شركة استرالية: قررنا استخراج اليورانيوم من موريتانيا عصابات تسيطر على حركة العبور البري بين موريتانيا والمغرب من أجل سياسة وطنية رشيدة للطاقة والمحروقات شركة مغربية تنفى سرقة تصميم قميص منتخب موريتانيا كيف واجه الرئيس المختار ولد داداه اليمين و اليسار و إيديولوجيا القبيلة في بتلميت؟ Feuille de route pour le Président idéal… /Par Ebe Babah "تواصل" .. التموقع الاستراتيجي الوقائي المرحلي؟ فرنسا: اطلاق صندوق للتبرعات لمركز تكوين العلماء فى موريتانيا نتائج مجلس الوزراء Une voiture de Macky Sall vendue en Mauritanie

رئيس و شعب فوق منطقة الجاذبية

(الحلقة الثانية عشرة من حديث "القلب" و "العقل" في رئاسيات 2019 - 22 بريل 2019)

الاثنين 22-04-2019| 08:00

محمد الأمين ولد أبتي كاتب و باحث

كتبت يوم 3 مارس الفارط : "قال أبو حيان التوحيدي : "الكلام على الكلام صعب"، لكنني أقول : إن الكلام بمناسبة غياب الكلام، أو قلته أصعب". و كتبت يوم 31 يناير الفارط : "إن معادلة "القلة" و "الكثرة" في "الصمت" و "الكلام" هذه، هي السؤال و اللغز الأكبر الذي يواجه المراقبين و الأطراف المعنية في رئاسيات 2019 التي تم إعلان محمد ولد الشيخ محمد أحمد ولد الغزواني المرشح الأوفر حظا لنيل ثقة الموريتانيين فيها. و كم أشعر في أحيان كثيرة بالشفقة على هؤلاء الصحفيين و السياسيين و العامة الذين لا يحسنون قراءة أو سماع شيء آخر سوى الكلام، عندما يصطدمون "بالندرة" غير المسبوقة في الخطابات المنسوبة لهذا الرجل".
أنذرتكم أيها "الظاهريون" و "السطحيون" و "المسطحون" من سياسيين و صحفيين و مدونين، من البقاء في سجن تحليلاتكم التقليدية. و قلت لكم أن تتصلوا بنا نحن أصحاب الحاسة السادسة، و من جماعتنا "جورج جرداق" و "أم كلثوم"، لنساعدكم على سماع كلام الصمت و قراءة ما قاله الخطاب دون أن يقوله. لنمكنكم من فك شفرة الخطابات التي ترمز إليها المسلكيات و منهجيات العمل و الحركة لدى هذا النوع المقل في الكلام من الرجال. لكنكم لم تستمعوا إلى، و أصررتم على مواجهة "الظاهرة الغزوانية" ذات الطبيعة الخاصة و المتفردة بآليات تحليل تقليدية و متخلفة، تتميز بمحدودية الأفق و ضيق الخيال. و لهذا عرفت الشهور الماضية مراكمتكم لكتل من الأخطاء المضحكة و المبكية بآن.
انظر مثلا كاتبا عبقريا مثل "حنفي ولد الدهاه" - الذي ليس بالتأكيد ظاهريا و لا سطحيا - يتساءل أسابيع قبل إلقاء ولد الغزواني خطاب ترشحه : "عما إذا كان صمت الرجل شبيها بصمت البنت الحمقاء التي يوصيها الأهل بعدم الكلام في المجالس قبل الزواج لكي لا يفتضح حالها". لكن خطاب الترشح نسف تساؤل صاحبنا نسفا لم نسمع له بعده تعليقا في المسألة، رغم أنه من ذلك النوع من الشيوخ الذين نادرا ما يبرك حمار الواحد منهم في العقبة.
بالنسبة لي، لا أعرف من الرؤساء السابقين و لا المترشحين الحاليين و لا السابقين للرئاسة - باستثناء جميل ولد منصور الذي ترشح مرة واحدة - من القي خطابا باللغة العربية الفصحى، توزن فيه الكلمات و الجمل، و يخرج صاحبه عن النص المكتوب و يعود إليه دون صعوبة، بمستوى خطاب ترشح ولد غزواني. و تلك فرصة لي للقول بأنه بعد خطاب فاتح مارس لا حاجة إلى خطاب جديد، و أن البرنامج الانتخابي الذي يرفع الكثير منهم عقيرته مطالبين به، جاء بالتمام و الكمال في ذلك الخطاب.
و من أهم ميزات ذلك الخطاب، المستوى العالي من احترام الشعب و انتقاء العبارات في مخاطبته و خصوصية التعاطي مع قواه الحية. في البداية شكر مكرر للجماهير جميعا للوقت الذي خصصته للحضور و لراحتها الضائعة، مع تكرار كلمة "جميعا" مرات عديدة. و حرص على عدم نسيان أحد ممن هو داخل الملعب أو خارجه، و من الموريتانيين في مختلف ولايات الوطن و من الجاليات في الخارج.
و في نهاية الخطاب دعوة لجماهير الشعب الموريتاني - الذي يسميه الخطاب في كل مرة بالشعب الموريتاني الأبي - للالتفاف حول هذا المشروع. و يخص الخطاب التشكيلات السياسية - دون النص على تشكيلة بعينها أو استثناء أخرى - و المنظمات المهنية و الشبابية و المجتمع المدني بطلب المساهمة في إنجاحه. لكن الأمر لا ينتهي عند ذلك الحد فالجميع مدعوون إلى المساهمة في العمل التنفيذي، و أفكار الجميع في التصور و الاقتراح ستجد من الرئيس آذانا صاغية و عقلا منفتحا و صدرا رحبا.
إنه خطاب رئيس لشعبه مباشرة و بدون واسطة. و المشهد كله محمل بتلك الرسالة. في الخلفية لا توجد رموز أي حزب، حيث تم الاكتفاء بألوان العلم الوطني. و الرجل صعد المنصة و حيدا دون طاقم مرافق، و انتهي الخطاب دون متدخلين و لا معقبين. و معنى ذلك بكلمة واحدة أن الرجل فتح اتصالا مباشرا مع الشعب. متحررا في لحظة مخاطبة الشعب من كل الحلفاء و اللوبيات التي ميزت مشهد اللوحة لدى المترشحين الآخرين.
و بما أننا نعتبر تلك التحالفات و تلك اللوبيات هي التعبير عن حقل "الجاذبية الأرضية" في المحال السياسي الوطني، و الذي يجذب ذلك المجال نحو "العالم السفلي"، الذي نقصد به عالم السمسرة و الصفقات السياسية التي تبدأ من الرشوة خلال الحملة و شراء الذمم، إلى بيع الوزارات و الولايات و الإدارات مقابل ما يدعي هذا أو ذاك من ناخبين يملك رقابهم ملك العبيد - بما أن ذلك هو منطلقنا التحليلي - فسندعي أن مرشحنا كان على متن طائرته في خطاب فاتح مارس، متعالىا على حقل الجاذبية الخاصة بالسياسيين و اللوبيات، موالين كانوا أو معارضين، و مدشنا رحلة اللقاء المباشر بشعبه. لهذا جاءت خطاباته الستة و الثلاثون في المقاطعات الداخلية إعادة للجوهري في خطاب نواكشوط، ما يعني أن الغرض الأساسي لم يكن نص الخطاب و إنما مبدأ التواصل المباشر مع الشعب.
و عندما أجر المرشح الطائرة و بدأ "الغزوة الجوية " ذات المحطات الستة و الثلاثين، قامت الدنيا و لم تقعد عند الجماعة. و تم إطلاق تسونامي من الملاحظات الدالة على سطحية القوم و انشغالهم بالأعراض عن الجوهر. قالوا : لماذا الطائرة ؟ و لماذا طائرة الجيش ؟ و لماذا اللقاءات غير المحضرة و غير المنظمة ؟ و لماذا لا يخصص المرشح وقتا كافيا للقاء الأطر و نقاش و عرض البرامج ؟
و قد كفى المرشح الجميع مئونة الرد على مسألة الطائرة العسكرية، موضحا أن الأمر يتعلق بتأجير، و أن عرض الجيش الوطني كان هو الأفضل، و قد تم اختياره لهذا السبب.
لكننا سنضيف أن، ما لا يفهمه الخيال الضيق لهؤلاء السياسيين هو أن الطائرة وسيلة عملية تجمع بين السرعة و الاقتصاد. فلو قارنتم تكاليف الطائرة و تكاليف نقل و محروقات و إقامة و إعاشة هذا الجيش من المصفقين و الصحافة الصفراء لوجدتم أن التكاليف قد تكون أقل، مع الربح الذي لا يقدر بثمن الخاص بعامل الزمن. و ليس غريبا أن لا يروق هذا النهج في الإنفاق على الحملة و عدم التردد في توفير المتطلبات اللوجستية، للسماسرة التقليديين الذين مردوا على التقشف في الإنفاق على المتطلبات الحقيقية للحملة، و التركيز على العناوين الوهمية لشراء الذمم، و التي لا تجاوز الأموال فيها في الغالب جيوبهم الخاصة. و الكثير منهم لا يتورع حتى عن القليل من النقود المخصص لبناء خيام الحملة و تجهيز مقراتها بالكهرباء و الصوتيات و الشاي و الملصقات.
لكن الدلالة الأهم للطائرة، و لمدارج هبوطها ال 36، و التواصل مع السكان من خلال المنتخبين المحليين بدل القادة السياسيين، و اختصار زمن الزيارة، و عدم القبول بتولي أي من الأجنحة المحلية في المناطق المزورة للاستقبال، هو الحرص على التواصل المباشر مع المواطنين، و تقديم التعهدات إليهم، و توقيع العقد الاجتماعي معهم حيث هم. إن ذلك يرمز إلى التخلي عن مخاطبة الشعب في الداخل من خلال المركز أو الوسطاء. إن الرئيس يتصل بكل مواطن في مكان إقامته، بلا نيابة الأدعياء و السماسرة. إننا أمام 36 جمعية عامة، لتوقيع العقد الاجتماعي بين المجتمع المحلي و رئيس الجمهورية. الجمهورية التي تم إبلاغ الموريتانيين من "واد الناقة" إلى "بنشاب"، مرورا بكل مقاطعات الوطن إنها جمهوريتهم جميعا، مع القول لهم : "بكم يتم النجاح و كل منكم يمكن أن يساعد من موقعه".
فعلا يا "أصدقاء ولد ابريد الليل"، كنتم صادقين حين قلتم إن غزواني يحلق في سماواته. إنه فغلها حقا متعاليا على مجال جاذبيتكم أنتم، الذين تعودتم على قيام كل رئيس بعقد صفقات سرية معكم. لكنه يتعالى بنفس المعنى على اللوبيات القبلية المحلية التي تعودت على تنظيم اللقاءات بين الرؤساء و شعبهم، بحيث يحولون رئيس جمهورية الجميع إلى ضيف عند هذا أو ذاك، من مصاصي دماء المجتمع المحلي و المتاجرين بأصواته. بفضل طائرة المرشح و خيام استقباله التي تم بناؤها بوسائله الخاصة فهو ليس ضيفا على أحد و لا على طرف دون طرف، و إنما هو بين أهله أينما حل و ارتحل. غدا لن يجرؤ أحد من هؤلاء أن يقول هذا حلفي و هذه قبيلتي و ذلك صندوق ناخبي، و أريد الثمن.
الشعب هو الآخر تفاعل مع مطلب التحليق فوق حقل الجاذبية للعالم السياسي السفلي. لم يقبل هذا الشعب أن يفوت فرصة الثورة على النظام البروتوكولي لقادة اللوبيات المحلية، و هو ما ظهر على شكل فوضى، و أنعم بها ما دامت تحمل دلالة المروق و الخروج عن طاعة المستغلين المحليين. تلك هي طريقة جماهير المجتمع المحلي للتحليق و التعالي على سيطرة القيادات المحلية المهيمنة، و انتهاز فرصة الوقت الضيق المتاح للتعبير عن التعاقد مع رئيسهم مباشرة، دون المرور بالوسطاء و السماسرة. تلك الفوضى التي طبعت الكثير من المحطات هي فوضى خلاقة و حاملة لخطاب شعب يحلق هو الآخر في سماوات الأمل بالغد المشرق، و بطلوع شمس صباح لا تحول بينهم و بينها تلك القيادات المحلية من سكان الأحياء الراقية في نواكشوط، التي لا يقابلونها إلا أيام الحملات، لتبيعهم و تقبض ثمنهم دون علمهم.
لقد كانت الفوضى و الهرج و المرج المصاحب لاستقبالات المرشح تعبيرا عن شيء مختلف لما زعمه "أصدقاء ول ابريد الليل"، الذين يستحق الشعب الموريتاني عليهم اعتذارا عن نعتهم له ب"غوغاء غزواني". أنصفكم لأنكم مردتم على الاستفراد بحكام موريتانيا المتعاقبين في المكاتب المغلقة، و الحديث باسم الجماهير، التي هي بالنسبة لكم غوغاء لا تستحق أن تسأل و إنما يملى عليها.
ليقرأ كل منكم كما يشاء، أما قراءتي أنا فهي أن جماهير الشعب الموريتاني - تماما كالجماهير العربية في السودان و الجزائر هذه الأيام - لم تعد مستعدة لهذه اللوبيات المتحكمة في مصالحها، و هي تنتظر من حكامها تحقيق مطالب من نوع جديد، يحتاج قيادات من نوع مختلف. قيادات قادرة على التواصل المباشر مع الشعب و الاستماع إليه، و إشعاره بأنها تسمعه و بأنها في خدمته. إذن لابد من الصعود بعيدا عن مجال الجذب المغناطيسي لهذه الطفيليات و القطط السمان التي تعيش من السمسرة و الوساطة بين الرئيس و الشعب. و لو كان باستطاعة الرئيس أن يضرب لجماهير شعبه موعدا بين النجوم، بعيدا عن هؤلاء السماسرة لكان أفضل. لكن لا بأس لقد استقبلوه بعفوية في جميع إرجاء الوطن، و سمعوا خطابه، و سمعوا تعهداته و أدركوا "معنى العهد عنده".


يتواصل أسبوعيا بإذن الله.

عودة للصفحة الرئيسية