"مؤتمرات" تهتك الستر وتفضح المستور!

الثلاثاء 24 كانون الثاني (يناير) 2012

بقلم محمد ولد المنى (في الصورة المحامي المصري منتصر الزيات)

ربما أصبحت سياسة تنظيم "المؤتمرات الدولية" التي يُدعى لها أشخاص من الخارج وتحاط بكل الدعاية الإعلامية الممكنة، بمثابة السياسة المفضلة لنواكشوط هذه الأيام، وذلك على ما يبدو في مواجهة العدد المتكاثر من المشكلات الداخلية التي لا تبدو موعودة بالحل ضمن أيٍّ من المديات الزمنية لسلطة الحكم الحالية. فقبل حوالي شهر واحد من الآن كنا شهوداً على مؤتمر للمدونين العرب نظمته ورعته الرئاسة الموريتانية، في تعبير من جانبها عن الاحتفاء بثورات الربيع العربي وبالدور الذي لعبه فاعلوا الفضاء الإلكتروني في تأجيج هذه الثورات. ثم كنا شهوداً على مؤتمر "دولي" آخر نظمته ورعته الرئاسة الموريتانية، وتدور فكرته الأساسية حول نبذ الخطاب المتطرف، والتأكيد على بعض الاجتهادات الفقهية القديمة حول وجوب الطاعة لولي الأمر وتحريم الخروج على إرادته تحريماً كلياً.

ولعل هذا التناقض الجلي بين فكرتي المؤتمرين الأخيرين، لا يعكس فقط افتقار الرئاسة لموقف فكري متسق ومنسجم حيال قضايا الفكر وتطورات الواقع، وإنما يشير كذلك إلى نوع من العبثية والمجانية في تنظيم المؤتمرات الدولية، أي الإدمان على تنظيم المؤتمرات لذاتها، دون هدف واضح أو مفهوم، اللهم إلا إذا كان الهروب من مشكلات الواقع الداخلي بمحاولة بناء صورة خارجية لا وجود لما يصدقها في سياسات الداخل. وهذا يذكرني تماماً بسياسة "الزحف" نحو رمال الصحراء المالية، تطبيقاً لعقيدة "الحرب الاستباقية"، والتي تبين فشلها الذريع خلال التجربة العسكرية الأميركية ذاتها في كل من أفغانستان والعراق!

ليس هذا ما يهمني أساساً هنا، وإنما الذي يعنيني أكثر من ذلك في هذا المقام هو الموازنة بين المنافع المحتملة والمضار المحققة من وراء سياسة صنع المؤتمرات "الدولية" الموريتانية.

خلال السنوات القليلة الماضية التقيت بشخصيات من بعض البلاد العربية سبق أن زارت موريتانيا خلال مؤتمر من هذه المؤتمرات التي انتعشت صناعتها بشكل ملحوظ خلال هذه الفترة، وكنت ألاحظ مشاعر وانطباعات غير إيجابية كوّنها أولئك الأشخاص خلال زياراتهم المذكورة، وكانوا يحاولون مداراتها (المشاعر والانطباعات) بتعبيرات عمومية في حضوري، وكنت أنا أيضاً أداري خجلي بتقديم تبريرات من أصناف شتى، تلتقي كلها عند الطبعية (الجفاف) والسياسة (عدم الاستقرار السياسي بسبب الانقلابات العسكرية). لكن في مرة من المرات كنت عائداً من الخارج، وعلى غير العادة سلك بي سائق السيارة ما يفترض أنه أهم طريق في العاصمة نحو أرقى حي فيها، فقلت في نفسي حينها: عبْر هذا الطريق من المطار إلى الفندق، سار فلان وعلان (من الشخصيات العربية التي زارت البلد والتقيتها)، فشاهدوا ما أشاهده الآن: جيوش من المتسولين عند مخرج المطار وعلى جنبات الطرق، وعربات تجرها الحمير في كل مكان، ورجال يسيرون في الشارع بدراعة وسروال فقط (نصف عراة)، وآخرون يجلسون للتبول دون أدنى اكتراث أو شعور بالخجل..!

وانطلاقاً من تلك المناظر والمشاهدات، انتابني إحساس بأن مثل هذه المؤتمرات "الدولية" ربما تعد جناية بحق البلاد، وأذى متعمداً يضر صورتها. فهي انتهاك لستر العزلة المكانية الذي اختارتنا له الجغرافيا والتاريخ، إلى أن يتبدل الوضع نحو وضع مناسب يسمح بالبروز على الملأ واستدعاء الشهود من كل مكان للشهادة على إنجازات ومفاخر حقيقية.

لا أتحدث عن مئات الملايين التي تهدر في الإنفاق على مؤتمرات "دولية" لا تقدم أبسط إسهام في حل أي مشكلة من مشكلات الواقع، ولا تفيد أدنى إفادة في استشراف المستقبل وآفاقه، بل تتناول موضوعات مستهلكة ومتجاوزة منذ وقت طويل، ويمثل تكرارها على ذلك النحو نوعاً من التقليد السقيم أو الترف الفكري الذي لا تحتمله حالتنا الراهنة على الأقل. هذا بينما لا يوجد في البلاد قطاع حياتي واحد دون أن يكون حاله بأشد الحاجة إلى كل أوقية تصرف على مثل هذه المؤتمرات العقيمة وغير المجدية شيئاً.

لا أتحدث هنا عن ذلك الجانب المادي، على أهميته الكبيرة (بلا شك)، بل عن الفرق الهائل في نظرة من شاركوا في تلك المؤتمرات، قبل وبعد زيارتهم نواكشوط وتجولهم في شوارعها الضيقة والمهدمة، وأرصفتها المتربة، وساحاتها المختفية... ووجهها المغطى بالقمامة وسائر مظاهر الإهمال والفوضى والضياع. بل أتحدث عن نظرات الازدراء والإشفاق والاستهانة... التي نلحظها في كلمات وعيون وقسمات أولئك الزوار الذين كانوا شهوداً على ما تظهره عاصمتنا مما يجب ستره بستر الله تعالى، لولا هذه المؤتمرات "الدولية"!

خطرت لي هذه الأفكار مجدداً وأنا أقرأ مقالا نشر اليوم (الثلاثاء/24 يناير/2012) على موقع صحيفة "مصر اليوم"، لكاتبه المحامي المصري المعروف منتصر الزيات، بعنوان "من رباط المغرب إلى نواكشوط المرابطين"، وقد تحدث فيه عن رحلة مرّ خلالها على المغرب حيث التقى بقادة "حزب العدالة والتنمية" لتهنئتهم على الفوز بالانتخابات ورئاسة الحكومة، ثم توجه إلى نواكشوط للمشاركة في مؤتمر عن الوسطية في الإسلام. وبعد الحديث عن مدينة الرباط التي سحرته ببهائها وجمالها ونظافتها وانضباط شعبها، يتحدث عن نواكشوط بأسى وحزن شديدين، رغم معرفته بما تقتضيه آداب الضيافة من تحفظ في الحديث عن عورات المضيف. فماذا قال الزيات حرفياً؟ قال: "شعرت بمرارة وحزن وأسى كمواطن عربى مسلم وأنا أُطالع شوارع مدينة نواكشوط، تلك المدينة العريقة، بلد الثوار والشعراء والعلماء، هو نفس الشعور الذي شعرته في زيارتي الأولى للخرطوم قبل سنوات قليلة، لا أعرف على وجه التحديد أسباب انصراف العرب عن هذه البلدان العزيزة على قلوبنا؟ أين أثرياؤنا العرب الذين يستثمرون أموالهم في الغرب وأميركا؟ أين أثرياؤنا الذين يتبرعون بفائض أموالهم لفرق كرة قدم أوروبية أو لبناء دور رعاية حيوانات في باريس أو غيرها من العواصم الغربية؟ كانت مصر حاضرة أفريقيا، ويُذكر لجمال عبدالناصر دوره في مساعدة حركات التحرر الأفريقية، لكن مصر غابت في عهد مبارك وانسحبت من أفريقيا، ودخلت إسرائيل. وجدنا شعبا طيبا كريما مضيافا، محباً لإسلامه وعروبته، صابراً على الفقر، وجدنا شوارع تكاد تخلو من الناس، بيوتاً تقليدية لا يرتفع البناء فوق ثلاثة طوابق على أقصى تقدير، وبنية تحتية فقيرة".

ومع العلم أن مثل هذه الكلمات الشفوقة من ضيف مشفق، آذته تلك المناظر الصادمة في قلب نواكشوط، لن تجعل أثرياء العرب يصبون أموالهم صباً على عاصمتنا البائسة، فإنه يبقى من قبيل التحلي بالحكمة وصون الكرامة وحماية العرض، أن نكف عن تنظيم مثل هذه المؤتمرات، ودعوة الضيوف كي يروا مثل ما رآه الزيات وآخرون نعرف ألسنتهم التي لا ترأف بحال الشقيق الرقيق. فللعزلة محاسن ومآثر في ضمان الستر والحفاظ على المستور، إلى أن يفتح الستار العزيز وهو خير الفاتحين! ولا داعي لتبديد المال العام بتبذيره في جلب الشهود لإشهادهم على واقع نواكشوط، الواقع الذي يعد بكثير من معايير عصرنا، "فضيحة" لا يصدقها أحد من أهل هذا الزمان!


عودة للصفحة الرئيسية