عندما يدخل كان بهوية صنبا تيام (2/3)

"افلام" ضد الزنوج خيانة الهوية و المتاجرة بالدماء و التآمر على المستقبل 2 – تجارة الوهم و الدماء (الحلقة الخامسة عشرة من حديث "القلب" و "العقل" في رئاسيات 2019 – 7 يونيو 2019)

الثلاثاء 11-06-2019| 13:00

محمد الأمين ولد أبتي كاتب و باحث leminebety@yahoo.fr

لقد خانت "أفلام" هوية الزنوج الموريتانيين عندما لخصتها في مقاومة التعريب و حماية الفرنسة. و أوضحت الحلقة الماضية - من خلال الجولة التاريخية التي قادتنا إلى المحطات الكبرى في تاريخ القوم - أنه لا يمكن لأطروحة أن تكون أكثر تهافتا و لا مناقضة لحقائق التاريخ و الاجتماع و الجغرافيا من مثل تلك الأطروحة.
و في هذه الحلقة نتجول معكم في بعض محطات التاريخ المعاصر لموريتانيا، لنثبت لكم أن "افلام" هي المسؤول الأول عن إراقة دماء الزنوج الموريتانيين و السنغاليين، أعوام 66 و 87 و 89 و 1990. و أنها - إذ تولت كبر ما حدث من إيقاد نار فتنة لم تعرفها البلاد قبل بياناتها الحاملة للشؤم و الحظ التعيس - بادرت إلى استغلال تلك الفتنة، و سعت إلى قطف ثمار قتل و نهب و تشريد هي من زرع بذورها، محولة المنجزات الدامية و الفاجعة لخياراتها إلى مبرر وجود و أساس شرعية.
و تمهد قراءتا الحداثة و التراث في هاتين الحلقتين، لما سنصل أليه معكم في الحلقة الأخيرة من فضح مؤامرات هذه الحركة الظلامية الهادفة إلى عرقلة "القطار السريع" للاندماج الوطني الذي استقلته المجموعات المكونة لشعبنا مباشرة بعد الاستيقاظ من صدمة الكارثة. سنكشف لكم كيف أن العض بالنواجذ على ذكريات مرة و مؤلمة، تصر "افلام" على إبقائها حية بالصوت و الصورة، على موقعها الألكتروني و في بياناتها، تحت عنوان براق هو "واجب الذاكرة"، ليس أكثر من سمسرة تجارية يراد بها استبقاء غلة حصاد أرواح و دماء الأبرياء، الذين تريد "افلام" لحاضر و مستقبل أبنائهم - وللوطن كله - أن يظلوا رهائن للماضي الكارثي. كما لو أن النسيان و البدء من جديد لم تكن واحدا من الخيارات الضامنة لاستمرار الحياة.
تقوم "افلام" بهذا النوع من "تجارة الذاكرة" و "تحنيط المآسي" و "مقاومة التقدم"، و الحرص اليوم على الصيد في المياه العكرة و فرض هذه القضايا على النقاش الوطني في رئاسيات 2019، الذي تنتظر منه القطيعة مع نكسات الماضي - تقوم هذه الحركة الرجعية بذلك - في وقت نجد فيه نخبة و شعب روندا - التي عاشت اكبر حرب أهلية عرفت قتل ما لا يقل عن 500000 شخص في أيام قليلة - تعمل على القطيعة مع ماضيها، و رفع الرأس عاليا، لغزو الفضاء بقمرها الصناعي الخاص.
الدرجة صفر من الاصطفاف العرقي:
هل عرفت موريتانيا في تاريخها أو حاضرها ممارسات منهجية أو موسعة من التميير العنصري ضد الزنوج في الإدارة أو في أوساط الجماهير على نحو يبرر قيام هيآت نظامية لمكافحة العنصرية ؟
الجواب هو لا بالنسبة للتاريخ، و لا بالنسبة للحقب المعاصرة، و بصفة قاطعة خالية من التردد.
لنبدأ من التاريخ. و في هذا السياق لابد من التوضيح أن "القتل و القتال" و معارك السحق المتبادل كانت الواقع المهيمن في العلاقات بين المجموعات المكونة للبلد و البلدان المحيطة، غداة وصول المستعمر. لكنني أتحدى من يجد لي في تاريخ "حرب الكل ضد الكل" هذا، حربا واحدة يمكن وصفها بأنها حرب عرقية بين الزنوج و البيظان. لكنكم ستجدون عشرات الحالات التي قاتل فيها "بيظان" "بيظانا" آخرين بالتحالف مع "زنوج"، و التي لجأ فيها "زنوج" إلى "بيظان" لحمايتهم من "زنوج"، مدعومين أو غير مدعومين من "بيظان" آخرين.
و رغم أن الأمر يتعلق بظواهر أوسع انتشارا من أن تبرر بأمثلة محدودة، نقدم هنا أمثلة لها دلالة خاصة:
- أولا، فيما يتعلق ب"السوننكي" : هذا الشعب يبدو أنه بعد "مملكة غانا" قد تخلى عن فكرة بناء الممالك و الإمارات أو "الإمامات" التي نجدها لدى "البولار" و "الوولوف". و قد جعل ذلك منه مجتمعا ذا تنظيم اجتماعي قوي، هو ما يؤطر تعاطيه مع المجال السياسي و تنسيقه مع العالم الخارجي. لقد اعتمد "السوننكي" نظام "القرية - الدولة". و كل قرية لها شيخ يدعى ال"جنكري" و مجلس للحل و العقد. و علاقات القرية مع القرى الأخرى من "السوننكي"، او مع النظام السياسي للإقليم - سواء كان إمارة أو إمامة أو إدارة فرنسية استعمارية أو إدارة وطنية حديثة - ترسمها السلطات المحلية التقليدية للقرية. و ما يزال هذا التنظيم الاجتماعي الموجه للمجال السياسي و الاقتصادي مؤثرا بقوة حتى يومنا في قرى و تجمعات السوننكي في بلادنا و في السنغال و مالي، كما في بلاد في المهجر.
و قد ساهم في تدعيم هذه اللامركزية القائمة لدى القوم واقع كونهم ظلوا مالكيين قليلي التأثر بالصوفية. هنا لن نجد "انبراطورية تيجانية" كتلك التي نجدها مع الحاج عمر تال. و رغم ميلهم إلى اعتزال المعارك حول السيادة على المجال الإقليمي العام، نجدهم يناصرون الشيخ حماه الله في حربه ضد المستعمر الفرنسي. و لا نجد أي تمييز في علاقتهم بالمجموعات الأخرى بين زنجي و بيظاني.
- أما عند ال"وولوف"، فالمسألة كالشمس في واضحة النهار. هذه المكونة في السنغال - بلدها الأم - كما في موريتانيا تتميز بالانفتاح على الآخر و ضعف العصبية الداخلية. هنا نجد فرقا جوهريا بين الوولوف من جهة و السوننكي و البولار من الجهة الأخرى. فالمجموعتان الأخيرتان تتميزان بسيادة الزواج الداخلي و قلة الانفتاح على العرقيات الأخرى. أما الوولوف فليسوا إثنية متجانسة و إنما خليطا من إثنيات متعددة. و لعل هذا ما يفسر ظاهرة الاندماج المتبادل بقوة بين "البيظان" - المعروفين ب"نار" في "الوولفية" - و بين الوولوف في الضفتين. و تقدر أعداد ال"وولوف" من أصول بيظانية في السنغال بقرابة المليونين، يتكلمون "الوولفية"، و لا تعرف "الحسانية" منهم إلا قلة قليلة.
و ذلك كذلك هو الذي يفسر زواج أشهر أمراء "ترارزة" محمد لحبيب ولد أعمر عام 1833 من الأميرة "جنبت أمبودج" إبنة أمير والو، و ما ترتب على ذلك الزواج من وحدة الإمارتين، تحت قيادة محمد لحبيب، رغم المعارضة القوية للحاكم الفرنسي في السنغال. و لو أردنا أن نجمع لكم الشواهد التاريخية و المجتمعية على زواج الأمراء و اندماج الشعبين في "اندر" و "انجاكو" و "كرمسين" و "روصو" و"أنتيكان" و مختلف مدن و قرى الضفتين في هذه المنطقة، لما كفتنا إلا مجلدات. لكننا ندعوكم إلى زيارة تاريخ "ولد ابن المقداد"، و تاريخ مشايخ القادرية و التيجانية في الضفتين لتروا بأم أعينكم. كما ندعوكم إلى زيارة مدن "النمجاط" و "طوبا" و "تيواون" و "كولخ" - كلا في موسمها الصوفي السنوي - لتروا بأم أعينكم كيف تختفي الحواجز و المسافات، حتى الوصول إلى "المسافة صفر" بين "الوولوف" و "البيظان"، التي تختفي في ظلها نهائيا الحدود السياسية بين السنغال و موريتانيا.
- أما حالة "الهالبولار"، فهي التي سنتوقف عندها أكثر، لأن هذه المكونة هي التي ينتمي إليها "صنبا تيام" و الأكثرية من قادة "افلام"، و هي مكونة المرشح "كان"، رغم إنها أكثر المكونات الزنجية ارتباطا و تمازجا في الماضي كما في الحاضر، مع "البيظان" او ال"تاباتو"" كما يسمونهم شعبيا.
هذا التقارب يفسره من ناحية تأصل الارتباط بالثقافة الإسلامية و العربية عند هذه المجموعة، و كون بعض مجموعاتها - و الفلان على وجه الخصوص - يصل التماهي بينهم و بين البيظان في نمط العيش و التنظيم الاجتماعي درجة قصوى. و الكثير من المؤرخين يذهبون إلى القول بالأصل الحميري للبولار. لكننا نحن بفعل ضعف إيماننا بمقولات الدم و العرق و نقاء الأصول العرقية على النحو الذي يفكر به "تيام" و مؤرخه السنغالي الذي تحدثنا عنه في الحلقة الماضية، سنهتم بمستوى مختلف.
لنقل إنه إذا كانت ثمة مجموعة إفريقية لا يجوز لها الحديث عن الانفصال الجهوي أو الإقليمي فلن تكون سوى البولار. نحن أمام شعب "رحالة" لا يعرفون قرارا، و ليس لهم وطن. شعب في سفر و ظعن بلا نهاية، عبر البيد و الفيافي وراء الوطر، من كلأ و مرعى و ما أشبه، كما قال شاعرهم و أمير شعراء زمانه "تشارن حامد" :
يا غاديا تركب الأهوال و الخطرا و تطلع البيد كيما تدرك الوطرا
يقول المفكر السنغالي محمد سعيد باه عن الهالبولار : "نجد شريط ديارهم يمتد من عرض الصحراء مخترقا السهل كله و ملامسا شطآن بحر الظلمات، و متناثرا في حوض أتشاد إلى شط النيل و قرب البحر الأحمر .. ساعة نسير في هذا الخط المتعرج لحركة هذا الشعب المنتجع، سنلتقي به في هجرات متعاكسة و حاشدة تكاد تتخذ - في الفترة التي أعقبت ظهور الإسلام على الأقل - من ضفاف الصحراء الكبرى و أحواض نهري السنغال و النيجر قاعدة له. وهم ينطلقون و يثوبون إليها وفق ما استجدت فيهم أو حولهم من الأوضاع مستفزة أو جالبة، على شاكلة نزوحهم من وادي نهر السنغال إلى بلاد "ماسين" مرة، و إلى مرتفعات "جالنغ"، التي أطلقوا عليها اسم بلادهم "فوتا"، ليتخذوا من بلاد ماسين منطلقا جديدا للهجرة نحو بلاد "الهوسا" و ما وراءها".
هذا شعب بلا وطن، لا يشبهه في ذلك إلا "بنو هلال" و فرعهم الموريتاني "بنو حسان"، و هم مكونة مركزية ضمن مكونات "البيظان". و تماما كما أن "الهالبولار" مزيج شعوب متعددة - و لا عار في ذلك - فإن البيظان مزيج شعوب عربية و أمازيغية و إفريقية، و لا عار في ذلك. و الطريف أن "أفلام" التي تقدم نفسها كتيار يقود النضال ضد العنصرية، تستخدم مصطلح "المجموعة العربية - البربرية" Arabo- Berbère في وصف "البيظان" بطريقة تحوي نظرة عنصرية ضد البربر. و هي نظرة معيبة نجدها أحيانا في ثنايا خطابات بعض القوميين العروبيين، الذين يريدون ل"صنهاجة" و "لمتونة" و القبائل العظيمة المماثلة أن تقصى من تاريخ البلد. و ماذا يبقى للبيظان أو البولار مما يمكن الفخر به إذا تخلصوا من علاقتهم بأبي بكر بن عمر و يوسف بن تاشفين.
الخلاصة في هذا المجال أن مستوى التشابه و التقارب بين البولار و البيظان - مقارنة بحالة السوننكي و الوولوف - هو الأعلى. و نجد أن الكثير من أسر البولار في فوتا يمدون شجرة أنسابهم إلى النبي صلى الله عليه و سلم أو إلى بعض الصحابة و التابعين. تلك هي حال أسرة أمير المؤمنين "عبد القادر كان"، الذي يمتد نسبه إلى النبي العربي الهاشمي، و هل من عروبة أعلى من عروبة بني هاشم.
و في هذا السياق أسجل ملاحظة من تجربتي الشخصية. إن المناطق التي كانت تحت الوصاية طويلة المدى للدولة الإمامية "فوتاتور"، تتميز بحالة منقطعة النظير من التمازج العرقي بين البيظان و البولار و لحراطين. انظر حالة "بوكي". لكن انظر بصفة خاصة مناطق "لكصيبة" و "مونكل" و "انبود" و "انجاجبني"، و معها مختلف مناطق التماس بين لبراكنة و كوركل و كيدماغا و لعصابة، حتى حدود الطنطان بالحوض الغربي. لقد لفت انتباهي خلال زياراتي للجهة، تقارب البشرة بين مختلف الأعراق، و كون الغالبية يتكلمون الحسانية و البولارية بطلاقة، و كون الأنساب و القرابات بين قبائل و أعراق المنطقة تمتزج بصفة أعلى مما هو موجود في بقية مناطق البلاد.
و إذا كان السياسي لا يكفي لتفسير الاجتماعي فلا أقل من أن يكون مؤشرا مهما في التحليل السوسيولوجي، تتأكد مصداقيته في الحالة التي يقع فيها حافر السياسي على حافر الاجتماعي. لقد وجدت في خريطة علاقات الحرب و السلم و التحالف بين إمامة "فوتا تور" و جوارها من الإمارات الحسانية من جهة و من الممالك و االإمامات الزنجية من الجهة الأخرى، الأدلة الصارخة على تهافت مقولة الصراع العرقي بين البيظان و الزنوج في موريتانيا.
خذ هذه الأمثلة الناسفة لكل دعوى بوجود اصطفاف عنصري بين الزنوج و البيظان في التاريخ :
1 - كان هنالك حلف إستراتيجي بين عائلة "الديانكوبي" الحاكمة في "فوتا" و بين إمارة الترارزة. و قد تسمى بعض أعيان الترارزة باسم الأمير الفوتي الدنيانكوبي"بوبكر سيره". و كان ل"أترارزة" نفوذ قوي داخل فوتا في ظل حكم هذه العائلة. و في عام 1721 أطاح أعلي شنظورة و جيشه ب"بوبكر سيرة" و تم تنصيب "الساتيكي بوبو موسى" مكانه زعيما لفوتا تور و حليفا ل"أعلي شنظورة".
2 - ثورة الفقهاء أو العلماء بقيادة الشيخ سليمان بال، قامت على أفكار مشابهة لأفكار الإمام ناصر الدين الذي أجهضت حركته من طرف بني حسان. و قد قاد "بال" الثورة ضد حكم "أسرة ديانكوبي" و كذلك ضد غرامات بني حسان. لهذا عندما حققت الثورة نصرا أوليا على الأسرة الحاكمة استنجدت الأخيرة بالأمير محمد الحبيب الذي أرسل جيشا داعما تمكن من هزيمة جيش الفقهاء في المعارك الأولى. و تواصل دعم الترارزة للسلطة القائمة، إلى أن تم حسم المعركة بالنهاية و الإطاحة بالمملكة و قيام الدولة الإمامية.
3 - تميز القرنان 18 و 19 بالتحالف بين إمامة "فوتا تور" و إمارة "أولاد عبد الله" في لبراكنة،. و قد قوي هذا الحلف في عهد الخليفة عبد القادر كان. و يعتبر هذا التحالف العامل الحاسم في قلب توازن القوة بين إمارتي لبراكنة و الترارزة في مرحلة معينة. و في سياق هذا التحالف أرسل "كان" كتيبة تتكون من 400 مقاتل بقيادة "تمسيرو آمادو همات وان"، لدعم لبراكنة في عهد الأمير أمحمد بن المختار بن آغريشي، في المعركة المعروفة ب"يوم انكرين" ضد الترارزة 1786. و قد قتل في ذلك اليوم الأمير اعلي الكوري بن اعمر ولد اعلي شنظورة، على يد فلاني فوتي.
4 - من عجيب الأقدار- و من بين الأمثلة الأكثر دلالة على تهافت نظرية وجود عداء و ممارسات عنصرية بين البولار و البيظان - مسار "الألمامي عبد القادر كان" إلى قدره المحتوم. "كان" خلعه قواد جيشه و هو غائب لشدة تعبهم من المعارك مع الممالك الأخرى، و ذلك ضمن تداعيات ميل توازن القوة لصالح أعداء "فوتا تور"، بعد تحالف زعيم مملكة "بوندو" التكرورية الألمامي أحمد عيستا و زعيم مملكة "كارطة" البنبارية. هنا لجا "كان" إلى "خاي" طالبا حماية زعيم مملكة "خاسو". لكن الأخير ما فتئ أن أبعد الألمامي عبد القادر من بلاده، خوفا على مملكته. لم يجد "كان" عندها ملجأ إلا "حلة الترارزة" أعداء الأمس. و كان لجوءه إلى حمى الترارزة في عهد الأمير أعمر ولد المختار. لكنه قرر بمبادرة ذاتية التخلي عن اللجؤء و مواجهة الأعداء في الميدان. و ما إن وطئت أقدامه أرض "فوتا تور" حتى وصل الخبر إلى الأعداء، الذين حاصروه حصارا محكما، وقتله زعيم مملكة بوندو الألمامي أحمد عيستا بيده، ثأرا لأخيه الذي كان المامي عبد القادر قد قتله.
4 - تعتبر نكبة أمير المؤمنين عبد القادر كان و "فوتا تور" على يد تحالف من "بنبار" و بني العمومة من "البولار"، اكبر نكبة عاشتها الجماعات السياسية البولارية، و قد تبعها تسفير و لا تسفير 1989. و تبعها بيع الأبناء عبيدا كحالة "عمر بن سعيد الفوتي" المتوفي عبدا بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1864. و عرفت تشريد الزعماء، الذين مات بعض أشهرهم في المنافي، كحالة الحاج عمر تال الفوتي الذي قتله جيش من بني عمه فلان "ماسينة" و حلفاءهم من الأمازيغ. لقد حاصروه في جرف مرتفع من جبل "دكنبري" بمنطقة ماسينة في مالي، و لما عرفوا أن لديه كمية من دقيق البارود تسمح له بمواجهتهم طويلا أشعلوا عليه النار، فمات مختنقا بالدخان يوم 12 فبراير 1864، و هي نفس سنة وفاة سميه تحت نير العبودية ب"كارولينا".
نكبة فوتا تور على يد أبناء العمومة، لا تشبهها إلا النكبات الحديثة للبولار في غينيا كوناكري من عهد "شيخو توري" إلى أيامنا هذه، و نكبات "الفلان" في مالي أخيرا، و التي توجت نكبات أخرى واجهتها هذه المجموعة في العديد من دول القارة السوداء، التي لا وجود فيها للبيظان. و لا شك عندي أنهم لو كانوأ موجودين هناك لآووا البولار تماما كما آوت إمارة الترارزة عبد القادر كان - الذي قتل جيشه أميرها - رفقا بعزيز قوم ذل، و حمية للعظماء وقت الشدة.
66 بيان ال19 في مزبلة النسيان :
ذلك هو واقع التاريخ و الجغرافيا و المجتمع منذ وقت بعيد، فهل تغيرت الأحوال مع ميلاد الدولة الحديثة ؟ هل حل التمييز العنصري محل التعايش السلمي و التضامن المجتمعي و التحالف السياسي و العسكري بين البيظان و الزنوج في موريتانيا ؟ هل عرفت موريتانيا قيام نظام للفصل العنصري على النمط الجنوب إفريقي "لابارتيد" بالمعنى الذي نجده في بيانات القوميين الزنوج منذ 1966 ؟
لقد وجدنا في بيانات القوميين الزنوج ما يكفي لإثبات عدم وجود التمييز العنصري في موريتانيا قبيل الاستقلال و فيما بعده. خلصنا من "قراءة - قراءة التاريخ" وفقا لرؤية القوميين الزنوج، أنه قبل و خارج بياناتهم لم يوجد وعي و لا إحساس بوجود التمييز العنصري لدى النخبة و الجماهير من الزنوج :
1 - في بيان السياسة العامة ل"أفلام" الصادر في مارس 2008، تعترف الحركة بأن تلك الجماعة القليلة التي قدمت نفسها عام 1951 تحت اسم "الإتحاد العام للمنحدرين من حوض النهر"، و طالبت بالحكم الذاتي في سياق الفيدرالية، قد منيت بالهزيمة الانتخابية. و يضيف ذات البيان أن تلك المجموعة كانت أقلية في مؤتمر ألاك عام 1958. و في ذات البيان تم الحديث عن المقرر 139 ليوم 24 مايو 1954، الصادر عن الحكومة الاستعمارية، بخصوص فرض تعميم تعليم اللغة العربية في عموم البلاد، دون الإشارة إلى قيام أية مظاهرات أو احتجاجات ضد هذا الإجراء.
2 - منشور التسعة عشر لعام 66 يتضمن فقرتين تنسفانه من الأساس. يقول البيان : "من المدهش أن لا يرتفع أي صوت في أوساط النخبة و المسؤولين السود للاحتجاج ضد هذا القرار - يقصد قرار فرض اللغة العربية في التعليمين الأساسي و الثانوي - الذي يمس بالمساواة بين المواطنين". و عندما يشعر محرروا البيان بالحاجة إلى استخدام لغة التهديد و الإرهاب ضد كوادر الزنوج الذين لا يقبلون الانجرار وراء برنامجهم، فإن في ذلك دليلا على أن القناعة غير قائمة بهذا المسار عند تلك الكوادر. نجد في بيان ال19 تحذيرا ل"كل مسؤول اسود يتبنى مواقف مضادة لمصالح السود".
3 - تصريحات المرحوم يوسف كويتا على هامش النقاشات الساخنة داخل الحكومة و الحزب حول أحداث 66 و بيان ال19 تعتبر و ثيقة دالة على أن البيان جزء من خطابات مثقفين ليسوا على اتصال بالشعب. تقول تلك التصريحات وفقا لما نجده في مذكرات المختار ولد داداه : "لا تنسوا أن أباكم هو موريتانيا، و أن أمكم هي موريتانيا، و أنكم إنما جلستم هنا لمصلحة موريتانيا". و يقول : "إن الشعب الموريتاني الذي لا ناقة له و لا جمل في خصومات المثقفين التي بدأت تهزنا، يسمع و يرى و ينتظر قرارات تعزز الوئام الوطني و توطد وحدة الوطن الموريتاني، و علينا أن لا نخيب أمله".
كيف يمكن تفسير أحداث 1966 و إضراب التلاميذ المتفرنسين و بيان الأطر الزنوج التسعة عشر ؟
بداية لابد من التذكير بأن الوقت كان مبكرا جدا في حياة البلاد، و أن شرعية وجود و بقاء الدولة ما تزال مهزوزة، وان أعداء موريتانيا كانوا أقوى من أصدقائها في المحيط الإقليمي. و الهم المركزي في ذلك الوقت - لمن له أدنى ذرة من المسؤولية الوطنية - لم يكن سؤال الهوية الثقافية أو القومية و إنما سؤال : "أن نكون أو لا نكون". يومها كنا "أضيع من الأيتام على مأدبة" قادة دول الجوار الذين يتربصون و يتحينون الفرص للتقاسم.
و على عكس ما نقرأ في بيان ال19، أستطيع القول إن من يسمون يومها بالمعربين كانوا بعيدين و بعيدين جدا من الهيمنة و فرض النفوذ. بل الأصح أن نقول إنهم كانوا بالكاد يطمعون بالاستقبال في مكاتب الدولة، أحرى أن يتطلعوا إلى السيطرة على الإدارة. كان المعربون و كان "معلم العربية" رمزا للبداوة و التخلف، في وعي القائمين على الإدارة العمومية، التي كانت متفرنسة مائة بالمائة، و زنجية في أغلبية كوادرها التي تحتل المناصب الإستراتيجية. و يمكنك القول إن الكوادر السامية من الزنوج كانت من المتجنسين أكثر مما كانت من السكان الأصليين، و للمسألة ما يبررها ما دام السكان الأصليون زنوجا و بيظانا في بداية مسارات التمدرس.
في تلك السنة إذا كان ثمة من فئة لها الحق في المطالبة بالإنصاف و عدم التمييز فلن تكون سوى المعربين. و لا شك عندي أن تحرك التلاميذ المتفرنسين كان من جهة طفيفا، و أنه عرف مشاركة متفرنسين بيظانا من جهة أخرى. و إنما يكون ذلك كذلك لأن كثيرا من هؤلاء الأخيرين كانوا متعصبين ضد التعريب، أكثر ربما من المتفرنسين الزنوج.
عدد قليل من التلاميذ تحرك - أو "حرك" - في وطن لم يجف بعد حبر وثيقة استقلاله، ذلك هو السياق الذي نزل فيه من السماء "بيان الأطر الزنوج التسعة عشر". نزل من السماء إذ أن هذه الأرض التي رأينا حاضرها بعد زيارة ماضيها لن تنبت بالتأكيد مثل ذلك الزرع.
في بيان ال19 نقرأ: "نفكر منذ الآن في مراجعة القواعد أو مبادئ التعايش بين المجموعات السوداء و البيضاء، بالنظر إلى أننا نعيش في الوضع الحالي التحكم التام في كل قطاعات الحياة الوطنية من طرف عرقية البيظان". خطاب لا علاقة له بالواقع، يثير بشكل حاد مخاوف حول موضوع لا يشكل أية أولوية بالمقارنة مع توطيد أركان "أمنا و أبينا موريتانيا"، كما ردد المرحوم يوسف كويتا في تلك الأيام. و يتأكد ذلك إذا عرفنا أن الأمر يتعلق بتحرك سياسي شبيه بالعمل الإرهابي، للاعتراض على قوانين صادرة عن الجمعية الوطنية، تطبيقا لنصوص معتمدة منذ الخمسينات دون احتجاج من أي طرف.
بالإمكان فهم التحرك العاطفي لبعض التلاميذ المتخوفين من نتائج ضعيفة في الامتحانات. و بالإمكان كذلك فهم صدام أعمى بين وكلاء التلاميذ الذين وصلوا إلى الإقامات الداخلية لسحب أبنائهم، فوجدوا أمامهم شائعات مغرضة حول سلامة هؤلاء الأبناء. لكن ما لا يمكن فهمه هو صدور بيان طويل و مركز و مصاغ بتأن كبير، يخرج بالموضوع عن سياقه التربوي و يحوله إلى قضية سياسية و عرقية. بيان يطالب بعزل حكام مقاطعات الجنوب و مسؤولي الشرطة و الدرك فيها و تعيينهم جميعا من عرقيات محددة.
لا أستطيع تجنب الاشتباه بوجود يد السفارة الفرنسية وراء صياغة البيان و المعلومات المفصلة حول أشخاص الإدارة و الأمن و البرلمان و البلديات. و كون الأحداث تم تصعيدها في غياب الرئيس في مهمة في مالي، مع محاولة ثنيه عن الهبوط في مطار نواكشوط تحت دعوى وجود خطر عليه - الشيء الذي رفضه - إنما هي معطيات تعزز هذا الاشتباه. و هل ثمة في تلك الأيام جهة تمتلك القدرة و الجرأة على مثل ذلك سوى السفارة الفرنسية.
لقد كانت فرنسا المستعمر السابق الضامن الأوحد لبقاء البلد في مواجهة أطماع دول الجوار. و كان المختار ولد داداه خيار الفرنسيين، لكنه كان في تلك الفترة ينتهج سياسة مستقلة. و كان مستوى استقلالية المختار في تصاعد لم يكن مقبولا عند الفرنسيين، الذين لم يكونوا مستعدين حينها للإطاحة بالرجل، لكنهم قرروا توجيه رسائل تأديبية و تحذيرية له، مع السعي بطرق مختلفة لثنيه عن تلك الاستقلالية.
مما هو مؤكد أن السفارة الفرنسية كانت متحكمة في مختلف الأطراف في السلطة. و لم تخف نشاطها المحموم بعد مصادقة الجمعية الوطنية على قوانين إجبارية اللغة العربية في المرحلتين الابتدائية و الثانوية، لعرقلة تطبيق تلك القوانين. لقد طلبت السفارة الفرنسية من الرئيس منع محمذن ولد باباه - وزير التهذيب الوطني حينها - من إلقاء خطابه بالعربية، و لما ألقاه بتلك اللغة طالبت باعتقاله مباشرة بعد الخطاب. لكن المختار تجنبا للمواجهة المفتوحة مع فرنسا اكتفى بنقله إلى حقيبة الدفاع.
و السفير الفرنسي - الذي كان نشطا أيام الأحداث - عرض التدخل العسكري لإخمادها على الرئيس، لكن المختار فضل الحل الوطني، بإقالة الوزيرين اللذين كانا نشطين في المواجهة حول الملف داخل الحكومة، كما أوقف قيادات الطرفين الذين اصدرا بيان ال19 و البيان المضاد باسم التلاميذ و المعلمين العرب. و يعتبر واقع انهيار واختفاء الدعاية الإيديولوجية لحركة ال19 لعام 1966، بمجرد تمكن المختار ولد داداه من احتواء الموقف الأمني و السياسي بالحنكة و بالإجراءات الأمنية التي اتخذها ضد الطرفين القوميين، دليلا على ن الأمر يتعلق ببساطة بتفريع من تفريعات التحرك الفرنسي.
لكن هذه القراءة لأحداث 1966 و الحراك القومي الزنجي و العربي فيها تستدعي ملاحظات ثلاث :
- الملاحظة الأولى : هناك ضرورة للتمييز بين الطرح القومي العربي الذي يظهر عند سميدع و بدر الدين و قيادات أخرى بارزة في تلك المرحلة احتجاجا على بيان ال19 و مطالبة بتطبيق قانون التعريب من جهة - و هو الذي اختفى من فكر هؤلاء ليصبحوا من اكبر معارضيه بعد 1968 - و بين الطرح القومي العربي الذي سيظهر لا حقا و يستقر إيديولوجية رسمية لدي الناصريين و البعثيين.
لم تكن القومية العربية عند عبد الناصر و مؤسسي البعث - ما قبل صدام حسين - مرتبطة بأي صراع عرقي مع القوميات الأخرى التي تتقاسم المواطنة و الجوار الإقليمي مع العرب. لقد كان عبد الناصر في مرحلة معينة رمزا من رموز التحرر في العالم الثالث، و كان يلتقي في ذلك مع الأفارقة و الآسيويين و الأمريكيين اللاتينيين و الأوربيين الشرقيين. و في موريتانيا التي تأثر عدد من نخبتها بعبد الناصر - بمن فيهم المختار ولد داداه - لم يكن شعار التعريب سلاحا في مواجهة القوميين الزنوج و الأعراق غير العربية.
لقد كان التعريب - وفقا لما شرحناه سابقا ضمن هذه السلسلة - مثله مثل مطالب تأميم "ميفرما" و إنشاء العملة الوطنية جزءا من النضال لاستكمال مشروع الاستقلال. و لا ننكر أن الأمور تحركت في نهاية السبعينات و في الثمانينات بتصاعد مأسوف عليه نحو تحويل القومية العربية في موريتانيا إلى إيديولوجية "بيظانية - عنصرية"، و إلى خطاب تبريري للعنف العنصري ضد الزنوج. و هو توجه سيبلغ ذروته في سياق رد الفعل غير المتوازن للسلطة و أجهزتها الأمنية على المحاولة الانقلابية لعام 1987 و أحداث ابريل 1989.
- الملاحظة الثانية : في ظل عدم توفرنا على أدلة فإننا لا نتهم قيادة مبادرة إعداد و نشر بيان ال19 بتلقي الأوامر للقيام بما قامت به من السفارة الفرنسية. لكن لدينا اعتقادا راجحا بأن الفرنسيين ساهموا في تزويد المجموعة بالمعلومات الإستخباراتية حول أشخاص الإدارة الحكومية، على النحو الذي مكن من إعداد الجداول التي قدموها لتبرير دعاواهم بوجود تمييز عنصري ضد الزنوج. و لا نقول بان أفراد المجموعة كانوا على صلة بالمصالح الفرنسية. بل الأرجح أن العدد الأكبر من أفراد المجموعة خدموا المستعمر دون أن يشعروا بذلك. و ذلك ما يفسر التراجع العام لأفراد المجموعة و اندثار الإيديولوجية القومية الزنجية في تلك الفترة.
بالمقابل، لابد إنصافا من التذكير بأن "القومية الزنجية الإفريقية" واحدة من الحركات الرائدة في مقاومة الاستعمار و بناء الوحدة الإفريقية، في سياق نظرة لإفريقيا متحررة من التمييز على أساس اللون و العرق و اللغة و الديانة، بقيادة أعلام من مثل "كوامين كروما" و "نيلسون مانديلا". و هذه الإيديولوجية استلهمت خطاب مفكرين عظام، منهم "مارتن لوثركنغ"، الذي سنستعيد ذكراه و جانبا من فكره و تجربته النضالية في الحلقة القادمة من هذه الدراسة. و هو زعيم نعتبر أن القوميين الزنوج في موريتانيا قد خانوا رؤيته و منهجه النضالي، رغم أن حركتهم عام 1966 كانت معاصرة لحركة الحقوق المدنية بقيادة "لوثركنغ"، و لا يفصلهم عنه إلا الحاجز البسيط لمياه الأطلسي.
و في وقت كان للعرب، أفارقة كانوا كعبد الناصر و القذافي و القادة الجزائريين، أو غير أفارقة كقادة الخليج العربي، دور مركزي في بناء الوحدة الإفريقية و دعم التنمية في إفريقيا، نجد القوميين الزنوج في موريتانيا يبنون خطابهم - و منذ اللحظة الأولى - على أساس عنصري معاد للعرب و للثقافة العربية، معتبرين بطريقة دجماتية غير قابلة للنقاش، أن كل دعاية عروبية هي دعاية بيظانية تصفوية للزنوج. لقد قرروا غض الطرف تماما عن واقع كون معظم الدول العربية تحالفت مع السنغال ضد موريتانيا خلال إحداث 89، و كون العرب هم الممول الأكبر لكل من منظمة الوحدة الإفريقية و الإتحاد الإفريقي، و كون جنوب إفريقيا - و هي الدولة القائدة للكفاح التحرري للسود الأفارقة - ظلت و ما تزال الدولة الرائدة في دعم القضية الفلسطينية، و هي قضية العرب الأولى.
- الملاحظة الثالثة : سنتين بعد صدور بيان 66 للقوميين الزنوج، سنجد أن شخصيات بارزة من موقعي البيان و معهم قيادات رئيسية في حركة التلاميذ المدافعين عن التعريب، سينخرطون معا في دعم و تأطير احتجاجات العمال في "ميفرما" في سياق ما سميناه سابقا ب"ربيع الكادحين". أنظر مثلا حالة "دفا بكاري" من موقعي بيان ال19" و سميدع من المجموعة العربية من قادة الحراك الداعم لتطبيق قانون التعريب، و الذي تحدث باسم التلاميذ المؤيدين لذلك القانون و الرافضين لبيان ال19 خلال زيارة الرئيس المختار للثانوية الوطنية. سميدع هو الرمز التاريخي للكادحين و "بكاري" من أبرز قيادات الحركة الوطنية الديمقراطية التي ولدت في "توكومادي عام 1968، و سيصبح ممثلا لهذه الحركة في حكومة ولد الطايع الأولى.
في ذلك دليل على أن النضال الاجتماعي و التحرري وحد الجميع، و قاد البيان العنصري لمجموعة "ال19" إلى جزيرة النسيان و مزبلة التاريخ. و هذا المصير الذي ألت إليه الدعايات القومية الزنجية و العربية للعام 66، بفضل صعود اليسار الأممي، و سيادة المطالب الاقتصادية و الاجتماعية العابرة للأعراق، و العودة القوية للوعي التحرري المعادي للسيطرة الفرنسية على "ميفرما"، دليل على أن هذه الحركة بدون جذور و قواعد شعبية، و أنها لم تكن أكثر من فقاعة رعتها لوبيات في قمة الهرم السياسي بدعم من السفارة الفرنسية. و هل تستحق الأوهام الشريرة المعادية لاستقلال الوطن و للتعايش السلمي بين أبنائه شيئا آخر غير الرمي في "مزابل النسيان التاريخي".
بيان الزنجي المضطهد و إعلان الحرب الأهلية :
عرفت ثمانينيات القرن العشرين تصاعدا في مد الإيديولوجية القومية العربية في موريتانيا، كما في العديد من البلدان العربية. و قد تميزت الموجة الجديدة من القومية العربية - التي تولت قيادتها عراق صدام حسين من جهة و ليبيا القذافي من جهة أخرى - بالتركيز على مسألة الأمن القومي العربي، في سياق مشروع وطن عربي اتحادي، يجمع الأقطار العربية تحت قيادة قومية واحدة. هنا أخذت القومية العربية تتخلى عن طبيعتها الأصلية كحلم مثالي بالحرية و الديمقراطية و الاشتراكية قبل أي حديث عن الوحدة السياسية و الإدارية و العسكرية، لتربطنا اليوتوبيا العربية بحلم، هذا الو طن العربي الذي يراد له أن يبدأ من الوحدة الميكانيكية للإدارة و الأمن و الجيش، قبل الوصول نحو الاشتراكية و الديمقراطية.
هنا نعبر نحو مشروع عربي لا يخفى تهميشه للقضية الفلسطينية و لمجابهة الإنبريالبية الأمريكية و الأوروبية، و منحه الصدارة لتصفية الأقليات غير العربية - الأكراد مثلا - أو غير السنية - الشيعة مثلا - مع فتح المجابهة مع الدول القوية في المحيط الإقليمي للوطن العربي، و على رأسها إيران و تركيا.
و في هذه الحقبة تم الترويج لأفكار الدفاع عن حدود الوطن العربي من المحيط إلى الخليج. و تم منح أهمية لموريتانيا كدولة تمثل الحدود القصوى لهذا الوطن العربي من جهة إفريقيا. و بقية القصة تعرفونها تنام في حضور العراق و ليبيا و سوريا على الساحة الوطنية، على نحو تم فيه اختراق أعلى المستويات في هرم السلطة و الأجهزة الأمنية و العسكرية من قبل أعوان و مريدي هذه الدول في موريتانيا.
القوميون الزنوج كانوا هناك و لم يفوتوا الفرصة - و هم الذين علمونا ضعف تحملهم للمسؤولية الوطنية التضامنية منذ فجر الاستقلال - لإعادة إخراج خطابهم حول عنصرية البيظان و حول تقسيم البلد إلى كانتونات عرقية من "مزبلة النسيان" التي تحدثنا عنها. و ما هو غريب أن القوميين العرب و القوميين الزنوج كأنما تفاهموا على الدعم المتبادل من خلال تصعيد اللهجة الهجومية المتبادلة بينهما لزيادة رصيد شرعيتهما في أوساط الرأي العام.
و ما هو أغرب أنهم كانوا يتنافسون مجتمعين مع التيارات الوطنية و الإسلامية، و أنهم تحالفوا في حالات عديدة في انتخابات الاتحادات الطلابية و النقابية ضد الإسلاميين و ضد الحركة الوطنية الديمقراطية. و لا غرو إذ أن الطرفين يعرفان أن تنامي وزنهما في أوساطهم العرقية إنما يكون بالهجوم على تلك التيارات. و لكأنما تقاسموا الأدوار، فركز القوميون العرب هجومهم على الإسلاميين و ركز القوميون الزنوج هجومهم على الحركة الوطنية الديمقراطية.
و عندما نعود إلى الأهم في سياق موضوعنا الحالي، سنقول إن "القومية الزنجية" قررت الخروج من البيات الذي دخلت فيه منذ العقدين، مستفيدة من تطرف النسخة الجديدة من الإيديولوجية العربية ، رغم أن هذه الإيديولوجية لم تصل - و لم تقارب حتى - الشكل التصفوي التي ادعت "افلام"، أن موريتانيا وصلت إليه. إقرأ لتقدير حجم انتهازية هذه الحركة، إعلان 24 اغسطس 1985 الذي خرج بلهجة عنصرية قتالية ليقول : "إن التاريخ يدعو الزنوج الأفارقة الموريتانيين إلى الصمود و المحافظة على ممتلكاتهم و إلى الاحتفاظ بأرض أجدادهم و إلى المقاومة بجميع أشكالها .. و أن يضحوا من أجل ذلك بأرواحهم".
كان ذلك على بعد شهور من اللحظة الأكثر حسما في هذا المسار، عندما أستغل القوميون الزنوج مناسبة مرور 20 عاما على بيان 1966 لمجموعة ال19، لإعلان ميلاد "قوى التحرير الإفريقية لموريتانيا". و لتوزع خارج البلاد، ما يمكننا تسميته البيان المشعل للحرب الأهلية في موريتانيا، أقصد "بيان الزنجي الموريتاني المضطهد من الحرب الأهلية ألى نضال التحرير الوطني (شباط فبراير 1966 - نيسان ابريل 1986) Le Manifeste du Negro-Mauritanien Opprimé, de la guerre civile à la lutte de libération nationale (Février 1966 – Avril 1986)
غداة نشر هذا البيان لم تكن تتداول في واقع الحال على مستوى الإدارة الحكومية و لا في أوساط الجماهير، أية ممارسات تبرر مثل ذلك الخطاب، و لا مثل تلك المبادرة. و يعتبر مصطلحا "الحرب الأهلية" و "التحرير الوطني" المستخدمان في العنوان تعبيرا عن درجة منقطعة النظير من القطيعة مع الواقع، و من محاولة فرض أوهام و كوابيس لا صلة لها به.
يقول بيان 86، عن بيان 66 منوها إلى تطور الوعي العنصري بعده : "المجموعة الزنجية الموريتانية كانت ممتلئة بأشكال الإحباط السياسي و الثقافي و الاجتماعي و الاقتصادي التي لا يمكن التعبير عنها إلا من خلال انفجار من العنق و الكراهية. اليوم هذه الأحاسيس ضربت في 100 .. و لا يمكن لأي من السود، أيا كان موقعه الاجتماعي و السياسي أن يسلم منه".
و في طرح بيان 86 لمسألة التعريب و المشكل الثقافي - و هي الثابت الرئيسي في الإيديولوجية القومية الزنجية - يتناول التعريب من حيث هو مؤامرة منهجية واعية للسحق و التصفية العرقية. التعريب هنا أداة أمنية و عسكرية في إطار حرب أهلية تصفوية. نقرأ في البيان : "مع النمو التدريجي للإصلاحات التربوية يبدو التعريب كأداة قوية للفرز أولا ثم للإقصاء ثانيا للزنوج الموريتانيين ... مع الخروج من العهد الاستعماري فإن ولد داداه بواسطة إعادة المراجعة و الإصلاحات سيقوم بالتصدي لعدم التوازن التعليمي بين البيظان و الزنوج. و بعد ذلك فإن نظامه و كل النظم المتعاقبة بعده ستعمد بصبر إلى اعتماد استراتيجية الإقصاء و التفوق على السود ... في العمق لا يوجد مشكل ثقافي و إنما هنالك نفي لوجود السود كمكونة متميزة".
بيان "الزنجي الموريتاني المضطهد" هو إعلان للقطيعة مع المواطنة، و سحب للثقة بالكامل من الحلول التشاركية بين أبناء البلد الواحد. يدعو بصراحة إلى فتح الباب لخيار القوة إذا. يقول : "المجموعة الإفريقية السوداء ... لا ينبغي أن تعتمد أو تحسب إلا على إرادتها الخاصة في وضع حد لاضطهاد نظام البيظان". و هو يحث الإخوة في اللون إلى مقاومة السحق السياسي و الاجتماعي و الثقافي "بالقوة إذا اقتضى الأمر".
و يذهب بيان 86 إلى حد إغلاق الأبواب أمام كل الحلول عدى الحل الصفري بين البيظان و الزنوج. و يشن هجوما لاذعا على الجماهير و القيادات السياسية من الزنوج التي تبحث عن حلول بديلة للتصادم. يقول البيان : "الأفارقة السود في موريتانيا، و على الخصوص قياداتهم (من سياسيين، بورجوازيين- كومبرادوريين، مثقفين و أطر إداريين ...إلخ) هم تاريخيا مسؤولون عن وضعيتهم كدونيين. لقد اختاروا في حالات كثيرة الهروب إلى الحلول السهلة بالنضال عبر العبارة : "أعي ذلك لكنني لا أملك أي حل او ما باليد حيلة".
و وصولا إلى درجة منقطعة النظير من تعليق الحلول السياسية و المدنية، يقوم البيان بوضع اللجوء إلى الطرق الصوفية و النجاح المهني و نضالات اليسار في خانة واحدة مع الهروب نحو المخدرات، يقول البيان : "أهون أن نهرب نحو : الطرق الصوفية و الورد، أو الحياد، او المهنية و أكثر فأكثر اللجوء ألى المنظمات الدولية، أو الخمر و المخدرات و العاب الحظ، أو النظريات الإيديولوجية الشاذة للحركة الوطنية الديمقراطية التي تدعي أن السؤال القومي هو سؤال جد ثانوي بالمقارنة إلى النضال العام الذي يخوضه الشعب الموريتاني ضد الإنبريالية الفرنسية".
هذا البيان التأسيسي ل"افلام" عام 1986 هو بيان حرب، و ليس مخطئا من يقول أن فيه دعوة و تحريضا على العنف الأهلي، و تحفيزا إيديولوجيا عاريا على الانقلاب العسكري، الذي لن تتأخر محاولته إلا سنة واحدة بعد توزيع المنشور على هامش القمة الإفريقية ب"أديس ابابا".
و هذا المستوى من التطرف في الخطاب السياسي لمجموعة عرفت بعدم التسامح مع وطنها حتى في احلك الظروف عام 66، و في لحظة تتميز بنجاح القيادة القطرية للبعث في نواكشوط في توطيد التواصل مع القيادة القومية في بغداد، هو ما جعل رد النظام العسكري على بيان "افلام"، اقل مدنية و دبلوماسية من الطريقة الذكية و الهادئة التي واجه بها المختار بيان مجموعة ال19.
و ما يتضح من واقع حال الطرفين، "افلام" و قياداتها المرفهة في الفنادق الغربية، و نظام ولد الطايع و من ورائه اللوبي البعثي في الحكومة و في الأجهزة الأمنية، أنهما لا يعرفان حدودا في أنانيتهما و حرصهما على المصالح الشخصية. ما يتضح أنهما بلا رحمة لهذا الشعب المسكين الذي لم يعرف يوما من حياته مثل هذا الظرف، و أنهما لا يرعيان في ربهما و دينهما إلا و لا ذمة، حيث عرف ذلك النظام بمحاربة الدين و سجن العلماء، و عرفت "افلام" بعلاقاتها الوطيدة مع اللوبيات الصهيونية في الغرب و بسخريتها من الإسلام و من لغة القرآن.
و ما دام ذلك كذلك فلا غرو أن يختطف النظام العسكري الدولة و الأجهزة الأمنية و نخبا من المجموعة العربية معه في سفينة القمع ضد القيادات و النخب الزنجية في موريتانيا، و التي لا ناقة لها و لا جمل في تحركات العنصريين الزنوج. فالأخيرون - جبنا و مكرا - أمنوا أنفسهم في فنادق المهجر، تاركين أهلهم في موريتانيا عرضة للقمع و التشريد. و لا غرو إن تتابع أفلام لعبة تتقنها و هي التصعيد اللفظي و الدعاية البغيضة للفتنة و للمقاومة العسكرية و العنيفة، مستغلة رد الفعل العنيف على خطابها العنيف، لتنشر دعوة غير مقنعة إلى اعتماد الخيارات البديلة للسياسة و للحوار و التعايش السلمي.
87 - 89 حصاد تجارة الوهم و الدماء :
تعرفون مسلسل الأحداث التي تلاحقت منذو 1986، لكننا نذكركم بها في عجالة :
- 1986 بدأ النظام الموريتاني انفتاحا ديمقراطيا في المجال المحلي، هو نفسه ليس مقتنعا به و ليس راغبا فيه، لكنه يشكل حركية باتجاه منفتح على التعددية السياسية، و على نظام سياسي يترجم إرادة الشعب.
- 86، بيان "افلام" الموزع بطريقة استفزازية في أديس أبابا، شكل خطوة غير مسؤولة و غير مبررة، وفرت للنظام فرصة لإبطاء وتيرة التسارع في المسلسل الديمقراطي، و حجة أمام قطاع كبير من الرأي العام للإقناع بخطر الديمقراطية و حرية التعبير في ظل وجود هذا النوع من المبادرات العنصرية. و في سياق رد الفعل أطلق النظام حملة اعتقالات واسعة ضد المتعاطفين مع "افلام" و المتهمين بذلك.
- 1987، سنة واحدة بعد بيان 86 الذي يعلن انسداد آفاق التعايش و الحلول السياسية و المدنية أمام الزنوج بادرت مجموعة صغيرة من الضباط و ضباط الصف و الجنود البولار، إلى الإعداد لمحاولة انقلابية، تم القبض على منظميها في المراحل الأخيرة من التحضير. و في اكتوبر 87 حملة اعتقالات واسعة في أوساط الزنوج من منسوبي القوات المسلحة و الأجهزة الأمنية. و قد تم إعدام 3 ضباط و سجن و تعذيب العشرات، مات عدد منهم تحت التعذيب، كما تم إعدام العشرات من المعتقلين على خلفية بيان "افلام" 86 و المحاولة الانقلابية الفاشلة ل87.
- 1988 - 1989، في السنغال المجاور كان نظام عبدو جوف يواجه صعوبات كبيرة، و كانت المعارضة بقيادة عبد الله واد تحقق انتصارات مدوية. و في مواجهة هذه الوضعية صعدت الحكومة السنغالية من استغلالها لملف "افلام" ضد النظام الموريتاني، تماما كما صعد الأخير من استعراضه لقدراته العسكرية المدعومة من العراق، و من الضغط على السنغال عبر دعم حكومة غانبيا و تسليح ثوار الكازاماص. و في لحظة من تصاعد التوتر بين نظامين يواجه كل منهما داخليا إلف مشكلة و مشكلة، كان الحل الأسهل بدل الهروب إلى الوراء أو الأمام الهروب نحو الخارج و نحو الحدود، لتعليق الشماعة عليها و إلهاء الرأي العام الداخلي بالمواجهة الخارجية. و كان العنصريون العروبيون و الزنوج في موريتانيا في الموعد لممارسة العمل الذي تمرسوا به من النفخ في النار و صب الزيت عليها.
- يوم الأحد 9 بريل 1989 عبرت مجموعة من سوننكي السنغال من قرية "دياوارا" و هاجمت مجموعة من فلان موريتانيا من قرية سونكو بسيلبابي و قد كان هناك عداء تقليدي بين الطرفين. قتل مهاجمان سينغاليان و احتجز 13. تم تسليم الجثتين و المحتجزين يوم الإثنين 10 بريل للسلطات السنغالية لتندلع أعمال النهب في "باكل"، و تنتقل إلى بقية مناطق السنغال. بعدها تواصل بتسارع الشريط الكارثي لأحداث 1989، بما تميز به من نهب و قتل و تمثيل بالجثث و تهجير للآلاف من أبناء البلدين الشقيقين، الذين رأينا فيما سبق من هذا العرض أنهما عمليا شعب واحد في ضفتين و تحت حكومتين.
- خطت الحركات القومية الزنجية بتشجيع من الحكومة السنغالية متجاوزة الخط الأحمر للكفاح المسلح. و تم الإعلان عن تشكيل ثلاث ميليشيات مسلحة قامت بنشاطات رمزية لكنها خطيرة و كارثية في تهديدها لوحدة الشعب و كيان الدولة. "أفلام" شكلت قوتها المسلحة التي قررت استهداف العسكريين و المدنيين معا، و اعتبرت أن المدنيين من فئة "لحراطين" هدف مشروع لثنيهم عن الولاء للدولة. و قد أعلنت هذه الميليشيا "أن الكفاح المسلح ضد نظام ولد الطايع خيار لا رجعة فيه". كما قامت "الجبهة الموحدة من اجل المقاومة المسلحة في موريتانيا" "فورام" و أغلب مؤسسيها عسكريون سابقون و هي تركز على العسكريين في الاستهداف. نجد كذلك "جبهة المقاومة من اجل الوحدة و الاستقلال و الديمقراطية في موريتانيا" "فروديم"، و قد ضمت بعض البيظان من متطرفي "الحركة الوطنية الديمقراطية".
- في مواجهة هذه الوضعية بادرت الحكومة الموريتانية إلى تسليح المزارعين و المنمين في الضفة و مناطق الحدود مع السنغال و مالي، ليستقر في هذه المناطق نوع من توازن الرعب على أساس عرقي لم تعرفه يوما. و يمكن القول إن قيام الحكومتين بتسليح المدنيين و تشكيل ما يشبه "الميليشيات المسلحة" في المنطقة يمثل حالة قصوى من انهيار الأخلاق و المسؤولية السياسيين عند النظامين، مدعومين في ذلك ب"افلام" و أنصارها من متطرفي الطبقة السياسية في السنغال و ضحايا التصفير و العنف من الموريتانيين الزنوج، والقوميون العروبيون و ضحايا التصفير و العنف من بيظان السنغال.
و بالنسبة للخلاصة التي نخرج نحن بها - و نحترم لكل خلاصاته - تعتبر "أفلام" المسؤول الأول عن حصاد سنوات الدم و الجمر 87 - 90. لقد دقت هذه الحركة طبول الحرب الأهلية و - ما تسميه زؤرا - حرب التحرير سنوات قبل دخول البلاد في هذا المسار الدامي. و يمكن القول إنها كانت جاهزة للدعوة إلى تقسيم الشعب و نشر العنف بين مكوناته منذ فجر الاستقلال.
و في هذا السياق نكتفي بعرض خلاصة ما قالته النائبة البرلمانية "خدجة مالك جلو" في تصريحها في الفلم الوثائقي المنشور على موقع افلام.
تقول "مالك جلو" : "1986 نشر بيان افلام و تبعته عملية قمع قوية. في هذه الفترة العسكريون هم من كان في السلطة، و كان النظام استثنائيا ... يرفض كل عمل أو مبادرة سياسية لا تصدر عنه هو أو لا يرعاها ... و عندما يصبح التيار السياسي مزعجا فإن النظام العسكري لا يتردد في قمعه و قمعه بشدة، و هذا ما حصل مع افلام 1986 ... 1987 المحاولة الانقلابية المحضرة من قبل بعض العسكريين من الأفارقة السود ... بالنسبة للحركة الوطنية الديمقراطية التي أنتمي إليها قامت ببث بيان في الموضوع و قمنا كعادتنا مع كل الانقلابات بالإدانة ... لكننا إنتقدنا سياسة افلام التي نعارضها ... إذ أن الانقلاب حتى و لو كان من قاموا به عسكريون فإن المماحكات التي كانت تقوم بها افلام و خطابها السياسي هي التي الهمت العسكريين الزنوج لإعطاء حل بطريقتهم للمشكل الذي يعتبرون أنه يواجه مجموعتهم العرقية ... و في هذا البيان نجد إدانة شديدة لسياسة افلام ... و لهذه المحاولة الإنقلابية التي كان يمكن أن تقود إلى ما يشبه "لبننة" موريتانيا".
و عقبت النائبة البرلمانية قائلة : "لكن البيان لم يتوقف عند هذا الحد بل تناول السياق الذي جاءت فيه هذه المحاولة الإنقلابية ... و هو سياق يتميز بصعود قوي للتيارات القومية العربية الشيفونية، و التي تصاعدت قوتها و تمكنت من خلال قنوات الدولة من النفاذ إلى الأجهزة الأمنية و الإستخباراتية و الإعلام و التهذيب ... و تم إثبات أن تلك التيارات تمثل خطرا على موريتانيا قد يكون اكبر من خطر افلام".
يتواصل أسبوعيا بإذن الله.

عودة للصفحة الرئيسية