الابتكارات المزعزعة : قراءة في تحول الأنماط والقيم

الأحد 21-04-2019| 20:30

إسماعيل محمد خيرات

قبل ابتداع اكلاي اكريستنسن لمصطلح الابتكارات المزعزعة بما يقرب من نصف قرن ، كان الباحث في سوسيولوجيا الريف "إيفرت روجرز" قد تحدث عن الموضوع بكل دقة ممكنة في كتابه "نظرية انتشار المبتكرات" من خلال عرضه لقصة انهيار مجتمع "يير يورونت" أحد المجتمعات الأصلية في استراليا بعد تحوله إلى استخدام فؤوس الحديد بدل الفؤوس المنحوتة من الصخر ، وقد استخدم " روجرز" كلمة الزعزعة مرات أثناء عرضه لقصة انتشارفؤوس الحديد في اير يورونت .
ومانريد ه تبيانه هنا بهذا الخصوص هو أن البحوث المرتبطة بالابتكارات المزعزعة الأولى هي في الأصل دراسات اجتماعية ،..وواضح ان اكريستنسن بحكم تخصصه قد اعتمد نوعا ما على مثل هذه البحوث فقط لفهم تحولات السوق، ولشرح أسباب تهاوي مؤسسات صناعية وتجارية كبرى في العقود الأخيرة..ومن المؤكد أن توظيف حادثة يير يورونت في هذا السياق ربما يكون أكثر من موفق ، فما فعلته ابتكارات مثل الهواتف النقالة مثلا من زعزعة للمؤسسات والشركات التقليدية يشبه إلى حد كبير ما فعلته فؤوس الحديد بالفؤوس المنحوتة من الصخر في مجموعة اير يرومونت.. ولأن اكريستنسن في الواقع كان يهتم فقط بتحولات السوق وليس المجتمع فإن مفهوم التكنولوجيا المزعزعة بشكل عام ظل إلى حد قريب وربما لايزال قضية صناعة وأعمال متأزمة، وليس قضية نظم اجتماعية منهارة .
وقصة شعب "اير يورومنت" قصة بسيطة وعميقة في نفس الوقت، فهو من الشعوب البدائية التي كانت تعيش في الجزر القصية من اكوينسلاند ( استراليا).. و قد ظل هذا الشعب حتى أواسط القرن العشرين في عزلة تامة عن العالم كله ،فلم يحدث فيه أي تطور أو انتقال منذو العصور القديمة ، عاش على الجمع والصيد في شكل مجموعات قبلية طوال تاريخه حتى إنه لم يعرف الزراعة ، وكذلك لم يقم بتدجين الحيوانات باستثناء الكلاب التي كان يستخدمها في الصيد ، ومن منظور حضاري ربما يكون هذا الشعب آخر شعوب الأرض انتقالا من العصر الحجري ..ففي الثلاثينات من القرن العشرين تمكنت بعثة تبشيرية أمريكية من الإقتراب من شعب ايير يورونت و اتخذت سكنا في الجوار غير بعيد ، وقد لاحظ المبشرون أن السكان لا زالوا يستخدمون الفؤوس المنحوتة من الصخور في الصيد وتقطيع اللحم وقطع الأغصان والخشب، فاستجلبوا فؤوس الحديد ووزعوها عليهم أحيانا بالمجان، وأحيانا مقابل بعض العمل ، وسرعان ما انتشرت فؤوس الحديد في المجتمع وأصبحت في متناول كل أحد سواء كان شابا أو امرأة .. وهكذا أصبحت فؤوس الصخر بلا قيمة وبلا معنى، وكان المبشرون يراقبون التحول الذي أحدثته فؤوس الحديد في جذل ، ولم يكونوا يدركون أنهم في الواقع كانوا يهدمون الأسس والروابط التي قام عليها المجتمع من ألاف السنين ..
لم تكن الفؤووس المنحوتة من الصخر مجرد أدوات ، بل كانت جزءا من أسس النظام الاجتماعي المترسخ عبر الحقب ، كانت فؤوس الصخر في العادة مملوكة لكبار السن من الرجال، لأن منطقة اير يرومنت لم تكن منطقة صخرية ، وكانت عملية الحصول على فؤوس من الصخر عملية معقدة تتطلب سفرا إلى مناطق بعيدة و تتطلب كذلك مبادلات معقدة ، لذلك كان على الأطفال والنساء لكي يستخدموا فؤوس الصخر الحصول على إذن من كبار السن، ولأن مجتمع اير يرومنت كان مجتمعا تعاضديا، الأشغال والخدمات فيه ترتبط بمستوى القرابات وليس بنظام الأجور، وكان كبار السن بحكم حيازتهم الحصرية للفؤوس يشكلون أعلى درجة في الهرم الاجتماعي والسلطوي ، وعلى هذا الأساس بنى المجتمع ضوابط وقيما معروفة و صارمة تناقلتها الأجيال، جيلا بعد جيل.
انقلبت أوضاع مجتمع اير يورونت فجأة رأسا على عقب،عندما انتشرت فؤوس الحديد، والواقع أن فأس الحديد كانت بالإضافة إلى توفرها، وسهولة الحصول عليها، أكثر فاعلية وأسرع قطعا وأقل جهدا ، فصار المجتمع أميل الاسترخاء لكثرة ما وفرت هذه الفؤوس من وقت للراحة ، وأكثر من ذلك تغيرت العلاقات الاجتماعية ، حيث إن الفؤوس لم تعد حكرا على الكبار فقط ، بل أصبحت النساء يمتلكن فؤوسا وحتى الأطفال أصبح لدى بعضهم فؤوسا خاصة بهم ، لم يعد الكبار يحصلون على الكثير من الاحترام ، بل إن بعضهم صار يستعير من النساء والشباب فؤوس الحديد لأن غالبية كبار السن كانوا في شجار مستمر مع المبشرين، وبالتالي لم يرضوا أن يأتوا إليهم طالبين فؤوسا..
انهارت القيم الاجتماعية في اير يورومنت بسبب انتشار فؤوس الحديد كابتكار مزعزع ، وظهر نمط الأجر في مقابل الخدمة، بدل القرابة ، ومورست الرذيلة اكثر مقابل إعارة الفؤووس..وبسبب ما وفرت الفؤوس الجديدة من وقت .. ومن المؤكد أن فؤووس الحديد ساعدت كثيرا في تسهيل الشؤون المعيشية للمجتمع، ومنحت كل فرد في المجتمع فرصة التحرر من الالتزامات والضوابط التقليدية ،ولكنها إلى جانب ذلك أيضا وضعت المجتمع وبطريقة مفاجئة، في مهب التحولات دون أن يكون هناك تدرج فعلي يمهد المجتمع للانتقال سلس نحو نمط العيش جديد ..
لقد أورد "إيفرت روجرز" حادثة انتشار فؤوس الحديد في خمسينيات القرن الماضي، أي قبل أي حديث عن التكنولوجيا المزعزعة، للتدليل على أن الابتكارات التي لا يمكن التحكم في نتائجها ولا التكهن بآثارها، يجب أن يتم التعاطي معها بحذر ، وربما تكون اهمية هذا التحذير غير كبيرة بالنسبة لغير ممتهني ترويج الابتكارات، ولكن قيمته تكمن في التأكيد على أن هناك بالفعل ابتكارات لا يمكن التحكم في آثار انتشارها وتداولها وشيوعها .
هل يمكننا القول اليوم إذن إن تأثير الهواتف النقالة ووسائل التواصل الرقمي مثل الفيسبوك وغيره في المجتمع المعاصر يشبه إلى حد ما التأثير الذي أحدثته فؤوس الحديد في مجتمع إيريورنت؟ ذلك أنه بالإضافة إلى انهيار الضوابط التي تحكم العلاقات عموديا مع مؤسسات الحكم ، فإن أنماطا جديدة من الصيغ والعلاقات بدأت تظهر اليوم أفقيا بسبب هذه المستجدات ، كالصداقة الافتراضية ، والمجموعات الافتراضية..كذلك..
و الواقع أنه في ظل الانحدار السريع أيضا لدور المؤسسات الإعلامية التي ظلت تمسك ردحا من الزمن بأزمَة الوعي فإن الكفة بدأت تميل كما هو معلوم لصالح إعلام فردي تحرر فيه الفرد من كل الضغوط والضوابط.


ولا جدال في أن وسائل التواصل الجديدة وإن كانت قضت على نظم كثيرة كانت تحكم أفقيا علاقات المجتمع ، فإنها أيضا وفي المقابل خلقت نظما وأنماطا جديدة من العلاقات والضوابط، فقد نشأت المجموعات المتشابهة homogenousالمنغلقة على نفسها ضمن وسط منفتح وهي رغم تشابهها تبدو أكثر قدرة على التواصل افتراضيا من قدرتها على التواصل في الواقع ..
ولم تقتصر التحولات هنا فحسب ،بل أصبحت تتم عبر هذه الفضاءات صفقات وأحداث ما كانت لتتم بهذه السرعة والسهولة في النمط القديم ،وقد اتُهم فيسبوك واتويتر بزعزة آليات العمل الديموقراطي في بلدان مهمة من العالم، و برعاية انواع من التجارة المحظورة..الخ
إن هذا يؤكد المقولة الشائعة بأن المجتمع هو مثل لعبة الدومينو كلما حركت قطعة منه من موضعها تغير وضع كل القطع تبعا لذلك ، إن الإعلام الرقمي من منظور تحولات السوق المحضة قضى على الصحف والمجلات ودور الطباعة والنشر وكل المنظومة الإعلامية التقليدية تقريبا ، وهو ما يعني انهيار قطاعات كاملة بل أسواق برمتها..ولكنه أيضا بذلك ، فتح المجتمعات على كل الاحتمالات ، وإن عالما جديدا بأنماط وعلاقات لم تأخذ بعد حجمها ولا صيغتها النهائية هو الآن يتشكل .

عودة للصفحة الرئيسية