"تواصل" .. التموقع الاستراتيجي الوقائي المرحلي؟

الجمعة 24-05-2019| 11:00

الولي سيدي هيبه

نظم حزب التجمع للإصلاح والتنمية "تواصل" ليلة الأربعاء مائدة إفطار كبيرة تحت خيام فندق "حليمة" التي ماثلت في ترتيبها خيام عرس تقليدي من الما ضي القريب، ذي الظلال الثقيلة، بتراصها على شكل مربع في وسطه فسحة تدعى "المرجع" في الموروث الشعبي، تلتحف السماء، لاستقبال الخطباء وأهل الرقص والطرب وقراءة الشعر التمجيدي.

واجتمع حول المائدة الفاخرة، بتنوع ما حوت من الطعام والشراب، تحت الخيام التي غصت بعشرات المدعوين؛ كشكول معتبر من رؤساء وممثلي أحزاب من الأغلبية ومن المعرضة، وصحفيين ومناضلين ومدعوين وفضوليين بلا لون أو صريح انتماء لم يسألوا تكرما عن بطاقات الدعوة.

جُمع السياسيون بعناية في الزاوية الغربية ما بين الضلعين، الشمالي الذي خصصت خيامه للنساء، والجنوبي حيث حشر المدعوون والإعلاميون والفضوليون تحت خيامه، فيما خصص الجناح الشرقي ومعه الوسط لاستضافة قسم التغطية الإعلامية ومنبر الشعر والخطابة.

ولكن اللافت، بعيدا عن المظهرية والقدرة التنظيمية لدى التواصليين، هو اللقاء الحار الذي حصل بين قادة حزب تواصل الفاعلين مع من كانوا إلى الأمس القريب نظراءهم وشركاءهم تحت قبته، يتقاسمون فكره ونهجه ويعملون معا لتحقيق أهدافه حتى هجروه إلى "ضفة" أخرى ليتفيؤوا ظل قبتها. وكان هذا اللقاء، بما شاهده وشهد عليه الحاضرون، حارا وأخويا أنسى البعض ولوهلة القطيعة التي ما زالت مصدر إلهام عديد المحللين السياسيين ومصدر تغذية زوايا ز أعمدة الإعلاميين وحوار وتعاليق المصرين من المناضلين والمواطنين على معرفة الأسباب الحقيقية الكامنة وراءها وقد حيرت البعض الآخر الذي بدأ يبحت عن تعليل لهذا الموقف السهل الذي كان ممتنعا.

وقد جاء في الكلمة التي ألقاها بالمناسبة رئيس الحزب " أنه يحترم الشخصيات التي غادرت الحزب ويقدر مبرراتها إلى ذلك متفهما الدوافع والدواعي "، ولكنه أضاف "...لم ألمس "فيما نقل عمن غادر الحزب مبررا مقنعا أو لفتا إلى تقصير منا أو إخلالا بالأعراف المؤسسية، وزادنا تشبثا بموقفنا انتقال بعضهم دون محطات تمهيدية إلى الضفة الأخرى وتبنيهم لمواقف مناقضة تماما لما كانوا عليه دون تحول يبرر ذلك".

هي موريتانيا أماطت هذه الليلة المباركة العابرة - التي لم تخلو و على العادة من التذكير فيها بمعركة بدر الكبرى وعبرها ودروسها المستخلصة - الوشاحَ عن وجه من أوجه تعاطي سياسييها، منذ ما بعد الدولة "المرابطية" ونهاية "شر ببه"، مع التحولات في الأحكام وتعاقب الأنظمة ومسارات الحركات والأحزاب السياسية. وهو التعاطي الذي ظل يتمثل على الدوام في اتخاذ المواقف السريعة التي تصيب أحيانا والمرتجلة التي تخلط أحيانا أخرى الأوراق ليعاد ترتبها قبل أن يرتد للجميع الطرفُ ولتأخذ الأمور نسقا جديدا سرعان ما ينسجم معه الآخرون بأمزجة وحسابات جديدة؛ وتنبح كلاب الاستغراب من دون أن توقف سير القافلة.

أما والاستعدادات على أشدها للدخول في مرحلة خوض الرئاسيات الوشيكة بعدما حسم أمر الترشحات بمعرفة المترشحين الستة بالأسماء والتوجهات والمفرز الفكري، ينشق من بين قيادة حزب التجمع للإصلاح والتنمية "تواصل"، إحدى أقوى التشكيلات السياسية وأكثرها تنظيما وحضورا رموزٌ قيادية معروفة من بعد أن أعلن الحزب دعمه للمرشح المستقل الوزير الأسبق في عهد الرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطايع سيدي محمد ولد بوبكر، ليلتحقوا بالمرشح محمد ولد الشيخ محمد أحمد ولد الغزواني الذي تقف وراءه أحزاب الأغلبية الحاكمة.

خطوة أصابت المراقبين والمواطنين بالذهول حيث أن الأمر شكل سابقة في حزب عرف بثبات قياداته على النهج الموحد والتشاور وكذلك بالتناوب في داخله على عكس جميع الأحزاب الأخرى، وجعلتهم يجتهدون بعدما لم يعط الحزب أي تفسير للظاهرة المستجدة عليه، بل إنه جعلها تمر مر الكرام وكأنها أمر طبيعي دبر عن قصد.

وهو الأمر كذاك الذي جعل بعض المحللين السياسيين والمتابعين، لمسار حزب "تواصل" منذ نشأته، يستنتجون أن الظروف التي تمر بها حركة "الإخوان المسلمين" في هذه الفترة وكثرة العقبات التي تعترضهم والحصار الذي ضرب على قياداتهم في كل الوطن العربي وعديد دول العالم والانتكاسات في مسارات حكمهم لبعض البلدان التي كان لهم كحمها، هي التي جعلتهم يحجمون عن تقديم مرشح. وهي الخطوة كذلك التي يريدون من خلالها منع المتربصين من النيل منهم وإلحاق الضرر بمكتسباتهم التي حققوها خلال الأعوام المنصرمة.

ويرى هؤلاء المحللون أيضا أن توزعهم بين أقوى المرشحين، دعما واصطفافا ومساندة، هو نوع متقدم من تفريق الدم في حرارته لإبقاء للنبض حيا وصونا مطلوبا للمكاسب وضمانا للبقاء خلال المرحلة المقبلة أيا كان الفائز، ومن ثم القيام بتجميع الصفوف لنفث روح جديدة تعين على مواصلة المشوار بحذر من الوقوع في الفخاخ حتى تزول الغمة ويجف ينبوع العداء وتنفتح آفاق جديدة يجمعون فيها قواهم المبعثرة ويستأنفون من حيث توقفوا مرحليا.

فهل ينجحون في العبور الآمن إلى إحدى الضفتين بمجاديف التموقع الاستراتيجي المرحلي الوقائي؟ أم هل أن الحسابات غير ما ذهب إليه هؤلاء المحللون وأن القطيعة لاعتبارات أعمق تمس الطرح والنهج وزوايا من الخطاب؟

عودة للصفحة الرئيسية