مقترحاتُُ غيرُ تقليديّة لتعزيز الُّلحمة الاجتماعية

الثلاثاء 28-05-2019| 20:30

بقلم: محمد البشير الساس شيخنا محمدي أستاذ بجامعة ستزاسبورغ/فرنسا

انّ اللُّحمة الاجتماعية هي حجر الزاوية في سيرورة الوطن وهي صمّام الأمان لضمان الاستقرار ؛ فـبِقدر سماكتها والعناية بها يقوىٰ ويتحصّن ويتعزّز حجم تماسُك وانسجام المكونات العضوية للمجتمع تحت سقف الوحدة الوطنية وظلالها الوارفة.

لذا لا غرو أن تهتم جميع الدول بملف الُّلحمة الاجتماعية -على صعيد الإدارة العامة- باعتباره الحصن الحصين للمجتمعات وباعتبار حجم تأثير هذا الملف الاستراتيجي على "الجبهة الداخلية" التي تُمثل الركن الأهم للوقاية من كل محتملات التّصدع وكل محاولات الاختراق العدائي لاقدّر الله..


ثم إنه على الصعيد الاقتصادي وتحديداً على مستوى العدالة التوزيعية

( la justice distributive )
يساهم العمل المؤسسي على تقوية الُّلحمة الاجتماعية في رفع التحديات التنموية بشكل مدروس لا غابن فيه ولا مغبون.

في هذا الإطار حريّ بنا كمراقبين الإشادة بالمُقاربة الإنصافية التي دعا إليها مرشح الإجماع الوطني محمد ولد الشيخ الغزواني في حق كل الفئات المغبونة من شعبنا الأبي. ووعياً بالأهمية القصوى لموضوع التماسك الاجتماعي ارتأينا أن نقدم بعض الإسهامات العملية على شكل مقترحات غير تقليدية مقتنعين بأنّ المقاربة الإنصافية التي دعا إليها المرشح من شأنها أن تكرّس منهجية جديدة في السياسة التنموية بحيث يجد كل مكوّن من مكونات الوطن ذاته بشرف و يؤدي واجبه و ينال حقه بكرامة وبروح أخوية/مواطناتية منفتحة على رحاب العطاء والإنتاج والرفاه المشترك..

هذا وفي سياق الحديث عن ضرورة العمل على تقوية اللّحمة الاجتماعية، كان لزميلنا النّابه/ النّبيه الأستاذ مختار ولد داهي، فضلُ السّبق في التأشير على حقيقة أن هذه القضية بالذات تُمثل بحق "الشاغل الأول" لكل الموريتانيين الحريصين على هذا الوطن الذي يجمعنا والذي نسعى لأن يستمر في جمع شملنا كما جمع آباءنا وأجدادنا من قبل وليس لنا في هذا العالم من موطيء قدم غيره. وبما أن فضل السبق في هكذا مواضيع جدير بالتقدير والتثمين فإننا نستحضر بحق زميلنا المختار قول ابن مالك في ألفيته :
وهو بسبقٍ حائز تفضيلا
مستوجبٌ ثنائيَ الجميلا

وبالجملة فإننا كمراقبين للشأن الداخلي العام متفقون على حقيقة أن بلادنا تحتاج إلى تبنّي استراتيجية عملية فعّالة لتفادي كل محتملات التصدع الشرائحي أو الفئوي.

ولمّا كانت كل استراتيجية إنما تنبني على أهداف وآليات فإن الأهداف الجوهرية لتلك الاستراتيجية يمكن حصرها إجمالاً في ثلاث محاور :
١-تعزيز الإحساس بالانتماء لوطن واحد..
٢- إعادة تشغيل المصعد الاجتماعي عبر مدرسة الجمهورية كرافعة للتماسك الاجتماعي بفاعلية وبروح وحدويّة جديدة بتستوعب إكراهات الحاضر وتستشرف تحديات المستقبل..

٣- تخفيض وطأة الفقر في المناطق والتجمعات المغبونة أو -المُهمشة لا إرادياً- مثل تجمعات آدوابه تحديداً وبعض التجمعات الأخرى في الضفة أو في ضواحي العاصمة أو في الوسط الريفي بأعماق البلاد.. 

تلك النقاط الثلاث هي البوصلة التوجيهية العامة أما بخصوص الوسائل التي من شأنها ترجمة تلك الأهداف إلى حقائق ملموسة فإننا نتقدم كإسهام بالمقترحات العملية التالية :


١-الإعلان عن وقق خيري أو إرصاد مالي/عمومي
( un fonds de dotation )
مخصص لتشجيع تمدرس وتكوين أبناء وشباب الفئات المغبونة..

٢- سن قوانين مشجعة لريادة الاعمال في مناطق ذات أولوية ( Zones prioritaires ) ضمن سياسة تمييز إيجابي منضبطة وموجهة بعناية للقطاعات الخدمية التي يكثر فيها عمل الفئات المغبونة كما يتعيّن على الوظيفة العمومية عير إدارة الشغل مواكبة هذا المسار بخلق statut professionnel
إطار مهني مصنّف بحيث يتم تنظيم تلك المهن وتخصص لها تمويلات تناسبها وتغطي حاجياتها وتفتح أمامها آفاق العمل في بيئة سليمة لا غبن فيها ولا إجحاف ولا تبخيس ..


٣-العمل على إنشاء بنك جديد للتضامن الاجتماعي نقترح أن يكون هيكليا على غرار بنك ناصر الاجتماعي في مصر كمثال.. كما يمكن أن نتصور عملية إعادة هيكلة لمؤسسة التضامن الحالية ذات رأس المال الكبير نسبيا-إعادة هيكلة يتم بحيث تحويلها قانونياً و عملياً إلى بنك ذي صبغة اجتماعية من طراز البنوك الإجتماعية-ذات صلاحيات خاصة- وقد أثبت هذا الصنف من المؤسسات الإجتماعية جدوائيته في توطيد اللحمة الإجتماعية بعديد الدول وأشادت بأهميته عدة دراسات أكاديمية موثّقة.
وفي هذا الإطار الهيكلي لدينا تصور متكامل لتحويل وكالة التضامن بسلاسة قانونية وتنظيمية إلى بنك رائد للتمويل الاجتماعي والتربية الإدخارية
ومواكبة جهود تأطير وترسيم المهن التي ينشط فيها عديد المنحدرين من الفئات المغبونة وكل من على شاكلتها من عموم المواطنين

هذا ومن شأن هكذا خطوة أن تُوظَّف كوسيلة فعّالة ضمن فعاليات استراتجية التنمية الشمولية ( la croissance inclusive )
كما ستُسرع عملياً من وتيرة مسار الانسجام الاجتماعي عبر تسهيل النفاذ إلى رأس المال في التجمعات التي تعاني من الغبن بسبب جملة من العوامل الاجتماعية والبيئية المتراكمة وبسبب ضعف التكوين المهني...

وفي الختام نعتقد أن تلك المقترحات العمليّة المذكور أعلاه -كخطوات تكميلية للجهود والسياسات الراهنة - يمكنها أن تُساهم في حَـلْحلحة ملف اللُّحمة الاجتماعية وتحويلها إلى فرصة وطنية مُوّاتية للاستفادة من التّنوع الاجتماعي وتحقيق التكامل الإيجابي في بلادنا بإذن الله تعالىٰ.

بقلم : محمد البشير الساس شيخنا محمدي
أستاذ بجامعة ستزاسبورغ/فرنسا

عودة للصفحة الرئيسية