رئيس واحد في شوط واحد لوطن واحد

الحلقة الثالثة عشرة من حديث "القلب" و "العقل" في رئاسيات 2019 – 6 مايو 2019.

الاثنين 6-05-2019| 11:00

حمد الأمين ولد أبتي كاتب و باحث

ان الحرية التي أختص الله بها الإنسان مرتبطة بالمسؤولية كمتلازمتين. أو قل إن الإنسان حر لأنه عاقل، من جهة الخضوع للواجبات و الالتزام بها. و في العقل تجد التقييد و العقال، لأن هذا الكائن البشري زرع فيه خالقه القوة العاقلة التي تربط الخطابات و الأفكار و الاختيارات المسلكية بمبادئ و أسس و منطلقات، تماما كما يقيد العقال و القيد الدابة و يمنعها من الشرود بعيدا عن الحظيرة.
الفرق هو أنه في حالة الإنسان يقيد العقل النظري الفكر و الخطابات الحرة بقواعد العقلانية بينما يقيد العقل العملي الأفعال و النشاطات الحرة بالمسؤولية و الالتزام بالواجبات الخلقية و السياسية و المدنية. و في كلتا الحالتين يكون العقل ضامنا للوحدة و النسقية و الانسجام و عدم التناقض في الفكر و في حياة الفرد و المجتمع. و عندما يخرج الإنسان على مبادئ العقلانية يفقد خطابه القيمة العلمية و يسقط في السفسطة و التناقض و غياب المعنى، أما عندما يتحرر من قيود المسؤولية و الالتزام بالواجب الخلقي و السياسي فإنه يسقط في الفسق الفردي و السياسي، و غالبا ما يصبح منحرفا مدمرا لحياته الخاصة و حياة الآخرين الذين يتقاسم معهم العيش المشترك، و لصا يسرق الأموال الخاصة و العامة، و هل من فرق بين السرقتين.
فعلا نحن محكومون بدستور ديمقراطي تعددي يكفل حرية الترشح و الدعاية الانتخابية و التعبير عن الرأي للجميع. و نعرف أن هنالك الكثير من الأشخاص حصلوا بطريقة أو بأخرى على تراخيص أحزاب سياسية، و تمكنوا في بعض الحالات من وراثة عناوين إئتلافات و كتل سياسية تكونت في ظروف لم تعد قائمة، بينما بقيت تلك العناوين، و يريدون لها أن تعيش عمرا ثانيا. خذ مثلا البعض الذي يقوم هذه الأيام ببعث "البعث" و نبش القبر لإخراج الجثة، ليعتذر الميت هناك للكويتيين و يعترف لهم أن الكويت ليست ولاية عراقية، و ليعلن نفسه عندنا مدافعا عن الديمقراطية و مدنية الدولة و حقوق المهمشين، و هو الذي قادت و شرعت كوادره أعمال القتل و النهب و التشريد لأبناء موريتانيا من الزنوج في رمضان 1989، بعد تأمين مهمة إيديولوجية الظل في حكومات عدد من العسكريين الانقلابيين، منذ العاشر يوليو 1978. خذ مثلا آخر أوضح، المنتدى الوطني للديمقراطية و التحالف الانتخابي للمعارضة، الذين ما يزال البعض مصرا على الحديث بإسمهما، بينما الواقع أن مكوناتهما قد "تفرقت أيادي سبأ"، و الأغلبية ذهبت إلى صف ولد الغزواني.
كل ذلك صحيح، لكنه لا يجيز معاقرة خمرة الترشحات الانتحارية و المهددة للوحدة الوطنية، و لا استسهال المبادرات غير المدروسة و الاختيارات غير المبررة أخلاقيا و لا سياسيا، في مجالات المنافسة و الحملة الانتخابية، في ظرف دقيق و حساس من تاريخنا المعاصر، على النحو الذي تسلكه مجموعة ممن يخرجون اليوم من مجالهم الفردي الخصوصي ليقتحموا الميدان العام المشترك للموريتانيين جميعهم، و يعلنوا أنفسهم مؤهلين لشغل أعلى منصب تنفيذي و توجيهي يتحكم في حياتنا جميعا. لا يجوز لهؤلاء أن ينسوا المستحق عليهم من مسؤولية و التزام تجاه المجموعات الحزبية و التيارات الفكرية التي ينتمون إليها، و تجاه المصلحة العامة لمجتمع يرشحون أنفسهم ليكونوا قائمين على مصالحه العامة، و عيونا ساهرة على تماسك نسيجه المجتمعي و أمنه الداخلي و الخارجي. إن أذهانهم مطالبة بدرجة أعلى من إدراك "جسامة المسؤولية"، كما قال ولد الغزواني في خطاب ترشحه.
إن مقتضيات الواجب و المسؤولية السياسيين، تقول لنا إن موريتانيا في هذه الأيام ليست بحاجة إلى مترشحين متعددين، و لا إلى شوط ثان، لأنها تعيش حالة من الاحتفال التوافقي العام بالتناوب السلمي على السلطة، و دخول النظام الجمهوري المدني حيز التطبيق لأول مرة، بعد أن ظل هدفا لكل أشكال الخروقات و الشكوك منذ إعلانه عام 1991. و لأننا في مواجهة مرشح رئاسي توافقي قوي، التفت حوله المعارضة و الموالاة معا، و لم يكن طرفا في الاستقطاب و لا في السجال السياسي الجاري طيلة العقود الثلاثة الماضية. و يتميز بخصوصية التوازن في دعمه بين مختلف ولايات الوطن و مختلف الفئات و الأعراق، و هو ما يمثل فرصة لإضعاف الجهوية و العرقية و الفئوية.
لسنا بحاجة إلى منافسة سياسية مفتوحة لأن مشهد الدم و الحرب و التشريد و المجاعة و الانسداد السياسي في الموجة الأولى من ثورات الربيع العربي في مصر و سوريا و ليبيا و اليمن ما يزال ماثلا، و مشهد الدماء و القلق و الانسداد السياسي و الشلل الاقتصادي و الحكومي الذي يصاحب الموجة الثانية من هذه الثورات في السودان و الجزائر، معيش يومي ماثل أمام أعيننا. و لأن بلدنا يعيش - شأن معظم بلدان الساحل و الصحراء - على وقع أزمة أمن و تنمية إقليميين مشلولين، و لا أمل في إنعاش المرافق العمومية للدولة فيها دون مبادرات وطنية توافقية مستعجلة، لنظم سياسية قوية و مستقرة.
إن ترشح كل من محمد ولد مولود و برام ولد الداه ولد أعبيدي و كان حاميدو بابا هي أمثلة لقادة رأي قرروا صم الآذان و غض الطرف عن مقتضيات الواجب و المسؤولية الوطنيين، و الاستسلام لحلم شخصي يناقض مصالح البلد و يضر بالجماهير و بالقوى السياسية التي يمثلونها. إن كلا من هؤلاء المرشحين يترشح بمناسبة ملف واحد من جملة الملفات المطروحة على مكتب رئيس الجمهورية، و كل منهم يستهدف بخطابه مجموعة ضيقة معزولة عن بقية المجتمع و الشعب و لا تتكلم معه نفس اللغة. فلا يستطيع أي منهم أن يدعي كونه مرشحا وطنيا جامعا، إلا على مستوى الخطاب الذي لا يقنع حتى صاحبه.
إن ولد مولود كان يفترض به أن يكون المرشح الموحد للمعارضة، لكنه هو نفسه كان يعرف أن الرصيد الانتخابي له و لحزبه لا يسمح له بالحصول على التوافق لهذا الغرض، و لذا قبل مسؤولية منسق التحالف الانتخابي للمعارضة و هي مسؤولية تفترض ضمنيا الحياد و عدم المنافسة على الترشح. و في آخر مقابلة للأمين العام للحزب "محمد المصطفى ولد بدر الدين" مع قناة الوطنية، شدد على أن ولد مولود ليس مترشحا و أن الحزب يعمل على وحدة المعارضة لا غير. و لم يكن اسم ولد مولود موجودا بين المترشحين للترشح و لم تكن الهيآت الحزبية المختصة قد خولته ذلك، عندما بدأ ولد اخليل نشاطا لتسويق ترشح الرجل لدى لجنة الترشحات، و عندما بادر لو غورمو إلى نشر تدوينات حول ذلك الترشح الوشيك.
هذا الترشح الذي وصفته النائبة البرلمانية و نائبة رئيس الحزب خدجة مالك جلو بالترشح الإنتحاري، ليكتب أحد أبرز قادة الحركة الوطنية الديمقراطية عينين ولد احمد الهادي شرحا مفصلا لتجليات الانتحارية فيه و لتناقضه مع مصالح الحزب و الحركة معا – هذا الترشح – تم الإعلان عنه بالتزامن مع إعلان فشل جهود التوصل إلى المرشح التوافقي للمعارضة، و لا ندري هل هذا التزامن صدفة، أم أن من كان مكلفا بأمانة توحيد مرشح المعارضة تسبب في إفشال العملية.
ما هو مؤكد أن هذا الترشح عمق الانقسام الذي كان يطفو على السطح منذ شهور بين جناحين في إتحاد قوى التقدم، و نكاد نقول إن هذا الانقسام وصل اليوم بعد ترشح ولد مولود بهذه الطريقة الأحادية إلى نقطة اللاعودة. و الواضح أن جناح ولد بدر الدين هو الذي يمتلك اليوم الشرعية الحركية، و هو يرفض دون شك هذا الترشح، و لا دليل أقوى من تغيب ولد بدر الدين عن حفل ترشح ولد مولود. كل ما في الأمر أن ثمة تهدئة و وقفا لإطلاق النار داخل مؤسسات الحزب إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية، إذ يعرف الطرف الآخر أن حصاد مغامرة الترشح الانتحاري سيكون الضربة القاضية للجناح المناوئ للحركة الوطنية الديمقراطية و المؤيد لولد مولود.
اليوم لا نجد من قوة سياسية حقيقية مؤيدة لترشح ولد مولود سوى "التكتل"، الذي تم تعيين أمينه الدائم مديرا لحملة ولد مولود. لكن التكتل لم يكد يعلن دعم ترشيح ولد مولود حتى تبخر ليتحول إلى لافتة حزبية، يقف بجانبها السيد أحمد ولد داداه وحيدا، بعد أن انضم نائب الرئيس ولد لمات و معظم كوادر الحزب لحملة ولد الغزواني. قل لي بربك كيف يمكن تبرير ترشح رئاسي لم يتمكن صاحبه من إقناع أقرب المقربين إليه سياسيا به. و المفارقة أن حملة ولد مولود قد تكون الأكثر حدية في منافسة ولد غزواني و تركيزا في الهجوم على نظام ولد عبد العزيز، رغم أن الملف ما كان ليصل المجلس الدستوري لولا التزكية المقدمة من تحت الطاولة من عمد و مستشاري الإتحاد من أجل الجمهورية.
و فيما يخص حالة كان حاميدو بابا، يقدم نفسه باعتباره مرشحا لكل الموريتانيين، أما الحقيقة فهي أن "افلام" التي كانت تعد لترشيح زعيمها كمرشح موحد لزنوج موريتانيا، قررت البحث عن شخص أقل ارتباطا بماضي النزاع العرقي في موريتانيا، و تم التوافق على حاميدو بابا لملاءمة ملفه من هذه الناحية، بفعل ماضيه في التكتل و في البرلمان.
لكن مهما بذل القوميون من كل أعراق موريتانيا – بعربيهم و زنجيهم – من جهود لتلميع الصورة لن يمكنهم التهرب من حقيقة أن خطاباتهم القومية و العنصرية - فعلا كانت أم رد فعل - مسئولة تاريخيا عن الإضرار بوحدة الشعب الموريتاني، و باستقرار علاقات متوازنة بين موريتانيا و كل من إفريقيا و العالم العربي. كما لن يمكنهم التهرب من المسئولية المشتركة عن دماء الأبرياء في أعوام 1966 و 1987 و 1989 و 1991.
إن شعار العدالة و تصفية الإرث الإنساني عندما يرفعه شخص يمثل عرقا واحدا، فإن العدالة هنا لن تعني أكثر من العدالة الانتقامية. و عندما يقرر لوبي صغير احتكار النطق باسم بولار و سوننكي و وولف موريتانيا، و يدول الملف و يذهب إلى حد الدعوة إلى تقسيم البلد و نشر خطاب معاد للاعراق الأخرى، فلا إعتقد ان هذا الجمهور الكبير من الموريتانيين يجوز أن يتركوا له حق تمثيلهم. سافروا من روصو إلى سيلبابي مرورا ببوكي و كيهيدي و أنبود لترو بأم أعينكم أن البولار و السوننكي و الوولف و البيظان و لحراطين، قد تحرروا تماما من سجن تركة السنوات المظلمة، التي يريد المتاجرون الدوليون بالملف سجنهم فيها. و هو نفس ما سيتأكد لديكم عندما تتجهون إلى كنكوصة و كيفة و النعمة، مرورا بالطنطان و لعيون. و هو حال القوم في كل مناطق البلاد.
مهما حاولت أخي حاميدو بابا من تجميل الخطاب و تقديمه كخطاب جامع، لن تنجح في إخفاء إنك مرشح عرقي. و أن العنصرية التي تحمل شعار محاربتها تتجلى أقوى ما تتجلى في ترشحك المعلن على إثر تشاور زنجي-زنجي. أخي إن المساواة التي تطالب بها ليست مطروحة في مواجهة البيظان وحدهم، فماذا تقول عن التمييز و اللامساواة القائمة في أوساط الزنوج. بل أستطيع القول أن "افلام موريتانيا" لعبت دورا خاصا في التغطية على العبودية و الطبقية في الوسط الزنجي، كما غطت على التجاوزات الكبيرة على مستوى حقوق المرأة في هذا الوسط.
و بالنسبة ل"برام" فالأمر يتعلق برجل يريد لمصير الشريحة التي ينتمي إليها و لمصير البلد بأكمله أن يكون تابعا لتقلبات الرأي و المزاج الشخصي له هو. و لو كان ثمة احترام لشروط المنطق و التناسق و استعاد الرجل شريط ذكرياته في السياسة و في النضال الحقوقي – و قد قمنا بتذكير سريع بذلك المسار في الحلقات 2 و 3 من هذه السلسلة – لما كان ترشح للرئاسة في هذه الانتخابات.
الرجل له مشروع واحد هو محاربة العبودية. و لهذا كان لابد له من المرور بسنوات البحث عن العبيد، الذين لم يجد منهم سوى حالات تعد على رؤوس الأصابع و لا توجد واحدة منها مثبتتة بصفة قطعية. و كأن ثمة قوة تعميه عن معركة التنمية في آدواب و معركة تمدرس البنات من أبناء الشريحة. و بعد سنوات من حصد الجوائز الدولية و السفر مابين السجون و فنادق أوروبا و أمريكا اكتشف السياسة، و وقع في حبالها.
كم نحن بعيدون من الترشح الرئاسي لمسعود ولد بو الخير باسم الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية عام 2008. كنت يومها في الوفد المرافق في نواذيبو و أطار، و حضرت بكاء المرشح هي أطار، في الفقرة من خطابه التي قارن فيها بين وصوله إلى المدينة عندما كانت سنه 17 سنة، و حاله في ذلك المهرجان حيث التفت حوله بصدق و حماس نخبة و جماهير من أبناء الأسر الأكثر نبلا في موريتانيا. و من جهتي لا أتذكر اليوم أنني شهدت حشدا بالتنوع و الكثافة التي شهدت يوم المهرجان الأخير لولد بو الخير في تلك الحملة. و إذا كان برام من فئة لحراطين فإن مسعود من نفس الفيئة، و قد عايش مسعود من ممارسات الرق و التمييز ما لم يعش برام 5% منه، لكن مسعود نجح في أن يكون ممثلا لمشروع وطني جامع للموريتانيين حميعهم.
أخي برام أدعوك إلى سحب ترشحك للرئاسة، لأن خطاباتك في السنوات الماضية سجنتك في القمقم الضيق للفئوية، و برنامجك غير قادر على استيعاب شامل لمصالح موريتانيا جميعها. بل إنني لأزعم إن ترشحك لا يخدم مصالح لحراطين، و خطابك هو التهديد الأبرز لوحدة البلد، كما يشكل صرفا للأنظار عن أوليات موريتانيا في التنمية، و هي أولويات تعتبر شريحة لحراطين المعني الأول بها.


يتواصل أسبوعيا بإذن الله.

عودة للصفحة الرئيسية