العلامة محمد عبد الله بن الصديق كما عرفته رحمه الله

الثلاثاء 28-08-2012| 12:26

مولاي ولد عبد الدايم ولد انداه

فى يوم عيد الفطر السعيد نقصت فرحتنا وانحسرت سعادتنا اذ انتقل فى نفس اليوم إلى جوار ربه العلامة الربانى الجليل الشيخ محمد عبد الله بن الصديق رحمه الله رحمة واسعة ، وأدخله فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

ولئن كان الشيخ محمد عبد الله قد بلغ من العمر سبعا وثمانين سنة ، وتراجعت صحته كثيرا منذ مدة فان نبأ وفاته وقع على الناس كالصاعقة ، وكان الأمر الجلل والخبر الصادم بالنسبة لذويه وتلامذته ومجتمعه ومحبيه ، ولكل من عرفه أو سمع عنه.

فرحم الله الشيخ محمد عبد الله ، لقد كان مثالا ونموذجا للعالم الرباني الورع المتبحر فى العلوم الشرعية النافعة من كتاب وسنة وفقه وأصول وعلوم آلة من نحو ولغة وبلاغة وغيرها.

كان الشيخ محمد عبد الله رحمه الله مثالا رائعا ونموذجا حيا للعالم العامل الزاهد الذى لا يريد علوا فى الأرض ولا فسادا ، عاشرته كغيرى من أبناء عمومته وغيرهم فى أبو ظبى واستوقفتني أمور كثيرة
من حياته (( السهلة الممتنعة )) إن صح هذا التعبير وقبل ، ومن ذلك :تواضعه الجم وزهده فى الدنيا

كان الشيخ محمد عبد الله رحمه الله متواضعا مع وقار العلماء ، زاهدا فى الدنيا ومظاهرها وملذاتها رغم منصبه الرفيع وجاهه الواسع ، كان يركب سيارة عادية ، لا يتميز ولا يختص بشيء عن غيره فى الملبس والمأكل والمشرب، لم يؤثر عنه انه أخذ من أي كان لنفسه أو لغيره احترازا وتحفظا واحتياطا
رغم حبه الطبيعي لمنفعة المسلمين ومصالحهم ورغم العروض التى تراوده وتنهال عليه باستمرار ..

اهتمانه البالغ بالعلم والتعليم :

لا يختلف اثنان على أن الشيخ محمد عبد الله رحمه الله كان لا يرى إلا معلما أو ناظرا فى كتاب فقد كان ((مجلسه )) الواسع عبارة عن مكتبة ضخمة زاخرة بمختلف أمهات الكتب والمراجع المتاحة لكل من يرغب فى الاستفادة والاستزادة والبحث ، وكان طلاب العلم فى مختلف العلوم الشرعية واللغوية
عموما يختلفون إليه من وقت لآخر ناهلين من معين معارفه الفياضة مستفيدين من شروحه الضافية الدقيقة.

ويعجب المرء من إدمان الشيخ محمد عبد الله رحمه الله على المطالعة فلا اذكر أنى رأيته فى بيته إلا وبين يديه كتاب يطالعه أو يشرح درسا لأحد الطلاب سوى فى أحد الأيام إذ حل أحد أبناء عمومته ضيفا كبيرا ببيته وكان الضيف شخصية علمية واجتماعية يحسب لها حسابها ..

قبل أكثر من ثلاث سنوات زرته فى بيته فى نواكشوط ، وكان الوهن باديا على جسمه دون عقله وإدراكه فسألته سؤالا أعي أهميته بالنسبة له ويتعلق الأمر بوفرة الطلاب من عدمها فأجابني : إنها موريتانيا فتارة يأتي بعض الطلاب ويستمر لبعض الوقت ولكنه يغادر ولا يعود أبدا

موقف شخصي لا أنساه للشيخ رحمه الله :

ذات مرة كنت أتشوف للوظيفة فى إحدى المؤسسات العلمية الهامة ، وكان يديرها شخص تربطه علاقة وطيدة بأحد وجهاء الجالية الموريتانية بالإمارات فطلبت من الشيخ أن يكتب لى رسالة للرجل الموريتاني الوجيه بغية الشفاعة لدى المسؤول عن المؤسسة فاستجاب على الفور وكتب الرسالة رغم تحفظه على
الوساطة أصلا لأسباب يدركها ، فقدمني للرجل من خلال عبارة لا أنساها وهى)) فلان بن فلان من أفضل أبناء عمومتنا ((

أوصلت الرسالة للرجل ـ وقد توفى هو الأخر رحمه الله ـ فقرأها بتؤدة وأمرها على وجهه تبركا واستوقفته العبارة وقال لى انه سيفاتح الشخص المعني فى الأمر وينبهه على هذه الشهادة التى أعتبرها تاجا على رأسي رجل الدنيا والآخرة .

رغم زهده لم يكن الشيخ محمد عبد الله شخصية علمية وحسب ، بل كان رمز قبيلته فى دولة الإمارات بدون منازع فكلما حلت نائبة بأي من هذه القبيلة يسند الأمر إلى الشيخ فيكتب رسالة تجلى الأمر موجهة إلى أفراد المجموعة العاملين فى هذه البلاد فترى وتلمس من الجميع السمع والطاعة بلا تردد أو
اعتراض دون الحاجة إلى مداولات أو أخذ ورد ..

أما منزل أهل الصديق فقد ظل دائما موئلا ومأوى للغادين والرائحين زرافات ووحدانا وقد تجلى ذلك وتأكدت أهميته وظهرت قيمته أيام تقاطر الناس بكثرة طلبا للعمل خاصة فى فترات معينة ..

أما دور الشيخ على مستوى الجالية عموما فقد كان رحمه الله تاجا على رأس هذه الجالية ، ولا زال أثره ماثلا وذكره مدويا بالإضافة إلى غيره من العلماء العاملين الذين مثلوا بلاد شنقيط فى هذه البلاد وغيرها خير تمثيل، وأما دورا لشيخ محمد عبد الله وذكره المدوي على مستوى القبيلة داخل البلاد وعلى مستوى الوطن عموما فأمر معروف ولا يحتاج إلى تأكيد.

يقول أبو الطيب المتنبي :

لولا المشقة ساد الناس كلهم###الجود يفقر والإقدام قتال

وإنما يدرك الإنسان طاقته###ما كل ماشية بالرحل شملال

ويقول ابن دريد :

وإنما المرء حديث بعده###فكن حديثا حسنا لمن وعى

لقد كان الشيخ محمد عبد الله بحق حديثا حسنا لمن وعى

هذه فقط ومضات خاطفة وقطرات امتحتها من بحر طام لم أتجاوز شاطئه وحسب ..فرحم الله الشيخ محمد عبد الله بن الصديق وأسكنه فسيح جناته.

وإنا لله وإنا إليه راجعون

عودة للصفحة الرئيسية