تأبين: كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر..

الخميس 2-05-2019| 15:00

كتبه مولاي بن أيديه

قبل عدة أيام رحل عن دنيانا الفانية المنقطعة أخونا الأكبر ، وفلذةةأكبادنا ، وقرة أعيننا ، وواجهتنا لكل خير ومعروف أحمد بن أيديه ، تغمدهةالله بواسع رحمته ، وأسكنه فسيح جناته ، وجعل ما قدم فى ميزان حسناته،
وضاعف له الأجر والثواب أضعافا كثيرة ، وألهمنا نحن أهله وذويه خاصة ، ومجتمعه ومحبيه عامة الصبر والسلوان فى مصابنا الجلل ، ورزيتنا المزلزلة:

إن الرزية لا رزية مثلها **فقدان كل أخ كضوء الكوكب
كما قال لبيد
كان ـ رحمه الله ـ بحق وصدق ـ رجلا لا كالرجال ، فكان شهما ، كريما ،
نبيلا ، مثقفا ، حكيما ، رزينا ، صادقا ، منفقا يطعم الجفلى ، أمينا ،
صبورا ، يألف ويؤلف ، يحمل الهم العام والخاص كما قال أخونا الدكتور
أحمدو فى مقاله التأبيني الرائع بشهادة كل من قرأه ، حفظه الله ورعاه ،
وهذه عبارة ثخينة تحمل من الدلالات والمعانى الكثير الذى لا مزيد عليه
راسخ الإيمان ، عاملا بمقتضياته ، إذا تحدث أبان بإيجاز غير مخل ، وأنصت
له السامع أيا كان ، وأصغى ، وحمل قوله على محمل الجد ، بعيد النظر ،
موطأ الأكناف ، متواضعا حد التماهى مع الكل ، على وقار وتميز لا تخطئهما
العين ، يمازح الجميع دون ابتذال مزاحا لا يعدو الحد،جادا وموفقا فى كل
أعماله العامة والخاصة ـ تبارك الله ...
درس المرحلة الإبتدائية بموازاة الكتاب ( بتاء مشددة ) ، وبعض الدراسات
الأهلية الأخرى ، وانتقل إلى معهد أبى تلميت ، فمدرسة تكوين المعلمين ،
وانخرط فى سلك التعليم ، ثم ترقى إلى رتبة مفتش ، فمفتش عام واختير
أستاذا بمدرسة تكوين المعلمين لمدة خمسة عشر سنة كاملة متواصلة . ومن
خلال عمله الطويل فى مجال التعليم اكتسب مهارة عالية على المستويين
النظري والتطبيقي ، فكان يقدم برنامجا تربويا متميزا عبر بعض القنوات
الوطنية ، وقد أنجز مشروعا تربويا هاما يتعين نشره لإفادة الأجيال
تقاعد من الوظيفة العمومية ، وتفرغ لأعماله الخاصة التى لم تطغ يوما على
عمله العام ، فهو يتفانى فى عمله العام والخاص حد الإتقان
حباه الله ، والأسرة الكريمة ، ببسطة فى الرزق ـ تبارك الله ـ وزادها
بسطة وسعة فى كل خير ، مما يعتبر امتدادا واستمدادا من تراث والدنا امين
بن أيديه المشهود له بالصدق والأمانة ، وقوة الإرادة حد النموذجية ، وكذا
الإنفاق فى السر والعلانية ، وطيب المعشر ، رحمه الله رحمة واسعة
كانت تربطنى بأحمد ـ رحمه الله ـ علاقة نفسية أخوية صادقة سداها وقوامها
الحب والتقدير ، يشفق علي إشفاق الأخ الأكبر الحانى على أخيه الأصغر
عشت معه فى منزله العامر فترة زمنية مكنتني من معرفته عن كثب ، وتبينت من
خلالها كثيرا من سجاياه النبيلة ، وخصاله الحميدة ، ومزاياه العميمة
وإذا كان علي بن الجهم يقول :
إذا ذهب العتاب فليس ود ويبقى الود ما بقي العتاب
ـ والظاهر أن العتاب هنا بمعنى المزاح ـ فقد كان ـ رحمه الله ـ يعاتبني ـ
لماما ـ عتاب نصح وتوجيه ، يطغى عليه المزاح ، ورفع الحرج فى حدود
الاحترام المتبادل ، والأخوة الصادقة
أذكر أنه ـ وأنا فى الخارج منذ عقود ـ طلب مني ذات مرة أن أشتري له بعض
المستلزمات البسيطة ، فأرسلتها له ، وكان لديه مبلغ مالي بسيط يخصني فقلت
له : " أيو أران لاه نتكاتل " ، فأرسلها مثلا بين الأهل وخلال فترة علاجه
فى تونس حرصت على التواصل معه غب قدومه ، فكنت ـ من حين لآخرـ أطلب من
مرافقيه من أهلنا تسليمه الهاتف لأتحدث معه ، لكن ذلك لم يتسن خلال
الأيام الأولى ، فأرسل لى رسالة على " الواتساب " يقول فيها : " أيو انت
ما تبقين نتكاتل ظرك " ؟
فأجبته برسالة صوتية قلت فيها : " ذاك أحمد " ؟
فرد علي قائلا : " ذ من إكد اقولولك ماه آن " ؟
وخلال فترة علاجه فى ألمانيا كنت أتواصل مع مرافقه وابنه البار امين ، حفظه الله
ورعاه ، فطلبت منه أن يبلغه أن عليه أن يضيف لهاتفه خدمة " الواتساب "
فأبلغه ، وكان لى ما طلبت ، فغدوت أتواصل معه من وقت لآخر قبل أن يعود
إلى موريتانيا ..
وذات مرة أخرى ـ بعد سنوات عديدة ـ أرسلت لأرملته ، أختنا الغالية ـ أطال
الله فى عمرها ـ هدية من مقتضيات المنزل ، وأخبرت إحدى أخواتنا بأن
تبلغه بأن تلك الهدية " الزرك الكاتل طيرين " فذهبت مثلا آخر
إننى ـ وأنا أستفصى وأستدعى بعض مناقب ومآثر فقيدنا الغالي فإننى أحاول
تجنب وتكرار واجترار ما ذكره من سبقوني لتأبينه شعرا ونثرا تعدد وتنوع
منتجوه ، جزاهم الله خيرا ، بل أحاول ـ أكثر من ذلك ما استطعت ـ عدم
تكرار ، وتجنب ما ذكرته فى تأبين راحلين قبله ، اللهم ما كان من "
متطلبات البحث " الضرورية ، مستحضرا ـ وإن شئت قلت مستطردا ـ قول أحمد
شوقي :
يقولون يرثى الراحلين فويحهم أأملت عن الراحلين الجوازيا
أخبرت إحدى أخواتنا بأن امرأة سألتها فى الأيام الأخيرة التى كان يرقد
خلالها فى عيادة " كيسى " بانواكشوط قائلة : " هذا الراجل منه " ؟
" ألا نبق نعرف هذا الراجل منه " ، وذلك لكثرة ما شاهدت من توافد الناس
زرافات ووحدانا لزيارته ، ومتابعة وضعه أولا بأول
وبلغنى أن امرأة رقيقة الحال من مجتمعنا وصلها ذات مرة مبلغ مائتي ألف
أوقية من شخص لم يعرف بنفسه ، فعلقت قائلة : " هذا إكد إعدل ألا أحمد ول
أيديه ول فلان " و" فلان " هذا لاأذكر اسمه
وأخبرنى أخونا الفاضل ـ الرجل الشهم الكريم الذى يطعم الجفلى كما قال طرفة :
نحن فى المشتاة ندعوالجفى* لا ترى الآدب فينا ينتقر
ـ المختار بن سيدي بن أهنه ، حفظه الله ورعاه ، وفرج همه ، وكشف غمته ،
وقد طلب منى ذكر اسمه واسم أبيه فى هذا السياق بعد أن استشرته فقال إنه
كلما قدم فى إجازة كان أحمد ـ رحمه الله ـ يسلم مبلغا ماليا لأهل المختار
وأهلنا جميعا لإقامة مأدبة لضيافته يدعو لها من شاء
وحدثني بقصة طريفة كانت مدعاة ومناسبة للتندر مفادها أنه اجتمع ، ذات مرة
مع الفقيد ضمن جماعة أخرى على مائدة لم تكن كافية ، فما كان من المختار
إلا وقف كالمحتج قائلا : " الله لا اعاكبن امع انعود وحد وانتم نمل صابر
أنوكل منه إلين نشبع "
وقد تحقق له ذلك ، فهودوما " يمل صابر " ويشبع غيره قبل أن يشبع هو
فكان الفقيد كلما اتصل به يسأله : " أيو الصابر ظرك إياك أل املان " ؟
قد يرى البعض فى هذا البحث التأبيني ـ كما أسميه وفى مقالات أخرى ـ
إسهابا ، وقد قيل فى ذلك
أما أنا فأجيبه : مهلا ، على رسلك !
فقد أعجبني جواب للأديب الكبير والفقيه المعروف : محمد الأمين الشاه
حينما كنت أتابعه ذات حلقة فى إحدى القنوات الوطنية عندما سأله أحدهم
قائلا : " الا ترى معي أن مظهرك هذا غريب على الموريتانيين " ؟
فأجابه بشطر " كاف " من الشعر الحساني لأحدهم يقول فيه : " ال باق يسمع
يسمع وال باق اشوف اشوف " ، مع نقص فى الوزن لا يعود إلى الشاه بالتأكيد
، ومع بعض التفاصيل التى أوردها ، ولكن المقام لا يناسب ذكرها

يقول أبو الحسن التهامي فى رثاء ابنه :
حكم المنية فى البرية جار * ما هذه الدنيــا بدار قـــــرار
بينا يرى الإنسان فيها مخبرا *حتى يرى خبرا من الأخبار
طبعت على كدر وأنت تريدها* صفوا من الأقذار والأكدار
ومكلف الأيام ضد طباعــها *متطلب فى الماء جذوة نار
فإذا رجوت المستحيل فإنما * تبنى الرجاء على شفير هار
فالعيش نوم والمنية يقــظة * والمرء بيــــــنهما خيال سار
فاقضوا مآربكم عجالا إنما * أعماركم سفر من الأســــفار

ليس الزمان وإن حرصت مسالما خلق الزمان عداوة الأحرار
وهي قصيدة طويلة كلها حكم وعبر يختمها ببيت رائع يقول فيه :
لله در النائبات فإنــــــــها ضد اللئام وصـــيقل الأحرار

وهذا المعنى يذكرنا بقول المتنبي :
رماني الدهر بالأرزاء حتى *فؤادي فى غشاء من نبـــــال
فصرت إذا أصابتني سهام *تكسرت النصال على النصال

ويقول متمم بن نويره يرثى أخاه مالكا :
لقد لامني عند القبور على البكا* رفيقي لتذراف الدموع السوافك
فقال أتبكى كل قبر رأيتــــــــه * لقبر ثوى بين اللوى والدكادك
فقلت له إن الشجا يبعث الشجا *فدعني فهذا كله قبر مــــــالك

ومما قاله أبو تمام فى قصيدته الخالدة التى يرثى بها محمد بن حميد الطوسي

وينطبق على فقيدنا كامل الإنطباق ، وقد عنونت المقال بصدر مطلعها :

كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر *فليس لعين لم يفض مـــاؤها عذر
توفيت الآمال بعد محـــــــــمد * وأصبح فى شغل من السفر السفر
وما كان إلا مال من قل مـاله * وذخرا لمن امسى وليس له ذخــر
فتى كلما فاضت عيون قبيلة * دما ضحكت عنه الأحاديث والذكر
فتى كان عذب الروح لا من غضاضة* ولكن كبرا أن يقال به كــــــــــبر
كذلك ما ننفك نــــــــفقد هالكا * يشاركنا فى فقده البدو والحضر
سقى الغيث غيثا وارد الأرض شخصه* وإن لم يكن فيه سحاب ولا مطر
عليك سلام الله وقفا فإنـــــــنى * رأيت الكريم الحر ليس له عمر
فى صحيح البخاري : " قال النبي صلى الله عليه وسلم أيما مسلم شهد له
أربعة بخير أدخله الله الجنة فقلنا وثلاثة قال وثلاثة فقلنا واثنان قال
واثنان ثم لم نسأله عن الواحد "
أما أحمد فينغقد الإجماع غير المنخرم والتواتر القطعي على الشهادة له
بخيرفى صحته قبل مرضه ، وبعد انتقاله إلى جوار ربه ، بالأحرى
ذلك مما لا يختلف فيه اثنان ، ولا ينكره إلا مكابر
رفعت الأقلام وجفت الصحف
رحمه الله رحمة واسعة ، وأسكنه فسيح جناته ، وجمعنا وإياه فى مستقر رحمته
وإنا لله وإنا إليه راجعون ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

مولاي بن أيديه

عودة للصفحة الرئيسية