غياب المعلومة و أزمة شركة اسنيم

الأربعاء 1-05-2019| 20:16

د. يربان الحسين الخراشي

في مطلع شهر مايو سنة 2014 وقع مناديب العمال مع إدارة شركة اسنيم على الاتفاقيه التي بموجبها تمنح الشركة زيادة عامة معتبرة في الأجور، حينها كانت الأسعار بالنسبة للخام القياسي تركيز 62% في حدود 110 دولارا للطن، و من سوء الحظ أو من حسن الحظ بدأت الأسعار تتهاوى مطلع سبتمبر من نفس السنة لتصل إلى حدود 78 دولارا للطن خلال شهر أكتوبر، الذي كان من المفترض أن تدخل الاتفاقية حيز التنفيذ خلاله. تراجع الأسعارهذا جعل الإدارة تتلكّأ في تطبيق الاتفاقية، وهو ما قاد في النهاية العمال إلى اضرابهم الطويل مطلع 2015 الذي كان بداية الدخول في النفق المظلم.

لكن المفارقة المضحكة، والمبكية في نفس الوقت أن صحيفة الفايننشال تايمز( Financial Times ) الذائعة الصيت التي نشرت في عددها الصادر بتاريخ 10 إبريل 2014 تقريرا مفصلا عن برنامج "النهوض" أو الركود إن صح التعبير كانت قد نشرت قبل ذلك توقعات بعض المحللين الدوليين حيال انهيار الأسعار نتيجة للبرامج والخطط المعلنة لدى الأربعة الكبار (فالي، ريو تينتو، بي.اتش.بي و فورتيسكميتال) التي تستهدف زيادة الإنتاج، وإغراق السوق الصيني الأكبر عالميا بالمادة الخام بغية إخراج مناجمها عالية التكلفة من المنافسة، وكذلك قطع الطريق أمامها في امتلاك، واستغلال مناجم خارجية خاصة في إفريقيا، وأمريكا اللاتينية.
وفي الحقيقة أزمة انهيار الأسعار التي كانت متوقعة كما ذكرنا أعلاه أعطت أكثر من إنذار مبكر قبل تفاقمها على سبيل المثال لا للحصر : انخفاض الأسعار بأكثر من 40 دولارا للطن في مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر لأول مرة في التاريخ حسب علمي بعد إعلان الصين عن مؤشرها، حيث كانت الأسعار في حدود 177 دولارا للطن سبتمبر 2011، وانخفضت إلى 135 دولار نوفمبر 2011 .
إن إشكالية غياب المعلومة هذه تقودنا إلى سؤال محرج وخطير— هل كانت الإدارة العليا لدى الشركة على علم بتوقعات انهيار الأسعار التي نشرتها صحيفة الفايننشال تايمز، وغيرها من الصحف الدولية حين وقعت الاتفاقية مع العمال ؟؟؟

اليوم ومع استمرار رفض العمال للمبررات التي قدمتها إدارة الشركة مؤخرا حيال رفضها المؤقت لتلبية مطالبهم المشروعة، بدأت تطفو على السطح بوادر تصعيدية قد تقود إلى تأزيم شديد للأوضاع في الشركة. العمال اتبعوا مؤخرا أسلوب تصعيدي جديد تمثل في تقليص الإنتاج اليومي في مصنع گلب الغين 1 و2.

لكن هذا التصعيد جاء في فترة زمنية كان يجب مضاعفة الإنتاج فيها لتمكين الشركة من ضرب عصفورين بحجر واحد، حيث كان يجب إنتهاز الفرصة الثمينة المتمثلة في نقص الامدادات عالميا لتعزيز حصة الشركة في السوق الصينية الأكبر عالميا، التي كانت قد خرجت من الأزمة بخسارة حوالي 20% منها، حيث انخفضت صادراتها إلى الصين من حوالي 10 مليون طن سنة 2014 إلى حوالي 8 مليون طن سنة 2018، هذا من جهة، ومن جهة أخرى كان يجب زيادة الإنتاج، وبالتالي زيادة الصادرات لتعزيز الإيرادات المالية في فترة يصل معدل الأسعار فيها للخام القياسي حوالي 90 دولار للطن، وعليه فإن استعادة اسنيم لحصتها في السوق الأكبر عالميا بل وحتى زيادتها هو ما كان يجب العمل على تحقيقه في هذه الفترة الحساسة خاصة إذا علمنا أن صادرات الخام البرازيلي بلغت في مارس المنصرم 22.18 مليون طن ، بانخفاض 26 ٪ مقارنة بنفس الفترة من عام 2018.

إن غياب مشاركة المعلومة عن قصد أو من غير قصد كان أحد الأسباب الرئيسية وراء الأزمة بين العمال والشركة بل ولازال أحد أهم الأسباب وراء استمرارها، ويبقى الولوج إلى المعلومة حق من حقوق العامل، وشرط مسبق للشفافية التي هي شرط لخلق وسط ملائم لحل الأزمات، وفي اعتقادي أن أول خطوة على طريق إصلاح الشركة هي مشاركة المعلومة والصدق مع العمال لتحفيزهم على العمل بكفاءة وفعالية، وتشجيع الأطر على التفكير الإبداعي الابتكاري، فلا يجب أن يعرف العامل البسيط كيف ينتج المادة الخام فقط بل كيف تباع؟ وبكم تباع؟ و لمن تباع؟ وعن طريق من تباع؟ ومن ينافسنا؟ وبما ينافسنا؟

إن تطوير الشركة، وإعادة هيكلتها أصبح ضرورة حتمية، فلابد للشركة أن تتطور وما يتماشى مع الوضعية الجديدة للسوق العالمي لخامات الحديد، الذي أصبح يأتي كل يوم بجديد، ونظام إدارة الثكنات العسكرية للمستعمر الفرنسي البغيض الذي ورثته الشركة، ومازالت متمسكة به لم يعد يصلح لإدارة الجيوش في القرن 21 فما بالكم بإدارة الشركات.

د. يربان الحسين الخراشي

عودة للصفحة الرئيسية