رئيس الجمهورية القادم



موريتانيا: رئاسيات سابقة لأوانها؟



موريتانيا .. إلى أين؟



صفحة الاستفتاء



ارشيف: تفاصيل اول عملية عسكرية فرنسية لدعم موريتانيا ضد البوليساريو



التقارير السرية للسفارة الفرنسية بنواكشوط (2)



من الارشيف: التقارير السرية للسفارة الفرنسية فى موريتانيا



ملف: حول العاشر يوليو 1978



التعليم النظامي في برنامج الرئيس المنتخب



الاتحاد المغاربي... وضريبة اللّا اتحاد..



موريتانيا وأذربيجان... آفاق تعاون واسعة



محمد ولد محمد أحمد الغزواني مرشح المرحلة



تمسكنا بمبادئنا في ظل اختلال ميزان القوة الدولي

الجمعة 12-07-2019| 09:00

د.حماه الله السالم، أكاديمي موريتاني

ما هي حدود الإذعان للقوة الغربية؟ وهل هناك حدود أصلا؟ أم أن الحدود هي ما يضعه الأقوى بنفسه، ومن دون استشاراتنا، وليس علينا إلا أن نسمع ونطيع؟ أم أننا مثل سائر الأمم والجماعات، نقبل ونرفض، ونعطي ونأخذ، نتنازل بشرف ونقبل بعقل، ونوازن بين حقنا وحقوقنا، وبين كرامتنا ومصلحتنا؟
يبدو أن بعض "الغيورين" على "المصلحة العامة" في بلدنا، يصمّون آذانهم عن تلك السؤالات القلقة، ويفضلون أن يتركوا كل شيئ لتقدير الحاكم، وأن يفيئوا إلى ظلال الجواب السهل المختصر : نحن نقوم بعملكم بالنيابة عنكم، ونحن أدرى بمصلحتكم ! ونحن أيضا مرغمون على كل ما نقوم به لأنه ليس لنا حول ولا قوة، والقوة الغربية تحكمنا وتتحكم فينا، شئنا أم أبينا !
وهو كلام فيه حق وفيه باطل، وباطله أكثر من حقه، لكنه ليس حقلا مباحا، مفتّح الأبواب، لو أن هؤلاء أحسنوا القول، ولم يبالغوا في رد الفعل، لمرّت بعض الأمور بسلام. ومثال ذلك الكلمات "القادحة" في بيانات الأحزاب حول القوانين وعلاقاتها بالشرع وميزان القوة مع الغرب، وهي خير دليل على تلك الزلات، التي ما كان لها أن تخرج، وجلّ القيمين على تلك الهيئة السياسية، مؤمنون بهذا الدين ونظن بهم الغيرة عليه مثل إخوانهم في الأحزاب الأخرى.
ولو رجع وليّ الأمر إلى من عينهم من الفقهاء والمفتين، وترك لهم الوصف والحد، لكان ذلك أقرب للصواب وأجدى. وحينها يمكن أن نميز بين حدود "سلطة التقدير" سلطان المجتمع، ولكليهما ميدانه وغاياته وظروفه.
لكن خطابنا السياسي، مثل الكثير من أوجه حياتنا العامة، يعيش هذه الأيام، حالة سيولة، من دون حواجز ولا موانع، أو أطر وصوى. ولذلك فهو عرضة، في كل يوم، للشطط والانفعال، من غير ضرورة، ما ترك آثارا قوية على النفسية الجماعية، وأوهن من عزم نخبنا الدينية والسياسية والثقافية، وجعلها تشعر بانفصام بين ما تؤمن به وبين ما تعيشه.
وهو نفَسٌ قلق يعْمر حياتنا، ويملأ على نفوسنا أقطارها، فلا تكاد تخلص منه إلا لِماما، وهي تكاد تمور كلما دهمتها خطوب دُهْم وأحوال سُحْم في دنيا ظالمة زائلة.
ومن منا لا يشعر بأن نفْسه شيئا من القوانين الغربية، حتى التي لا تصدم الدين والعرف، بل إنني وأنا المواطن الهامشي الجاهل "بالقوانين" والمزجى البضاعة من فقه المعاملات، لا أومن البتة بأي قانون يخالف الشريعة التي أومن بها، لكنني في ذات الوقت "أخضع" للقوانين الوضعية في حياتي اليومية والعامة، وأريد مقاومتها بالمنطق والعقل والدعوة، وليس بالإكراه والقدح، لكن من الظلم البيّن أن أجبر جبرا، على أن هذا الواقع هو طبيعي وعادي، وأنه ليس قابلا للتغير أو النقض.
وهو "ازدواج" نشعره ونعيشه، بدرجات متفاوتة، قد تقف عند حدود "التقية" لدى أولي البصائر من مجتمعاتنا، وقد تصل إلى حد "النفاق" لدى آخرين لهم تفسيرهم للعالم.
ونحن جميعا أبناء هذا البلد، سواء في تلك الحال، مهما اختلفت مشاربنا الثقافية والسياسية، لأننا نؤمن بذات العقيدة وننتمي للمجتمع نفسه، غير أننا ضحية وقْع تلك المكْرهات والمُضلاّت.
وذلك لأننا جميعا نتاج الحداثة المشوّهة التي فرضت سلطانها على البلدان المستعمرة، وخلقت في حياتهم حالة انفصام نكد بين الشريعة والقانون والهوية والواقع والدولة والأمة.
ونحن في ذلك مثل غالبية الشعوب الإسلامية، التي لا تعترف بالحيّز العام، سواء أكان سياسة أو "ممارسات حداثوية"، لأنها تعتبرهما "خارج" المجال الشرعي والعرفي الذي تؤمن به.
يذكر المفكر المأسوف عليه عبد الوهاب المسيري، في سيرته الذاتية العميقة، أن شباب بعض القرى المصرية، كانوا إذا خرجوا إلى العاصمة "تحرّروا من كل القيود"، فتجدهم يغشّون في الامتحانات و يدخنون أمام من هم أكبر منهم سنا، ويجلسون على قارعة الطريق ليمارسوا هواية الغمز واللمز من المارة بمختلف أصنافهم، لكنهم سرعان ما يتحولون إلى حال مناقض حين يرجعون إلى أهليهم وذويهم في الصعيد البعيد، فتجدهم حملانا وديعة، يسيرون منكسي الرؤوس ينظرون من طرْف خفي، يظهرون الوقار والأدب.
علق المسيري على تلك الحال وأشباهها بأن هؤلاء لا يعترفون ب"شرعية" الحياة العامة خارج مجتمعهم، ولذلك لا يرون بأسا بالتحلل من قيودها والتطاول على قوانينها، لأنهم ببساطة، لا يعتبرون ذلك جرما ولا خطأ.
ويذكر المسيري واقعة مشابهة جرت في الأردن، وهي أن خبيرا أجنبيا تم جلبه، كما يُجلب كل شيئ، ليحل مشكلة المرور، فطفق يقيس ويحسب، ويقطع المرور جيئة وذهابا، وحذره بعض المشفقين من الاعتماد على لوحات المرور التي لا تعني للمواطنين شيئا كبيرا. وفي النهاية انتهى به المطاف ميتا على ناصية شارع جانبي بعد أن صدمه سائق أرعن كان في عجلة من أمره.
علّق المسيري على تلك الحادثة بأن "الخبير" لم يكن يعلم أن أهلنا في الأردن، مثل غيرهم في البلدان العربية، لا يعتبرون إشارات المرور ملزمة أو مقنعة، لأنها بكل بساطة مثل غيرها من "قوانين العصر" لا يؤمن بها أحد وليست لها حرْمة.
تزداد تلك الحالة وضوحا في "لامبالاة" المواطنين بالقوانين، لأنهم لا يجدون بينها رابطا وما يؤمنون به من قيم وأعراف، وهم أيضا لا يعترفون بحرْمة "الحيّز العام" لأنه يجدونه مختطفا من قبل "الأقلية" الفاسدة في بلدانهم وفي العالم، ولعل ذلك هو السبب الأول في نظافة المنازل وتحويل الشارع إلى مكب للنفايات، لأنه "شيئ آخر" ليست له حرْمة. وهو ما يصدق على كل مناحي الحياة العامة الإدارية والسياسية...التي لا تعني للمواطن شيئا لأنه لا يشعر أنها ملْك له، أو له فيها حظ ونصيب.
وهي وغيرها من "الأمور العصرية" لن تقنع أحدا ما لم تخضع لتشذيب وتهذيب يوائم بينها وبين أعراف الناس وقيمهم. وهو ما يسمّيه علماء الاجتماع (الضابط الاجتماعي) أي الرقابة التي يفرضها المجتمع بقيمه وعاداته، والتي يجب على من يسوسه أن يرعاها في السياسات والقوانين والأعمال.
والواقع أننا في موريتانيا، كما هو الحال في الكثير من بلدان الجنوب، متخلفون تقنيا وعلميا، ونحن عالة على الشمال في كل شيئ تقريبا، وهو يتدخل في الكثير من شؤوننا، علانية وإسرارا، كلما أراد إلا قليلا.
لكن بعض تلك البلدان، التي نشبهها في الكثير من أحوالها، تحقق كل يوم عمرانا ونماء، وقوة ومنعة، مع شيئ من الاستقلال والسيادة، ما لم نستطع لحد الساعة أن نصل جزء يسيرا منه.
ومن هنا فلا معنى لاستقلالنا "الرسمي"، مادام الحال على ما هو عليه : قضاء لا يحفظ عرضا ولا مالا ولا دما، ولسان أجنبي يعْمر الدوائر العامة، وهو يا للمفارقة، يخاطب المواطنين من غير ترجمان، عكسا لما كما كان في عهد الاستعمار !
فكأنّ علينا أن نترك الاستقلال الوهمي وأن نطالب الاستعمار بالرجوع، لأنه لم يرحل البتة، وإنما ترك لنا شيئا يسيرا من أمورنا التافهة نتشاجر عليه كالأطفال أو نتقاتل حوله كالذئاب، بينما احتفظ بمفاتيح السجن ومنعنا رفدنا وكسبنا وطفق مرتاحا.
لا أحد يريد من موريتانيا أنْ تُناطح الغرْب، لكنه لا يريدها من دون قرون، بل يريدها أن تتراجع من أجل أن تتقدم، وتتنازل من أجل مصالح أولى، وأن تحقق خلال كل تلك "الحرب الخفية" شيئا من النماء يحسن السكوت عليه ويقنع الناس بأن تلك "المناورات" هي فعلا من أجل "المصلحة العامة" !
لا معنى للحديث عن مصلحة الجماعة، ومصالح الدولة، في ظل مجتمع مأزوم، ما يزال في طِلاب إجْماعه التاريخي المفقود، وقد طار شعاعا منذ قرن أو يزيد تحت قهر الحداثة الاستعمارية فالتسلط الوطني.
وهو ما لن يحصل من دون ترْميم ما وهَى من "الإجْماع"، لكي يمْهد للناس في هذه البلاد أنْ "يسلّموا نفسهم" لولاة الأمور هؤلاء وحتى "للناطقين باسمهم" أو المجادلين عنهم باسم "الفقه أو العمل".
ثم إن على هؤلاء أن يثبتوا، أولا، أنهم أهل لحمل الأمانة، وأنهم "يتنازلون"من أجل مصلحة البلاد وليس من أجل سلطتهم، و "يتراجعون" و "يذعنون"، في كل مرة، مراعاة لمصالح مواطنيهم وليس لمنفعتهم الشخصية !
إن التطابق بين مصلحة الدولة ومصالح الحكام، قد يحصل أحيانا، إذا كان هؤلاء يحملون مشروع وطنيا جديا واضح المعالم، ويحظى بقبول واسع، وحينها سيتبين لأولي البصائر في هذه البلاد قبس مما يريده هؤلاء ويعملون من أجله، حقا أو باطلا، وهو ما لم يحصل لحد الساعة، بل العكس هو الصحيح، لأن مسارات الأمور تبدو كما لو كانت تدبيرا سيزيفيا، عبثيا، نمطيا. حتى أن رئيسنا الحالي، فيما بلغني، حدّث بعض جلسائه أن الصراع من أجل تحقيق الاستقلال الحقيقي، لا معنى له، لأن الغرب لن يقبل ذلك، وسيكون العمل من أجل ذلك الهدف هو من قبيل "المثاليات" البعيدة عن الواقع !
لنسلّم جدلا بأن شيئا من ذلك كائن، لكن مثل هذا التصور ليس محل إجماع، بل قد يكون هو الاستثناء الذي يؤكد القاعدة.
وإلا فلماذا تنتخب الشعوب حكامها، إن لم يكن لهم حظ من التدبير يُخْرج بلادهم من ذلك "الخوف الكبير" أو يقلل من غلوائه وسلطانه على البلاد والعباد؟
وحتى إذا كان ذلك الرأي هو الأكثر صوابا، على سبيل الفرض، فإن الاستسلام له ليس حتميا، بل إن البدائل والممكنات، كثيرة ومتنوعة وقابلة للتطبيق !
لكن بعض حُكّام موريتانيا، قد يكونون ـ للأسف ـ على قناعة حقيقية، بأن البناء والنماء في بلدنا، غير ممكن البتة، لأن الغرب "اللعين" يمنعنا تلك الخطة، لأنه يسيطر علينا ويقهرنا ويحاصرنا. وهو واقع لا ننكره، إجمالا، لكننا نرفضه تفصيلا، لأن مجال التصرف المتاح أمام حكامنا فيه من الاتساع ما يسمح بالكثير من المطالب الوطنية الملحة بل ومن الحقوق الشرعية الأكثر إلحاحا، ومع ذلك لا ينجزون من كل ذلك معظم ما نريد، باستثناء أعمال روتينية تجري في جلّ بلاد العالم باختلاف مراتبها من القوة والنماء.
ثم إنه لم يعد هنالك سرّ مكتوم لدى بلدان عالم الجنوب، أمام سطوة الاستخبارات الاستراتيجية الغربية (الأقمار والآذان الأرضية المعدنية)، وقوة الاستخبارات الميدانية (ضباط العمليات فائقي التكوين والعملاء المجندون في قلب الدولة) وأيضا أمام الميزان التجاري المختل لصالح المنتج الغربي المدني والعسكري، ولذلك فهم يعرفون نوع ما نملك من سلاح وكمّ ما نخزّن من بضاعة، لكنهم قطعا ليسو قادرين على معرفة ما نفكر فيه ولا طريقة تفكيرنا، إنْ أحْسنّا الرأي وأحْكمنا التدبير و "أخفينا أهدافنا" عن أعدائنا؛ وهي بالمناسبة عبارة لقائد بارز في الحزب الشيوعي الصيني.
لقد أصبح "السر القومي" في كل بلد، محصورا في كيفية "صنع القرار الوطني"، كي لا تتبيّن أساليب رد الفعل لدى القيادة السياسية، ولا تنكشف الأهداف البعيدة للدولة، وأيضا كي تظل الجبهة الاجتماعية متماسكة وصلبة.
إنني شخصيا، لا أشك بالمرّة في حسن نيّات القائمين على السلطة في بلدنا، لأنه لا يُتصور إلا ذلك، لكنني أشك كثيرا في قدرتهم على "الممانعة" ودفع الثمن "الضروري"، ذاتيا وعمليا، من أجل الصالح العام، ما داموا مقتنعين بأن "المشروع برمته" فاشل لا محالة ! كما أنني لست مقتنعا بأن "كل شيئ" يمكن تبريره ب"المصلحة العامة" و "المصالح الراجحة" و"الحاجات الضرورية" وغير ذلك من أصوليات الفقهاء، بل إن الممارسات التسلطية والسياسات الزبونية، ونتائجها الذاتية والعملية، تعزز تلك الشكوك وتشهد لها بوضوح.
ولو كانت السياسات العامة، بعيدة عن تلك الأدواء، خليّة منها، لجاز لنا أن نطمئن إلى ما يجري من "تنازلات" وإجراءات " ثقيلة" أو "مؤلمة".
أما ولو يمْهد لنا شيئ كبير من كل ذلك، فلنا أن نضع أيدينا على قلوبنا، فزعين مما هو آت وقادم لا محالة، كلما صدر قرار رسمي "يصدمنا" في هويتنا الدينية أو الثقافية، وكأنه ليس الفصل الأخير من تلك المطالب، الحقيقية أو الوهمية، وهو ما سيكون أن نتنازل عن كل شيئ، مقابل لا شيئ، لأنه في الحقيقة لم يبق شيئ لنتنازل عنه، مقابل أشياء لم نحصل عليها.
ومن أمثلة ذلك قرار العلاقة مع إسرائيل في عهد الرئيس الأسبق، وهو قرار جرى "تبريره" بمنطق "مصلحة البلاد" العليا، قبل أن يتكشف أن الأمر لا يعدو شعور الحاكم وقتها، أنه هو الدولة ذاتها، وكان من شأن تلك العلاقة المشؤومة أن تخفّف من أحْماله وأن تنقذ سلطانه من الضياع، وقد كان !
وبذات المنطق يكون قطع تلك العلاقة، وهي من محامد النظام الحالي، نقطة لقاء بين الحاكم والمحكومين، وبين منطق السياسة وروح الأمة، وهو لذلك قرار يصلح للبناء عليه في "الأمور الجمهورية" بعبارة الفقهاء.
يقول بعض الغيورين على "الصالح العام" يجب أن نقبل كل شيئ، إلى أن نقوى، ليكون بلاغا إلى ما نريد.
لكنهم لم يجيبوا عن السؤال الكبير : ومتى تبلغون تلك الغاية وأنتم تسلكون سبيلا معوجا، ليس فيه جهد ولا تمعْدد ولا تضحية بأي شيئ؟.
ثم من قال إن مصلحة الأقلية "الفاسدة" في بعض بلدان العالم الثالث، ونحن منها، هي مصلحة الجماعة؟ وما الذي يلزمها بـ "تنازلات" رسمية للغرب، بعضها لا تعرف عنه شيئا، وهي تخضع لممارسات تسلطية تجعلها تنكر هكذا سياسات لأنها في حقيقة الأمر ليست مقنعة ولا مقبولة.
إن طريق الاستقلال الحقيقي، أي النهضة بشقيها المعنوي والمادي، ليس سبيلا هينا ولا طريقا يبسا، بل هو هجرة حقيقية من أرض الذلة إلى دار العزة، ومن حال الضعة إلى حال الكرامة، ولن يتأتى ذلك بالخنوع والخضوع والكسل والتعلل بالضعف والقلة والتمني والتغني، ولا حتى بالتخلص من مسؤولية التحرر من التبعية، لأن الاستقلال ليس مُنتجا جاهزا، بل هو عمل مستمر تقود أجيال لاحقة.
إن "حل" مشكل العلاقة مع القوى الدولية، هو ترتيب شؤون البيت الداخلي، بالعدل والشورى والإصلاح، ثم تحديد أولوياتنا وما الذي يمكن التنازل عنه وما هي حدود التنازل وحدّ التوقف، في ظل إجماع وحوار وطني، مع حكم رشيد لا مطعن فيه.
لا أحد يجادل في أن ميزان القوة في العالم يميل لصالح الغرب، اقتصادا وسلاحا ومعلومات، وأننا الطرف الأضعف في معادلة الصراع الدولي، لكن ذلك لا يبيح لنا بأي وجه التنازل عن روح أمتنا الذي هو جوهر وجودها.
بل إننا وفق منطق هؤلاء يجب أن نظل تحت حكم الأجنبي، لأنه الأقوى، ونحن الأضعف، وهو الأعلم، ونحن الأكثر تخلفا، ونحن لا نخضع للقانون وهو يستطيع إرغامنا على ذلك، ونحن ننقاد بسهولة أكثر للقوانين إذا كان القيمون عليها من غير "أهلنا" لاسيما من "النصارى".
نقول معهم ذلك، من باب الجدل والتهكم أيضا، لكن الحقيقة هي أن أولئك إنما يدافعون عن مصالحهم الشخصية التي لا يجدونها في غير الغرب، مرجعيتهم في القياس والبرهان والحكم والمراجعة، وأيضا في قسطهم من "مصالحه" التي يقتطعها من مواردنا.
وسنقول معهم أيضا أنه يحكمنا حتى بعد "رحيله"، ويسيطر علينا حتى ونحن "مستقلون"، وجل اتفاقيات "الاستقلال" لها ملاحق طويلة الذيل طافحة بما هو كريه ومذل، ولكنه ما يزال بعيدا عن أعين المواطنين، خشية البلبلة والخلاف.
وهو حق لا مراء فيه، وإنكاره سيكون من قبيل ستر الشمس بالغربال، أو إنكار المحسوس، بل إننا جميعا في مواقفنا من الغرب، قد نتهم بالتذبذب أو حتى بـ التقية، لأننا نفيد من الغرب، ونكرهه، في آن، نرفضه، ونتعامل معه، ونداريه، ونجامله، وأحيانا نضيق به ذرعا فندعو عليه بالهلاك.
حال أكثر من عادي، بين غالب ومغلوب، وقوي وضعيف، لكننا مع ذلك نظل الأقوى، من بين الشعوب التابعة والضعيفة، لأننا مسلمون، وديننا قوة هائلة تخيف الغرب وتجعله يعيد حساباته في كل مرة.
ويبدو أننا نبالغ في هكذا أمور، فليست علاقتنا بالغرب أحجية ولا لغزا، بل هي علاقة صراع أزلي قوامه أنهم يريدون من العالم أن يكون "مثلهم" في كل شيئ؛ أي نسخة كربونية. ولذلك لا يريد الغرب الوقوف عند حدّ المصالح والمنافع، بل يريد تلك "المطابقة" في نحْلة العيش والقيم ورؤية العالم.
لكن الغرب ليس كتلة متجانسة، بل هو جماعات متصارعة ومتنافرة، وإن كانت في موقفها النهائي، من عالم الجنوب، وحضارة الإسلام، تلتزم الموقف ذاته نفسه أو تكاد. ما يسمح لنا بهوامش فسيحة للمناورة إن كنا ندرك حدود ذلك الاختلاف الغربي ومساراته وخفاياه، وهو ما يطلب علما وعملا وفهما ورأيا، مما لا نلقي له بالا في غالب الأوقات.
والغرب أيضا يفرض سلطانه على العالم، إلا قليلا، لكن ذلك لم يمنع بلدانا مسلمة، من التقدم والنماء، ورفض التبعية والاستغلال، والتمسك بهويتها الإسلامية والوطنية من دون مساومة. ومثال بلدان كـماليزيا وإندونيسيا وإيران وتركيا ... معروف. فما الذي يمنعنا من أن نسلك سبيلها، وهو متاح، أو أن نزيد عليه وهو ممكن؟
ثم لماذا لا نجد سلطان الغرب هذا مانعا فسادا ولا ظلما، ولم يقف سلطانه عند حدود مصالحه هو وليس من أجل مصالحنا الذاتية التي فشلنا في صونها ونفشل في تدبيرها، ونجعلها مغنما من دون بعضنا بعضا.
إنها حجة داحضة ولا رأي لا خطر له وخطة لا غناء فيها، تلك التي تجعل من الغرب شماعة نعلق عليها فشلنا وضعفنا وظلمنا لأنفسنا وإفسادنا في حرثنا ونسلنا، واحتقارنا لديننا وأعرافنا وجهلنا لتاريخنا وتجاهلنا لثقافتنا.
وإذا كان في الغرب ما يسمى "حكومة عالمية"خفية، وهي بالمناسبة قيد التشكل، فإنها لم تمنع حاكما من العدل بين رعيته ولا من تيسير سبل الحياة الكريمة لها ولا حتى من تعليمها والرقي بها.
لنفرض أن "الطرف الأقوى"، والذي يخطف شعاع قوته عيون "المنبهرين" به أصلا، أراد منا الذلة، وفي أمور لا تقبلها النفوس الكريمة بحال، فما هي حدود "المصلحة" و حد "التبعية"؟
يجد هذا الموقف من الغرب أصله في تاريخنا القريب، في الفترة الاستعمارية من القرن الماضي.
وللموريتانيين اليوم ولع كبير بالجدل حول الاستعمار الفرنسي، كل ينتصر "لأسلافه" لحد العبادة، ولمواقفهم الجهادية أو الموالية أو التي نادت بالهجرة عن دار الحرب. وهو جدل يؤسس لموقفهم من العلاقة مع الغرب ابتداء.
وهم في خضم ذلك الجدل، العقيم دائما، لا يؤوون إلى ركن شديد من "الصرامة النظرية" تجعلهم يميزون بين فتاوى الفقهاء و مواقف السياسة و شهادات المؤرخين، ولو فعلوا شيئا من ذلك لعلموا أن لكل من تلك المسائل بابا مخصوصا ومنطقا لا تستقيم بغيره.
فإذا كان قبول الاستعمار في ظل "السيْبة" موقفا عمليا، فإن مقاومته، في كل الأحوال، لم تكن عبثا ولا انتحارا.
وحتى إذا "طلب" بعض القادة والعلماء، من الاستعمار أن "ينقذهم" فلن يغير ذلك من طبيعة الاستعمار، لأنه سيبقى استعمارا، وبالمقابل فعندما قرر جمع غفير من الموريتانيين مقاومة المحتل ودفعه بما تيسر جالبا ما هو جالبه، لم يكن ذلك جهالة ولا جهلا بالسياسة، بل هو الحق الذي لا مراء فيه والصواب بعينه.
إن واقع الضرورة، لا يناقض مبدأ الحقوق، كما أن منطق القوة لا ينفي سلطان الضمير.
وبالمقابل فإن شهادات المؤرخين ليست تطاولا على مواقف المجاهدين ولا تنكرا لقيم الجماعة، فعندما قال المؤرخ المغربي عبد الله العروي : (إن ما تنفقه الشعوب في المقاومة تدفعه من تقدمها)، لم يكن يحابي المحتل، بالمرّة، بل كان يتكلم بمنطق المؤرخ، وليس بحكم الفقيه أو بموقف السياسي، تماما كمن يقول إن مقتل كبولاني كان "خسارة" للموريتانيين، لأنه أوقف مشروعا استعماريا "سلميا"، يريد بناء موريتانيا الغربية الكبرى التي تجمع شتات "أهل الخيام" وتؤويهم وتضمهم على صعيد واحد.
تلك شهادة مؤرخ وليس حكم فقيه، وهذا رأي سياسة وليس حقا ملزما للناس على اختلاف مشاربهم.
لكن مبدأ الحق يظل هو نفسه، وهو أن المحتل الأجنبي "النصراني"، يجب دفعه أو قتله، وهو ما ركن إليه المجاهد ولد مولاي الزين ورجال إيديشلي، وكانوا في كل ذلك منسجمين مع دينهم وقيمهم وعصرهم ومجتمعهم.
كان قبول الاستعمار والتعامل معه، الذي التزم به الشيخان بابا وسعد أبيه، ومن لف لفهم، ركونا إلى الضرورة، لكنه في النهاية، ليس مساويا للحق في رفض الأجنبي وقتاله والذي قاده الأمراء والعلماء، وكان استناد الشيخ ماء العينين إلى دعم سلاطين المغرب، وضعا طبيعيا، التزاما بوحدة دار الإسلام ومصير المسلمين، تماما كاستنجاد الشيخ سيديا الكبير بالسلطان وطلب السلاح منه.
وحتى بعد الاحتلال فقد كانت أحوال الخاضعين من أهلنا للاستعمار، متباينة بل ومختلفة أحيانا لدرجة كبيرة، حتى أن من المجاهدين الموريتانيين الذين قبلوا بالعيش في ظل الأجنبي، بعد جلاده، من ظلوا يظهرون الكرامة أمام ولاة النصارى، ويرفضون الكثير من أوامرهم. وهي "ممانعة" ستؤتي أكلها في حينه، حيث أبقت على روح الرفض والكرامة، ما أذكى جذوة النضال الوطني ثقافيا وسياسيا. ولو لم يُبْق أولئك على ذماء من الرفض والممانعة، بعد أن تعذر بالسلاح، لتراجع إيمان الموريتانيين بحقهم في العيش بكرامة.
لم يقل ذو فقه متين أن الموريتانيين بعد احتلال بلادهم صاروا كفارا، لأن إيمانهم صفة ذاتية لا تتغير بتحول بلادهم إلى "دار حرب" مثلا. لكنه بمنطق التاريخ، أي ما وقع من أحداث في عصر بعينه وبأسباب معلومة، لا ينكر أن لكل موقف مرجعا وسياقا وظرفا وعلة وقصدا، أخطأ صاحبه أو أصاب.

عودة للصفحة الرئيسية