العنف ضد قبائل الفلان.. إلى أين تتجه منطقة الساحل الإفريقي؟

الاثنين 22-04-2019| 14:30

بقلم: عبد الله ممدو با

تعرف منطقة الساحل الإفريقي الممتدة من موريتانيا غربًا إلى تشاد شرقًا، حالة أمنية معقدة منذ ظهور الحركات المسلحة العنيفة ذات الخلفية الدينية المعروفة عاميًّا بـ"الجهادية"، مع مطلع الألفية الحالية. وقد تفاقم الوضع، وبشكل محموم، بعد انهيار النظام الليبي ومقتل العقيد، معمر القذافي، في أكتوبر/تشرين الأول 2011، مما أدى إلى تدفق كبير للمقاتلين وللأسلحة بشكل لافت إلى المنطقة وأحيا فتيل بعض حركات التمرد، خاصة في الشمال المالي. وفي تحالف مرحلي قصير بين "الجهاديين" وتلك الحركات، خاصة الحركة الوطنية لتحرير أزواد، تمت السيطرة على منطقة الشمال المالي سنة 2012. وأعلنت الحركة الوطنية لتحرير أزواد انفصال الشمال في أبريل/نيسان 2012. وكادت العاصمة باماكو نفسها أن تقع تحت "الاحتلال"، لولا أن فرنسا قررت التدخل، في يناير/كانون الثاني 2013، عبر قوة عسكرية سريعة الانتشار. وشتَّت الحضور العسكري الفرنسي قواعد "الجهاديين" الذين كانوا يقاتلون ميدانيًّا سواء في صفوف قاعدة الجهاد في المغرب الإسلامي أو حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا (المعروفة في الأدبيات الفرنسية باسم ميجاو) أو حركة أنصار الدين أو بعض الميليشيات المحلية المتحالفة معها أو المحسوبة على إحداها. كما حصر التدخل الفرنسي الحركات السياسية المتمردة في زاوية لم تتمكن من الخروج منها إلا بشق الأنفس؛ فلجأت تلك الحركات إلى المصادقة على اتفاق للسلام، عُرف باتفاق الجزائر، وُقِّع في 15 يونيو/حزيران 2015، تحت رعاية دولية.

وقد أدى بطء الدخول الفعلي في ترتيبات تطبيق اتفاق الجزائر إلى حالة من الارتباك السياسي والأمني وإلى تشعب للأزمة المالية على مستوى الداخل مع انعكاسات خطيرة على كافة دول المنطقة.

الطريق إلى باماكو وإقحام الفلان في الأزمة
انسحب الجيش المالي بسرعة أمام جحافل الكتائب "الجهادية" والوحدات الانفصالية من كافة مناطق الشمال، واختفت مع انسحابه كل مظاهر الدولة بعد الرحيل الكلي للإدارة المالية منها. وبذلك أصبحت منطقة موبتي، وسط البلاد، آخر مجال لحضور رموز السيادة المالية في تلك التخوم، فأضحت خطًّا فاصلًا بين الشمال والجنوب الماليين، بل إن "الجهاديين" وحلفاءهم جعلوا من مدينة كونا، وهي على بعد عشرات الكيلومترات من موبتي، نقطة متقدمة لوجودهم. ومن كونا، المأهولة بأغلبية من الفلان، بدأ التخطيط للتقدم نحو باماكو. وفي خضم ذلك التخطيط، تم تجميع كافة المقاتلين "الجهاديين" من غير العرب والطوارق ممن يمكن تسميتهم بـ"الجهاديين السود" في صفوف مختلف الحركات والكتائب "الجهادية" في كتيبة واحدة سميت بـ"كتيبة ماسينا لأنصار الدين"(1). وبما أن أغلبية مقاتلي تلك الكتيبة من قبائل الفلان (رغم وجود مقاتلين من البمبارا والسونغاي والدوغون والموسي وغيرها من القبائل الإفريقية)، عُهِدت قيادة الكتيبة الجديدة إلى الداعية الفلاني، محمدون سادا باري، المكنَّى بـ"محمدون كوفا"، الذي كان ينشط في صفوف حركة "أنصار الدين" التي تأسست قبل ذلك بأشهر تحت إمرة الزعيم الطارقي، إياد آغ غالي، المكنى بأبي الفضل. وتم التنظير لكتيبة ماسينا كواجهة محلية للعمل "الجهادي" في منطقة لم يكن الصيت والقيادة فيها للأفارقة بل للأجانب، خاصة من الجزائريين والموريتانيين وغيرهم من المقاتلين الوافدين، خاصة من الأقطار العربية(2).

تكتيكيًّا، كان يراد لكتيبة ماسينا أن تكون رأس حربة التقدم نحو العاصمة المالية، باماكو، جنوبًا. وفي تلك اللحظة، كتب "الجهاديون" -ربما عن غير وعي- فصلين مهمين سيحددان، لاحقًا، طبيعة التطورات الملازمة للأزمة المالية حتى الآن. ويتعلق الأمر هنا بالتدخل الفرنسي من جهة وإقحام عرقية الفلان في معمعان الصراع من جهة أخرى، كحاضر عرضي في الأزمة عند بدايتها، قبل أن يتحول الفلان إلى عنصر مستهدف بالدرجة الأولى في إطار سياسة مكافحة الإرهاب في مالي وفي أجزاء كبيرة أخرى من منطقة الساحل(3).

لمتابعة القراءة

عودة للصفحة الرئيسية