عندما يتنفس المثقف الموريتاني الصعداء!

الخميس 20-06-2019| 20:00

المرابط ولد محمد لخديم Lemrabott8@gmail.com

كنت قد كتبت مقالات منذ عقدين من الزمن عن واقع الثقافة في موريتانيا اتسمت بعناوين مختلفة تقارب بين الخوف والرجاء مثل: العقول الموريتانية المهاجرة !!.. ومأساة المثقفين والمبدعين في موريتانيا. وثقافة التحصيل بين الشناقطة الأوائل والشناقطة الجدد..والباحث الموريتاني بين التهميش في الداخل والعروض المغرية من الخارج : وهل ساهم المتقف الموريتاني في القضاء عليه؟؟ وبعد معانات كبيرة في الدفاع عن الثقافة والمثقف ولا حياة لمن تنادي كتبت مقالا اختتمت به هذه المعانات بعنوان رحم الله المثقف الموريتاني!

http://essevir.info/node/8829
.مبرزا الأسباب التي أوصلته لهذه الحالة المزرية ومتسائلا في الوقت نفسه عن مستقبل هذا البلد الذي كان حاملا يوما ما مشعل العلم الى العالم حتي قيل أنه لم يحقق شيء إلا بالثقافة..وهل هناك أمل في أن تسترجع شنقيط بعضا من تألقها العلمي؟
منذ القرنين 13 - 14 الهجريين والفكر الشنقيطي يواصل ارتقاءه الثقافي الدؤوب ارتقاء يمد جسرا للحاضر، ينقل عبره فكر بلاد شنقيط ليأخذ مكانه طيفا من أطياف الثقافة العربية الإسلامية موجها سلوكه ومساهما في تحديد مستقبله...
صحيح أنني لست كالكتاب المتخصصين الموجودين في العالم ولا حتى أصل إلى نصف علمهم ولكن المتابعة والملاحظة علمتني كثيرا من أساليب الكتابة سواء كانت سياسية أو علمية أو دينية.. وهذا كون لدى اجتهاد شخصي قد يكون صائبا أو خاطئا أرى لزاما علي أن أدلى به في كل الأزمات والنكبات المزلزلة..
ان العلم هو السبيل الوحيد لشحذ ههمم المجتمع والاستفادة من طاقاته للامحدودةء، فهو يعنى التقدم والقوة والرقي ولهذا قامت الدول المتقدمة بتحويل المراكز العلمية والجامعات بها لمنارات للعلم تجذب لها الباحثين والعلماء من كل أنحاء العالم، خاصة الدول الفقيرة والنامية والتي تحولت إلي بلاد طاردة للعلماء والباحثين..
وبلدنا ليس نشازا فهو وان لم يكن طاردا للباحثين بشكل مباشر فهو طاردا لهم بشكل غير مباشر بتهميشهم وعدم الاعتناء بهم و مشاركتهم والاستفادة منهم ...
وقد لا يعي مايعانيه الباحث في حياته التى قدرت له أن يحياها فجميع أعماله مضنية ومرهقة، فلابد له من معاشرة الكتب معاشرة قد تدوم أسابيع أو أشهر اًو أعواما، وتقتضي جلسات عديدة للمراجعة والتدقيق والتحقيق في المراجع والدوريات والمظان لما يمكن اظهاره من نصوص أو حذفه...
كما لابد له من الاطلاع عن كثب على كل ما كتب عن الموضوع المدروس. و التحري عن مدى مصداقيته ليفاضل وينتقي ويختار ويحسن الاختيار.ناهيك عن الجلوس لساعات طوال خلف المكتب والتفكير العميق وشحذ المخيلة واستلهام الخيال واستنطاق الوحي والانعزال عن الناس والتوحد...
وقد يأخذ هذ العمر كله من صاحبه ولكن المؤلف لايجد لذته الى في هذه الأوضاع مجتمعة ولا تكتمل نشوته إلا اذا كانت هناك جولات وصولات من النقد البناء ليصحح ويصوب ماعجز عنه منفردا..
ومع هذا كله فانه يكدح ويعمل جاهدا من أجل تحصيل لغمة عيشه,,وبهذا تكون فترة انتاجيته مقسمة بين انتاجه الفعلي وإنتاجه العملي مما سيحد من انتاجه الفكري..
واذا كان هذا في الدول النامية فإننا نجد عكسه تماما في الدول الأخرى حيث توفر هذه الدول العيش الكريم للباحثين مقابل مؤلفاتهم التى ستبقى بعدهم لسنوات كثيرة
متجددة بتجدد طبعات الكتب وترجمتها الى كتب جديدة,, وقد عشت هذا بنفسي في دمشق حيث يعطون قيمة للمؤلف قد لا يجدها في بلده حيث يتحول من مفكر الى شحاذ على مائدة السلطة لجمع المال بأي طريقة الى من رحم ربك..!!
لكنني اليوم استبشر خيرا في رآسيات 2019م فالفائز فيها سيهتم لا محالة بالعلم والثقافة وقد لا حظنا هذا في خطاباتهم وهو نابع من دراستهم وتكوينهم الأكاديمي..
ففي خبر نشره موقع الصحراء يشترك هؤلاء المترشحون في تعليم أكاديمي عال رغم تفاوت في المستوى وتباين في التخصصات:العلوم العسكرية والقانون والاقتصاد والمالية والتاريخ..
https://essahraa.net/node/8705
وهذا ليس انتقاصا من الحكم السابق الذي كرس وقته في أولويات كانت الدولة في أمس الحاجة وقد كتبت مقالا حول هذا بعنوان: قليلا من الانصاف في حق رئيس الجمهورية.
http://www.aqlame.com/article39939.html
على الرغم أنني كنت من أكثر المتضررين منه طيلة حكمه وعشت غريبا في وطني..!!
كان للرجل مشروعا طموحا ولكنه أحيط بشرذمة من المنتفعين والانتهازيين..!!
نطالب الرئيس المقبل بتفعيل دور الدولة في مواجهة القبيلة والجهة، وفك ارتباط المثقفين الأكفاء والسياسيين الجادين مع هذه المؤسسة البالية، التي يحرص على بقائها أنصاف المثقفين والسياسيون المخادعون الذين أثرو في الماضي..
إن الإصلاح لا يمكن أن يتم بشكل فردي بل يجب أن يكون بالتشاور بين جميع الأطراف المكونة للدولة والراغبة في الحوار بجدية..
علينا أن نتحاور ونتصارح لتقوية نسيجنا الاجتماعي ووحدتنا الوطنية وأن نرسم مستقبلنا ككيان تترصده المخاطر من كل مكان في ظل مناخ دولي وإقليمي متقلب..
قد يقود التناوب على السلطة واستبعاد الانقلابات إلى نوعا من الثبات والنمو والازدهار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.الذي يحلم به هذا البلد الذي مزقته الانقلابات طيلة العقود الماضية...
فقد كان كل رئيس جاء بانقلاب يقضي على عمل سلفه ويبدأ من الصفر...
أما الآن وفي ظل التناوب السلمي ستنقلب المعادلة وسيعمل الرئيس الجديد كمكمل ومصوب لما انتهى عنده سلفه وتستمر المسيرة التنموية وهذا في حد ذاته انجاز غير مسبوق في موريتانيا..
وهذا المجتمع وجد نفسه يعيش تجربة ديمقراطية فريدة من نوعها اختصرت المراحل والمسافات وجاءت متكاملة نتيجة لظروف معينة خارجة عن إرادة البلد, بدون أن يكون مؤهلا لها, إن أحد مقاييس التحضر المهمة اليوم يكمن في مدى سيطرة الناس على بيئاتهم الاجتماعية والطبيعية، ومدى قدرتهم على استيعاب سنة التغيير، والتلازم معها. وحركة البحث العلمي في معظم مجالات الحياة تستهدف هذه المسألة على وجه التحديد
إذا طبقنا هذا المقياس فان أي دولة تطمح أن تكون متحضرة بالتعريف الدولي فيجب أن تحقق الآتي:
محاولة الانعتاق من أسر الجهل والأمية الأبجدية ،وخاصة الأمية الثقافية والحضارية - _
إن هذه الثقافة ستسلمنا إلى منهاج من الدراية العلمية، هذه الدراية العلمية تبني بيننا جسورا من العلاقات الاجتماعية، ثم إن العلاقات الاجتماعية تتعقد فتنشئ في ما بيننا جسورا من العلاقات الاقتصادية، وشيئا فشيئا تتعقد العلاقات الاقتصادية في ما بينها، ثم إن هذه العلاقات الاقتصادية تسلمنا إلى العمران والبناء والحضارة،وعند دخولنا في عالم الحضارة والبناء نجد أن علاقاتنا الاجتماعية تعقدت -الاقتصادية الأسرية تعقدت ،عندها نشعر بفراغ في حياتنا، فما هو هذا الفراغ!؟
هذا الفراغ هو فراغ الشريعة والقانون، أي أننا بحاجة ماسة إلى صيغة تنظم علاقاتنا الاجتماعية الاقتصادية الإنسانية لتضمن سير العدالة في حياتنا وتضع جسورا للعلاقات السليمة بيننا وبين جيراننا. إذ أن الصيغة القانونية عندما توجد متكاملة في مجتمع من المجتمعات ،تكون عنوانا على أن هذه الأمة نضجت حضاريا وأنها وصلت إلى أوج حضارتها، هذا ما يقوله علم الاجتماع وهذا ما سارت على نهجه المجتمعات كلها في العصور القديمة والحديثة. إذا طبقنا هذه القاعدة على دولتنا الفتية فإننا نجد أن عمرها الخمسيني لم يصل سن النضوج حتى يتدرج في الهرم العمراني فهي قد عاشت في هذا العمر القصير مراحل متباينة: بين البداوة, والاستعمار, ودولة المدنيين, ثم العسكريين ثم الحالة الراهنة..
إننا نعانى أزمة حقيقية في الذات فمواطن الأزمة موجودة في الضمير وفي علاقته مع الواقع، وهذا يعني أن الأزمة تتصل بتفسير المشاكل أكثر من اتصالها بطبيعتها، فهي ليست أزمة في الوسائل وإنما في الأفكار..
إن دولة تهمش العلوم والثقافة وأهلها، فإن زادها غير كاف لمواجهة حضارة ساحرة الإغراء كثيرة الأحابيل، ولمواجهة هذه المدنية القادمة لا محالة، يجب علينا ابتكار نماذج جديدة للتغيير تنسجم مع عقيدتنا، وأهدافنا، وعقلنا الجمعي الإيجابي، وتستوعب طبيعة التحديات المتصاعدة..
وبانتخاب الرئيس المقبل الذي سيهتم لا محالة بالثقافة والعلم وفي ظل التناوب السلمي والديمواقراطي في عالم متقلب سنعبر لا محالة الى التنمية والازدهار وسيتنفس المثقف الموريتاني الصعداء!

عودة للصفحة الرئيسية