأردنية لأن الإشارة وصلت ولم تجد من يتعامل معها ولم يخبر الضابط المداوم وزير الحربية شمس بدران إلا بعد 45 دقيقة. 

وبحسب عبد اللطيف البغدادي عضو مجلس الثورة فإن الجيش المصري انهار انهيارا تاما بسبب ضعف المعلومات وقد سمع عبد اللطيف البغدادي من عبد المنعم أمين قائد سلاح الفرسان أن إسرائيل تدعي انها احتلت بلدة اسمها الروماني وبحسب نفس المصدر فإن قيادة الجيش لم يكن لديها علم.

وفي المقابل فقد كان عند إسرائيل كل المعلومات واختارت الساعة 9:45 توقيتا للهجوم لأنه وقت تناول الجنود المصريين وجبة إفطارهم.

وجاء في مذكرات الملك حسين رحمه الله أن إسرائيل كان عندها تفاصيل عن 22 مطار عربي والأهداف التي ستقصفها بينما العرب لم يكن لديهم أي خلفية ولا معلومة عن مطارات إسرائيل.

الموقف الروسي

حذر السوفيت حلفاءهم المصريين من المبادرة بالهجوم وقد أخبر رئيس الوزراء السوفيتي كوسيغين الرئيس عبد الناصر بأنه إذا بادر بالهجوم فهذا سيقود إلى التصعيد وقد يجر القوى العظمى إلى أزمة وأن أمريكا وحلفاء إسرائيل الآخرين سوف لن يقفوا جانبا، وحرص السوفيت على تأكيد جدية ما يقولون. 

يقول الدبلوماسي المصري صلاح بسيوني :

"صدمت من الاتحاد السوفيتي كونه صديقا لمصر وكيفية تعامله معنا في هذه الأزمة بهذه الصورة وعدم تزويدنا بالأسلحة والحرب على الأبواب. "

ومع هذا فقد تلقى شمس بدران وزير الحربية المصري قبل مغادرته لموسكو بقليل رسالة من وزير الدفاع السوفيتي، وذكر بأنه قال له: "نحن مع مصر في حالة تدخل أمريكا في الحرب" ونقل بدران الرسالة إلى عبد الناصر وفي ذلك اليوم خطب عبد الناصر مؤكدا للشعب المصري مساندة السوفيت للعرب. 

كانت رسالة بدران وهم عاشه المصريون بمساندة الاتحاد السوفيتي لهم، إلا أن السوفيت لم يكونوا على استعداد لدخول أي معركة ضد الأمريكان وذلك واضح من تحذيرهم لعبد الناصر من المبادرة بالهجوم.

إلا أنه يبدو أن عبد الناصر لم يقرأ الموقف السوفيتي القراءة الصحيحة.

تهور وسوء تصرف

يقول الضابط الهندي ريكي الذي كان قائد قوات الطوارئ التابعة للأمم المتحدة في سيناء أنه تلقى اتصالا من العميد مختار يفيده بأن القيادة المصرية قررت سحب قوات الطوارئ ، فقال له ريكي هل قدرتم عواقب مثل هذا القرار؟ هل قدرتم ماذا سيكون رد الفعل الإسرائيلي عندما لا يكون بينكم وبينهم أي حاجز؟ فأجابه القائد المصري: "عندما نتقابل المرة القادمة سأعزمك في تل أبيب."

وهذا الكلام ينم عن غاية التهور وعدم إدراك الصورة الحقيقة للواقع وهو يشبه تصريحات الزعماء السياسيين ولا ينم عن مهنية ولا احتراف.

وهكذا هزمت مصر وهي أكبر الدول العربية ويقودها عبد الناصر الزعيم الأكثر شعبية ساعتها في البلاد العربية

هزمت مصر والدول العربية هزيمة قاسية لكنها محيرة فمن ناحية لم تكن المشكلة في العتاد والعدد كما ذكرنا آنفا ولا في ضيق المساحة الجغرافية وحتى إذا أخذنا بعين الاعتبار التفوق النسبي للطيران الإسرائيلي فإنه كان بالإمكان تلافي الهزيمة على النحو الذي حصل. 

وبناء على ما مر فإن الهزيمة يتحمل مسؤوليتها القادة السياسيون والعسكريون بسبب التهور تارة وعدم حساب الخطوات والارتجال وعدم وضوح الصورة في أذهانهم وضعف المعلومات الاستخباراتية تارات أخرى.

وإلا فكيف حصلت هذه الهزيمة والرئيس عبد الناصر صرح قال قبيل الحرب بأنه كان ينتظرها منذ عشر سنوات.

يقول عبد اللطيف البغدادي في مذكراته:

"ولقد عقد جمال عبد الناصر مساء اليوم الأحد أيضًا مؤتمرًا صحفيًّا حضره عدد كبير من الصحفيين الأجانب ووكالات الأنباء ولاحظت أنه في إجاباته على أسئلة الصحفيين قد زاد من تشدده في موقفه بالنسبة للملاحة البحرية في مضايق تيران – وعدم السماح بمرور السفن الإسرائيلية بها ولا السماح أيضًا بمرور المواد الاستراتيجية إلى إسرائيل وعلى أي سفن كانت، وأبدى ترحيبه كذلك في ملاقاة العدو عسكريًّا – وأظهر أن استعداده أصبح كاملاً لملاقاة إسرائيل. وأنه كان يعد نفسه منذ عشر سنوات مضت انتظارًا لهذا اللقاء".

وأكد عبد الناصر هذا الكلام ايضا يوم 4 يونيو عند إعلان انضمام العراق إلى اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والأردن. حيث قال: "إننا ننتظر المعركة على أحر من الجمر".

في حين يقول الفريق محمد فوزي رئيس هيئة الأركان العامة للجيش المصري: "إن عبد الناصر لم يكن يريد محاربة إسرائيل، وإنما أراد أن يكتسب مظاهر دعائية إيجابية عن طريق استخدام القوات المسلحة "

ويقول صلاح نصر رئيس المخابرات المصرية بأن تقديرات عبد الناصر للموقف كانت خاطئة. 

أما عبد اللطيف البغدادي عضو مجلس قيادة الثورة فقد عبر بمرارة عن الهزيمة في يومياته: 

"أخذنا نعود بذاكرتنا إلى التصرفات في الجيش وأسلوب الحكم وهذه هي نهاية كل نظام مثل هذا النظام ومغامرة جمال عبد الناصر بمستقبل أمة بأكملها في سبيل مجده الشخصي، وكنا نعرف من قبل أنه يغامر وكنا نندهش من هذا التصرف وهو كان قد قدر أنه سيحقق نصرا يرفعه إلى السماء دون أن يخسر شيء فجاءت النهاية، نهاية نظامه وخزي وعار على الأمة كلها، ربما يكون خيرا من يدري، ربما أراد الله أن ينقذ هذه الأمة من استعباد عبد الناصر لها ومن تأليههم له فأراد الله لهذه الأمة أن تصحو من غفوتها، وتحطم الآلهة وتصحو لنفسها ولا تسمح لأي شخص أن يسيطر عليها مثل ما سيطر عليها جمال عبد الناصر."

"يا للعار مواكب النصر خرجت إلى الشوارع انتصارا للزعيم الذي حطم كبريائنا، ويقوم أعضاء المجلس التشريعي بالهتاف والتصفيق والرقص لهذا النصر الذي حققه رئيسنا وجيشنا على العدو، يا للمهزلة الكبرى".... 

 

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه

جمعة, 10/07/2020 - 11:25