تائه يبحث؟!!

الأربعاء 22-05-2019| 18:30

المرابط ولد محمد لخديم Lemrabott8@gmail.com

كنت في كل مرة أقدم بحثا أو مؤلفا بمناسبة شهر رمضان الكريم وفي رمضان الماضي قدمت مقتطفات من كتاب مشترك بعنوان : تائه يبحث؟ مع العلامة الشيخ حمدا ولد التاه حولنا من خلاله أن نجد نقاط التقاء بين التعليم المحظري والتعليم النظامي محاولين الالمام بواقعنا كمجتمع فريدا من نوعه قد لا يفهم الآخر كثيرا من قضايانا الداخلية التي لا تخضع للدراسة..
وقد قسمناه إلى محاور :
الرافد البيئي...والرافد اللغوي...والرافد الديني..
بأدلة وبراهين علمية ولغوية وفلسفية ودينية..
سنبدأ من حيث انتهينا في رمضان الماضي عند الحلقة:7.
هناك حقيقة قد لا يدركها الكثير من الباحثين عند تناولهم لعبقرية الشناقطة حيث يغفلون العنصر الخارجي مما يجعل بحوثهم ناقصة فالعبقرية الشنقيطية مزيجا من العلوم الظاهرة والفيوض الربانية. فلابد أن ندرج هذا العنصر حتى تتكامل العوامل المؤثرة في العبقرية الشنقيطية وليست وقفا على الزوايا بل قد توجد من خارجهم كما توجد فيهم وذالك فضل الله يؤتيه من يشاء
وهذا مالم يفهمه المفكر الحديث عند تحليله لعبقرية الشناقطة..‼ وهذا مايتطلب دراسة وتحليلا نوعيا من خبراء عارفين بالشأن الموريتاني وأن هذه البداوة التي هي أبعاد بنيتنا الاجتماعية تختلف عن المفهوم الخلدوني لأنها بداوة عالمة.. 
مابين الحضارة والبداوة ; 
 تعنى الحضارة في الأصل سكنى الحاضرة, فالإنسان الحضري يسكن في تجمع سكاني كبير نسبيا,قد يكون مدينة أو قرية, وكلما كان عدد سكان ذالك التجمع أوفر نظر إليهم على أنهم أعرق في التحضر,كما هو الشأن في نظرة معظم الناس إلى سكان العواصم الكبرى اليوم,..
 الناس فى البداوة, ينتجون _ كما يذكر ابن خلدون _ من السلع والأدوات ما يعد ضروريا لبقائهم على قيد الحياة, فعالمهم هو عالم الضرورة المعزول _ تقريبا_عن المرهفات.
أما في المدن, فالوضع مختلف, فالسلع الضرورية أصناف, والسلع الكمالية أشكال وألوان. وكلما أغرق الناس في الحضارة, اتسع مدى لاختيار لدى الواحد منهم.
 لكن البداوة في المفهوم الخلدوني تختلف عن بدواتنا لأن بداوته أمية وبداوتنا مثقفة وقد نقلتها المفاهيم الإسلامية في مختلف الاجتماعية والثقافية والاقتصادية نقلتها الى تصورات من الناحية النظرية عميقة لكنها من حيث الواقع غائبة وهذا ما يمكننا من الاستعانة بأنماط الفتاوى التي صدرت عن علمائنا في البادية نستعين بها في مليء ذالك الفراغ الحضاري
ونحاول أن تكون تصوراتها جزءا كبيرا من ثقافتنا ونحن ولو كنا نشكر علمائنا الكبار الذين لم يتعرضوا لبعض الأحكام الغائبة في البدو مثل الجمعة والجهاد وبيع الأهوية لكننا في نفس الوقت يجب مليء هذه الفقرات حتى تكون لنا سندا حضاريا وفي هذا المجال نشيد بالعلامة الشيخ محمد المامي الذي حاول أن ينشئ فقها بدويا..
 لكننا نطلب من علمائنا المعاصرين أن ينشؤا لنا فقها معاصرا فالدارس يدرك ضرورة التعرف على مختلف العلوم الاجتماعية والرياضية والفلسفية...
 وهذا سيساعدنا في النقلة من البداوة الموجودة عندنا إلى حضارة إسلامية شاملة وهذا مايقتضي من محاظرنا توسيع مجالاتها لاستيعاب المفاهيم الحضارية وبعبارة أصح استرجاع بعض المعلومات التي كانت عندنا في الرياضيات حيث برهن علماؤنا من خلال المعاملات إلى توسيع دائرة الاحتمالات لتشمل جميع المجالات... كان ذالك قبل أن تهمله المحظرة الجديدة ومن هنا فان مد جسور وحوارات بين المحظرة القديمة والجديدة التي أصبحت مجففة مما كان فيها من علوم ونكت..
 حيث كانت تخرج جماعة من الموسوعيين أو ما يعرف بالفتيان وهي مجموعة لها معرفة شاملة من جميع المعلومات السابقة والحديثة بعيدا عن التخصص..
في حالة البداوة يكون تحكم الأعراف والتقاليد_ مهما تكن صحتها_ شديدا, والمسائل المتعلقة بالشرف والشهامة والمروءة تأخذ أبعاد فسيحة في حياة الناس. في حالات التحضر يقل الاحتفاء تدريجيا بهذه المسائل ,وتحل محلها سلطات جيدة,
فالمسحة الأنثوية تصبح أكثر تعميما,ويكون للاقتصاد والأخلاق التجارية القول الفصل في أمور كثيرة وتتم رعاية المصالح الخاصة بعناية كبيرة, ويهبط أناس كثيرون إلى مستوى الإنسان : المنتج _المستهلك.
 فحياة الحاضرة توفر فرص الاستهلاك على مقدار ما توفر فرص الإنتاج. وتتهمش في المدينة علاقات اجتماعية عديدة ,ويتم غض الطرف عن احتياجات إنسانية متعددة, من اجل الوفاء باحتياجات العيش الراقي.
د_ الطموحات في البادية ضعيفة, لأن الخيارات والبدائل المتاحة محدودة, ومدى ما يصل إليه خيال الواحد من أهلها قصير, لأن الفوارق الطبقية في البادية ضئيلة.
 أما في المدن والحواضر ,فكل شيء مختلف,فهناك أحياء للأثرياء والمترفين, وأحياء أخرى مدقعة, تعيش على هامش المدينة...
ه_ في حياة البداوة يميل كل شيء إلى البساطة والعشوائية والتفكك, لأن مصالح الناس وأوضاعهم لا تتطلب شيئا غير ذالك , كما أن الأدوات التي تساعدهم على تنظيم ارقى لحياتهم, ليست متوفرة.
 أما في الحضر فان لحياة تميل دوما نحو التعقيد, فتتبلور مجموعة من النظم العقلية والمادية والعلائقية التي لا تستقيم حياة المدينة بدونها,ولا يسع الناس الخروج عليها.
فعلى سبيل المثال نجد أن تنظيم الوقت والدقة في الأداء والمواعيد أمور لا يحيا الناس في المدينة بدون قدر مقبول منها, في المدينة تتسع علاقات العمل والزمالة والعلاقات الأسرية, على حساب علاقات القرابة والجوار..
 إحساس الناس بالأزمات ,وإحساسهم بالمستقبل يمسى أشد, حيث لاشيء في المدينة يمكن الحصول عليه مجانا, وحيث يسود الخوف مما تأتى به الأيام _ على الرغم من الوفرة _ وذالك بسبب ضعف الدعم لاجتماعي الذي يحصل عليه ابن المدينة في حالة تعرضه للمخاطر.
 وتأسيسا على هذه المقارنة نجد أن التحضر تطور في جميع البني والنظم والأوضاع المختلفة, لكنه تطور يمكن أن يكون مجوفا, ويمكن أن يكون ممتلئا بتطور المضامين والأسس التي يقوم عليها تحول الناس من التنقل والرعي إلى لاستقرار والصناعة. وهنا لابد أن نشير إلى الفرق بين المدينة والحضارة, فا المتمدن هو الذي يسكن المدينة والمتحضر هو الذي يسكن الحواضر, لكن حين وجد كثير من الباحثين والمفكرين أن ارتقاء حياة الإنسان ذو بعدين أساسين : بعد شكلي وبعد داخلي _ رأوا أن يطلقوا مصطلح (المدنية) على ما يتم من ارتقاء في مضامين الحياة الحضرية, ومصطلح (الحضارة) على الارتقاء الشكلي الذي يتمحور حول وسائل وأدوات الإنتاج وطريقة تنظيم البيئة.
إن الآراء والأفكار والنظم التي ننتجها بغية إصلاح شأننا العام، تحمل على نحو دائم طابع البيئة الثقافية والاجتماعية التي نشأنا فيها.
ويمكن تلخيصها في النقاط النالية :
 كون البلاد كانت بدون سلطة مركزية تطبق الشرع وتدبر أمور الناس منذ العهد المرابطي حتى ميلاد الجمهورية الإسلامية الموريتانية في 28 نوفمبر 1960 أي قرابة 1000 سنة من البداوة.
- طابع البداوة و السيبة المميزين للبلاد.
- انتماء المجتمع للقبيلة لا إلى الدولة.
- ثقافة هموم بدوية لا علاقة لها بالمدينة.
تفاعل هده الانتماءات ومكانة الصراع الأموي والأبوي.
التطور من البادية إلى المدينة ارتجال فوضوي,
في هذا الجو الضبابي يعيش هذا التائه فراغا فكريا نتيجة للجهل والغفلة عن التحصيل الجاد في وقت التحصيل وعجز علماه الأمة في مواجهة التحديات المستجدة وهذا ما يجعله يهرب من التفكير بانغماسه في ملذاته إلى درجة تكييفها مع عقله الجمعي.
 فهو في هذه الحالة أشبه بالمريض الذي يشتد عليه وقع المرض وتلوح له النهاية فيتمسك بأهداب الحياة ويقبل بتجربة كل دواء ولو كان مما لا يستسغيه العقل.
 يظهر هذا جليا في تصرفاتنا الطائشة وعلاقتنا مع بعضنا ومع الآخرين فانتهكت قدسية الزوجية وأصبحنا ننتهج رؤية مفروضة علينا بدون أن يكون لنا أدني دخل في تغيرها وهي رؤية العقل الغربي الذي ينطلق إلى قراءة مادية للذات والوجود، قراءة لا تنظر إلى الغايات بل تحول كل كينونة ـ حتى كينونة الإنسان ذاتها ـ إلى أشياء أدوات استعماليه. وهذا ما يفسر :
 - تشوفنا إلى استهلاك أحدث منتجات العصر، وهذا التشوق من غير حدود، ولا يعرف الإرتواء، فنحن بهذا الوصف أكثر حداثة من المنتجين للسلع والأدوات الكمالية أنفسهم. فتجد في أسواقنا آخر الكماليات من سيارات وموبيلات والخطورة تكمن في أن هذا البدوي الفطري أصبح كل همه هو التنافس للحصول عليها مهما كلف الثمن !!
_ الحكم لغريزة القوة ،وليس لعقلانية النظام والمنطق والحق والعدل، فالبطولة خارج القانون تتعمق في الحياة يوما بعد يوم.
_ وسائل الإعلام ـ ولاسيما الفضائيات والانترنت ـ تحرك غريزة الجنس وتحطم كل الآداب المرعية في هذا المقام، مما جعل سلوك بعض الناس ـ من كبار وصغار- يتجاوز بخطوات السلوك الجنسي لبعض البهائم.
 - علو شؤون الجسد، واتساع استخداماته على حساب شؤون الروح والمعنى.
 - تضاؤل الحوار والتفاهم والتنازل، وغلبة الهوى والإعجاب بالرأي.
 - جمع المال لدى كثير من الناس أصبح غاية في حد ذاته، ولا يعرفون ماذا يصنعون بما يكدسون من أموال.(30)
تأثير هذا كله في مواجهة الحداثة ورواسب البداوة؟؟
 والنتيجة الحتمية هو عدم تأثرنا بهذا الواقع الجديد عند دخولنا إلى المدينة, كردة فعل كتلك التي تحدث للبدوي عند اصطدامه بمنهج حياة جديد, يختلف جملة وتفصيلا عن حياته التي كان يعيشها لأن زاده غير كاف لمواجهة حضارة ساحرة الإغراء كثيرة الأحابيل، ولمواجهة هذه المدنية يجب علينا...يتواصل...

عودة للصفحة الرئيسية