تغيير معادلة مستقبلنا مرهون بأسعار المادة الخام

العهد بيننا وبينه (4) ...

الخميس 9-05-2019| 15:30

د. يربان الحسين الخراشي

الحقيقة التي لا مراء فيها أن اقتصاد بلادنا يعتمد كثيرا على عائدات قطاع الصناعات الاستخراجية، حيث كانت مساهمة خام الحديد وحده في تكوين الناتج الداخلي الخام لعدة سنوات تصل إلى حوالي 20%، وهذا ما يعني أن أي تغيير يطال أسعار المادة الخام في السوق العالمي أو حجم إنتاجها محليا يؤثر مباشرة في اقتصاد بلادنا، وما أزمة انهيار أسعار خامات الحديد سنة 2014 منا ببعيد، الأزمة التي حسب التقارير المالية للبنك المركزي الموريتاني أدت إلى تقليص مساهمة عائدات الحديد في ميزان المدفوعات من 1.358 مليار دولار سنة 2013 إلى 340 مليون دولار فقط سنة 2015، كما أدت إلى انكماش كبير في نمو إجمالي الناتج المحلي، حيث انخفض من 6.7 % سنة 2013 إلى 0.9 % سنة 2015 .
إن نمط الاقتصاد الريعي الذي يعتمد على الموارد الطبيعية الخام يجعل مستقبل بلادنا تحت رحمة تقلبات أسعار المواد الخام في سوق دولية لا ترحم، كما يجعل من ظاهرة التحضر لمجتمعنا البدوي شبه مستحيلة، ففي غياب التحول الصناعي الذي يخلق فرص عمل أكثر يصبح التحضر عاملا لزيادة سرطان المدن ( أحياء الصفيح )، وزيادة نسبة الكوارث الاقتصادية والاجتماعية في المدن التي لا تخلق فرص عمل كافية تتناسب مع الزيادة السكانية السنوية، بل إن حالة الاقتصاد الريعي هذه قد يكون لها الدور الكبير في تباطؤ التحول الديمقراطي الذي تشهده بلادنا منذ عقود فاحتكار النخبة الحاكمة للريع يشكل قاعدة قوية لبقاء التسيد الذي يتنافى مع القيم الديمقراطية، وامتلاك الإنسان لحق صوته الانتخابي.

إن فكرة النموذج الاقتصادي المطلوب تطبيقه في بلادنا مستوحاة من خيمتنا المفتوحة على جهاتها الأربعة، إفريقيا، والعالم العربي، وأوروبا، وأمريكا، وذلك بتبني نموذج الاقتصاد المنفتح عن طريق بلورة رؤية وطنية توظف الموقع الجغرافي، والجيوستراتيجي لبلادنا، خاصة منطقة انواذيبو الحرة التي يجب تحويلها إلى منطقة استثمارية تجارية تخزينية تصديرية أولا، وتصنيعية ثانيا ذات طابع دولي مميزة في تشريعاتها وإدارتها تستهدف بشكل رئيسي الأسواق الإقليمية ثم العالمية، مما سيمكن من خلق بيئة جاذبة، وحاضنة، وضامنة لاستمرارية الاستثمارات خاصة في ظل الظرفية الدولية الحالية، وما تتسم به من حروب الاستراتيجيات، ومرحلة مخاض ميلاد عالم جديد متعدد الأقطاب، فرغم كون أمريكا لا تزال القوة العظمى عالميا، إلا أن الصين قد برزت بوصفها قوة اقتصادية وعسكرية جديدة، و الصين منذ 2013 بثقافتها، وحضارتها، وتاريخها تقدم للعالم نسختها للعولمة عن طريق مبادرة " الحزام والطريق" الطريق الذي سيعيد مركز التجارة العالمية إلى الشرق، و يحيي دور التجارة القارية على حساب التجارة البحرية. في المقابل قامت أمريكا بإنشاء المؤسسة الأمريكية لتمويل التنمية الدولية خصيصا في إفريقيا بقيمة 60 مليار دولار، وهذا ما يجعل من الولايات المتحدة منافسا قويا للصين في دعم الدول النامية في إنشاء مشاريع البنية التحتية، و يجعل من المؤسسة الأمريكية لتمويل التنمية الدولية في منافسة مباشرة مع مبادرة "الحزام والطريق" الصينية عالميا، وقد علـمنا التاريخ قديمه، وحديثه بأن صراع الدول العظمى يخلق فرصا استراتيجية لا تتكرر للدول النامية خاصة للمناطق القارية الجيوإستراتيجية التي تزداد أهميتها يوما بعد يوم مع بروز دور التجارة القارية، و إحياء الطرق التجارية القديمة، والربط الإقليمي والدولي، المناطق التي تعتبر بلادنا من أهمها عالميا.

إن دخول بلادنا في شراكات اقتصادية دولية، وبقوانين خاصة قد يوفر نوعا من الحماية الغير مباشرة، والغطاء الأمني والسياسي لجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، وتوطين التكنولوجيا، و طرق الإدارة الحديثة محليا بعيدا عن البيروقراطية في العمل التي تنهك الكيان الإداري الوطني، مما قد يساهم في بناء اقتصاد مزدهر ومتنوع، وهذا ما سيمكننا في نهاية المطاف من كسب رهان التنمية المستدامة الشاملة عن طريق تطوير ثرواتنا المتجددة (الثروة السمكية والحيوانية والزراعية) والرفع من أدائها في اقتصاد بلادنا حتى تصبح هي المحرك الأساسي لنموه بصورة مستدامة وشاملة، وبذلك تتحقق النهضة التنموية التي تحافظ على التوازنات الاقتصادية الكبرى، وتضمن مزيدا من الانتقال إلى اقتصاد منتج مع مراعاة حفظ التناغم بين أبعادها الاجتماعية والاقتصادية بشكل ينعكس بطريقة إيجابية وفورية على تشغيل الشباب واليد العاطلة.

د. يربان الحسين الخراشي

عودة للصفحة الرئيسية