العامل القبلي وذروة التوظيف الرسمي

تدوينة

الثلاثاء 30-04-2019| 09:00

محمد ولد المنى، إعلامي

كان للعامل القبلي على الدوام حضورُه المحسوس والمؤثر في حياتنا العامة، منذ بداية الاستقلال وقيام الدولة الوطنية وحتى الآن. لكن تراجعاً ملحوظاً أصابه خلال السنوات الأولى للاستقلال ومرحلة حكم « حزب الشعب » الذي حاول الاستغناء عن دور المشيخات والزعامات التقليدية وتقليص دورها، بعد أن راكمت لها نفوذاً ودوراً ملحوظين في ظل الإدارة الاستعمارية وربطت مصالحها بالمستعمر الأجنبي، ولم تكن متحمسةً لمشروع دولة الاستقلال الوطني. وقد جعل « حزب الشعب » من الاندماج الوطني وصهر المكونات المختلفة للمجتمع في بوتقة « الأمة الموريتانية الواحدة »، أساسَ شرعيته والمبرر الرئيسي لصيغة نظام الحزب الواحد التي كانت آنذاك موضة المرحلة في معظم الدول المستقلة حديثاً، وقد تبنّاها « مؤتمر الوحدة » عام 1961، حيث قررت الأحزاب المشاركة فيه حل نفسها والاندماج في « حزب واحد » يقود الحكومة والشعب والدولة.
كانت الدولة في طور نشأتها هشةً ومحاطةً بتحديات داخلية وخارجية جمة، وكانت بحاجة ماسة إلى المتعلمين وأصحاب الشهادات، وكان الرئيس المختار شخصياً يتابع تطور دراسة الطلبة الموريتانيين في الخارج، وكان ينتظر عودتهم إلى أرض الوطن بفارغ الصبر، لتوليتهم المسؤوليات والمناصب العمومية، كما يخبرنا كل من سيدي محمد ولد الشيخ عبدالله وأحمد ولد سيدي بابا وأحمدو ولدعبدالله وسيدي أحمد ولد بنيجارة. بل كان يتصيد حملة الشهادات وأصحاب الخبرات من ذوي الأصول الموريتانية في الدول الأخرى، لاستقطابهم وجلبهم إلى وطنهم الأم، كما يذكر محمد عالي الشريف في مذكراته الشخصية. لذا كانت الشهادة والكفاءة أهم أساس للتعيينات الرسمية في ذلك الوقت، ولم يكن للعامل القبلي دور كبير في إسناد المناصب الحكومية. ومن هنا يلاحظ « افرانسيس دي شاسي »، في كتابه « موريتانيا من 1900 إلى 1975 »، أنه لم يكن مما يلفت الانتباه كثيراً أن تضم الحكومة خمسة وزراء من قبيلة واحدة، بل قد نجد شقيقين (كما حدث مع أولاد التيس) في نفس الحكومة !
ورغم ذلك فقد بقيّ للعامل القبلي حضوره (وإن على استحياء) في الفضاء العام، ولم تنجح السياسات الاندماجية لـ« حزب الشعب » في اجتثاثه تماماً والقضاء عليه. لذا لم يكن مفاجئاً أن تأتي حركة 10 يوليو محمَّلةً بنفس فئوي محسوس، سرعان ما انفجر على شكل صراعات بين ضباط الحركة وقادتها.
بيد أن ترسيم العامل القبلي في المجال العمومي، وعلى أعلى مستوى للاستراتيجية العامة للدولة، وهنا تكمن المفارقة الكبرى، إنما كان في ظل انتقال بلادنا نحو « التعددية الحزبية »، عقب خطاب ميتران الشهير خلال القمة الفرنسية الأفريقية بمدينة لابول عام 1990، والذي طالب فيه القادةَ الأفارقةَ بالاستجابة لرياح التحول الديمقراطي وقد هبّت قوية على العالم انطلاقاً من جمهوريات الاتحاد السوفييتي وبلدان شرق أوروبا التي انتفضت ضد أنظمتها التسلطية ذات القبضة الحديدية. ويومها توصلت اللجنة العسكرية الحاكمة إلى أنه لا مناص من الاستجابة للضغوط الفرنسية وتخلي الضباط عن بزاتهم العسكرية، ليواصلوا الحكم كمدنيين في ظل « ديمقراطية » تستجيب شكلياً للمطلب الخارجي، وتبقي على الجوهر « العسكرتيري » للنظام كما هو دون تغيير كبير. وكانت الأداة الأساسية لتحقيق ذلك « التحول الشكلي » هي القبيلة وإعادة إحياء دورها في المجال العمومي.
لقد تم استحداث مظاهر النظام الديمقراطي واستعارة جميع واجهاته الشكلية، من دستور وانتخابات وأحزاب ونقابات ومجالس تمثيلية.. إلخ، لكن دون السماح لهذه الهياكل والواجهات الشكلية بامتلاك أي مضمون عصري ديمقراطي حقيقي. لقد تمت الاستعاضة عن الأحزاب السياسية والروابط والاتحادات النقابية ومؤسسات المجتمع المدني.. بالقبيلة والرابطة القبلية، وإعادة إقحام المكون القبلي في المجال العمومي، حتى صارت الحكومة وكل المناصب العمومية محصصات قبلية وفئوية، وصارت القبيلةُ قناةً وحيدةً لتسليك العلاقة بين المواطن والسلطة « العمومية ». وبذلك تم الإجهاز على الحركات والأحزاب السياسية من خلال إعادة بعث القبيلة وتشجيع القبلية، وباتت القبيلة محور الحياة العمومية، ومنصة الانطلاق الوحيدة نحو الولوج إلى المناصب الرسمية والصفقات العمومية.
وهي الاستراتيجية التي يستمر العمل بها إلى يوم الناس هذا، غير أنها بلغت في أجواء الانتخابات الرئاسية الحالية طوراً جديداً لم يحدث مطلقاً أن بلغته من قبل، حيث سُمح بكشف الغطاء عن مبادرات دعم قبلية معلنة، واستقبالات وزيارات قبلية في وضح النهار، ومبايعات قبلية صريحة لمرشح السلطة، وصناديق مالية قبلية معلنة لدعمه (أحدها بلغ ملياري أوقية)، ومؤتمرات مساندة قبلية ينقلها الإعلام السمعي والبصري.. وغير ذلك مما لم نشهده من قبل، لكنه ظهر الآن ليشكل حالةً من « جنون التدافع القبلي » على السلطة ومرشحها، في لحظة شكلت ذروةَ المنحنى البياني لتوظيف العامل القبلي واعتماده والاعتماد عليه رسمياً !

عودة للصفحة الرئيسية